أحمد يوسف التاي

اغتيالي عام 1980م (5 ــ 5)

نزعتُ نفسي من بين أحضان أبي وظللتُ أجول ببصري بحثاً عن أمي كي أطمئن عليها، فإذا بها تهرول نحوي وتضمني إلى حضنها الدافئ للحظات طويلة، تقبلني بهياج ثم تضمني إلى صدرها مرة أخرى، وكان مشهداً مهيباً ومازال الصمت يلف المكان والناس بين مصدق ومكذب... يتعانقون ساعة من الليل فرحاً وابتهاجاً، كيف لا يفرحون وقد جاءوا يسعون إلى الموت، وقد رأوه وهم ينظرون، وجاءوا يثأرون لفلذة كبد واحد منهم قُتل دونما ذنب جناه، فإذا هو شبحٌ أمامهم.
تحول المشهد التراجيدي الحزين فجأة إلى كرنفال فرح غامر... أمر جدي بإطلاق سراح (أسرى الحرب) وحُلّ وثاقهم، لكن قبل هذه الخطوة جيء بكل الصبية الذي تم الاعتداء عليهم وطلب منهم البعض ضرب الرعاة ليكون العقاب من جنس العمل، (يعني ضربك تضربو قطع أضانك تقطع أضانو، قطع نخرتك تقطع نخرتو كما قال الشيخ إبراهيم السنوسي)، وبالفعل أخذ الصبية السياط واستوفوا حقهم ضرباً على ظهور الرعاة، ودُفع إليّ بسوط (عنج) وطلبوا مني أن استوفي حقي... ورفضتُ ان امد يدي على أي منهم، وقلت قولة مشهورة: (انا حاجة ما عملتها قبيل ما بعملا هسي وهم مكتّفين)... المهم اطلق سراحهم، وعدنا إلى القرية بعد صلاة العشاء وبطون الناس خاوية لم تدخلها  لقمة او شربة ماء، اللهم إلا من اغترف غرفة بيمينه من مجاري شارع التركتورات.
وفي صباح اليوم التالي (يوم العيد) كان الجو صحواً لكنه ملبد بالغيوم... المهم وبينما الناس قد فرغوا لتوهم من صلاة العيد واستعدوا لمتابعة الخطبة... في تلك الأثناء تفاجأ المصلون بأعداد كبيرة من الركبان على ظهور جِمال عليها (أخراج)  ـ جمع خُرج بضم الجيم ـ وهو وعاء من الجلد أو البلاستيك يُثبت على (المخلوفة) او (الحويّة) وهما من انواع السروج التي تُوضع على ظهر الجمل عند الركوب، ويُستخدم (الخُرج) لحمل الاغراض والزاد والسلاح.
وانتظر الركبان انتهاء الخطبة، وكان من ورائهم ايضاً جمع آخر خلف الغابة ينتظر لحظة الصفر... وتقدم الركبان بخطى ثابتة نحو جمعنا ثم طفقوا يتحدثون بأسلوب حاد ولغة جافة (لغة الحرب) ويتحدثون عن خسائر مادية ومعنوية حدثت لهم في معركة (29 رمضان).. ويتحدثون أيضاً عن نوق لهم ماتت جراء إطلاق النار العشوائي، وإصابات حدثت لبعض أبنائهم الرعاة، يتحدثون بهياج وانفعال شديد والشرر يتطاير من عيونهم... يعني كتمت تاني، والحرب أولها كلام.. وكلامهم كان يعني أن الحرب قد بدأت.
حكماء القرية ومشايخها كانوا حريصين جداً على التهدئة وامتصاص أية بادرة غضب في حينها، فكان حكماء القرية بمثابة عربة إطفاء ذات كفاءة عالية، فجادلوهم بالحسنى وقالوا لهم قولاً لينا... أما شباب القرية وفتيانها فقد اكملوا استعداداتهم في انتظار بدء القتال، وكادت تقع مجزرة، لكن توصل العقلاء إلى صلح فوري سد ذرائع الشيطان الذي كان حاضراً بقوة... وعاد الركب ادراجه بلطف من الله ورحمة منه، وكفى الله المؤمنين القتال.
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين. (نواصل).

Who's Online

656 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search