mlogo

أحمد يوسف التاي

إمبراطورية الجاز

ما أعنية هنا ليس عوض الجاز، وإنما "عوض آخر" هو أنموذج سيئ للاحتيال والغش وتدمير الاقتصاد القومي والوجه الأسوأ للفوضى واللصوصية التي تُمارس على مرأى ومسمع الدولة... تصوروا معي أن شخصاً يأتي إلى وزارة الزراعة عبر وحداتها المنتشرة على طول البلاد وعرضها ويزعم أن لديه آلاف الأفدنة "خارج التخطيط" بهدف الحصول على الجازولين والتمويل الزراعي، وهو في الأصل لاعلاقة له بالزراعة ولا يملك فداناً واحداً، فتستخرج له الوزارة عبر مكاتبها المختصة بالولايات شهادة بذلك مقابل "رسوم" يدفعها لمدير المكتب المعني، دون التحقق من أن هذا الشخص "الدافع" يمتلك هذه المساحة من الأرض أم لا، ودون معرفة أن هذا الشخص يمتلك آليات زراعية لحرث هذه الأرض أم لا، وبناءً على هذه الشهادة "الفالصو" المُزوّرَة يحصل على كميات كبيرة من الجازولين وتمويل بملايين الجنيهات على حساب المزارعين الحقيقيين أصحاب الأرض، ويحظى هؤلاء المحتالون المزوِّرون باحترام مسؤولي الزراعة والبنوك...
يقوم هذا الشخص المزوِّر باستلام حصته كاملة من الجازولين المدعوم المخصص للزراعة بواقع ألف ومائتي جنيه للبرميل "1200" فيبيعها كلها في السوق الأسود بسعر ستة آلاف جنيه "6000" وعلى الملأ في سوق الـله أكبر، وعلى مرأى ومسمع الذين يُمثلون الدولة في تلك المناطق...
جريمة التزوير والاحتيال هذه تحدث كل عام في موسم الخريف وفي كثير من مناطق الزراعة الآلية المطرية تحديداً، وعلى سبيل المثال أنا أعرف أشخاصاً بالاسم لا علاقة لهم بالزراعة ولا يملكون فداناً واحداً هم الآن يشتهرون ببيع الجازولين في السوق الأسود ويسيطرون على هذا النوع من التجارة المشبوهة في موسم الخريف، وتحولوا من لا شيء إلى رأسمالية لهم حسابات في البنوك وممتلكات، ويحصلون على التمويل الزراعي المخصص للزراعة بعلاقاتهم الشخصية والمحابات ويوظفون هذه الأموال في تجارة الكسر والكتفلي ويمارسون شتى أنواع الربا والنشاط الطفيلي المدمر، فهم مُرابون مُحتالون مُزوِّرون يمارسون نشاطاً طفيلياً هداماً غير مشروع، ويحرمون المزارعين الحقيقيين من حصتهم في التمويل الزراعي، أقول ذلك وأنا أعلم كذلك عدداً من المزارعين يشترون الآن برميل الجازولين بمبلغ ستة آلاف جنيه بدلاً من ألف ومائتين، بمعنى أن "عوض الآخر" المُزوِّر يحتال لأخذ حصتهم المدعومة المخصصة لهم ليبيعها لهم بمبلغ ستة آلاف بعد أن يربح خمسة آلاف في البرميل الواحد اتكاءً على علاقاته مع القائمين على أمر هذه المؤسسات التي تمثل الدولة هناك...
بالـله عليكم من يوقف هذه المهازل التي تتكرر عاماً بعد عام، فمن لهذه الفوضى القاتلة المدمرة للاقتصاد... هل مسؤولو مكاتب الزراعة في سنجة والدندر، والدالي والمزموم وسنار وغيرها لا يعرفون إن كان هؤلاء المحتالون المزورون يمتلكون أراضٍ زراعية أم لا؟ هل حقاً أنهم لا يفرقون بين المزارع وسمسار الأواني المنزلية، وتُجّار الخُرد، و"فرِّيشة" البصل والعدس والنبق واللالوب، أم أن هناك أموراً أخرى، فهل ذهبوا يوماً للتأكد عن حقيقة هذه المساحات المكتوبة على الورق.
على أية حال هذه قضية أمن قومي، وسياسات استراتيجية عليا ينطوي ما ينطوي عليها من المخاطر، فلابد أن تلتفت إليها الدولة والثورة التي ما زالت جذوتها تتقد... الـلهم هذا قسمي في ما أملك..
نبضة أخيرة
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الـله، وثق أنه يراك في كل حين.

 

Who's Online

760 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search