mlogo

د. عارف الركابي

البروفيسور عارف الركابي

تجديد أصول الفقه عند الدكتور الترابي – دراسة نقدية (2)

من آخر الأبحاث التي وفقت لإنجازها وحظي بتحكيم علمي من جهات تحكيم معتبرة بحث بعنوان: (تجديد أصول الفقه عند الدكتور حسن الترابي – دراسة نقدية)، وإن كان بعض جزئيات البحث هي مما جمعته قديماً ونشرته أثناء فترة الدراسة الجامعية ضمّنته في كتابي المنشور (إلكترونياً) بعنوان: (بيان كمال الدين والانتصار لسنة خاتم النبيين) في الرد على كثير من القضايا والمسائل على الدكتور حسن الترابي، وقد سبق أن نشرت بهذا العمود أكثر من عشرين مقالاً في مناقشة الدكتور الترابي في قضايا متنوعة، وقد رأيت أن قضية (التجديد في أصول الفقه) عند الترابي من القضايا التي تستحق أن تفرد ببحث خاص خاصة إذا تم الربط بين ما يعنيه من مصطلح (تجديد) وما أتى به من (فتاوى) و(آراء) كانت هي نتاج لما يعنيه من مصطلح (تجديد الفكر الإسلامي) و(تجديد أصول الفقه الإسلامي)، وفي حلقات ثلاث سأضع – بمشيئة الله تعالى- بين يدي القراء الكرام خلاصة هذا البحث وهو ما درج عليه عمود (الحق الواضح) في عرض خلاصات الأبحاث ونتائجها، وقد كانت الحلقة الماضية وهي الأولى مقدمة، وقف من خلالها الإخوة والأخوات على معنى التجديد في أصول الفقه ونبذة يسيرة عن إسهام العلماء فيه وهذه الحلقة وما يليها ستكون – بإذن الله تعالى – في عرض ونقد ما أورده د.حسن الترابي في علم أصول الفقه، فأقول:
إن موقف الدكتور حسن الترابي من أصول الفقه الإسلامي يمكن أن يؤخذ من مؤلف خاص له في ذلك، فقد ألف رسالة بعنوان: (تجديد أصول الفقه الإسلامي) بين فيها رأيه في أصول الفقه الإسلامي.. ورأيه في الاجتهاد وشروطه.. ثم دعا إلى تجديد بعض الأصول بنفس الطريقة التي دعا بها إلى عقيدة جديدة وتفسير جديد وفقه جديد..وسوف أكتفي بنماذج من ذلك نظراً لحرصي على الاختصار والإيجاز بقدر الإمكان، والنماذج اليسيرة في ذلك تؤدي المقصود؛ وهو بيان حقيقة الدعوة التجديدية التي دعا الدكتور حسن الترابي لها.
نظرته إلى علم أصول الفقه ونقده فيها:
قال الدكتور حسن الترابي: «لا بد أن نقف وقفة مع علم الأصول تصله بواقع الحياة، لأن قضايا الأصول في أدبنا الفقهي أصبحت تؤخذ تجريداً، حتى غدت مقولات نظرية عقيمة لا تكاد تلد فقهاً البتة، بل تولد جدلاً لا يتناهى» تجديد أصول الفقه ص 7.
وقال: «وفي يومنا هذا أصبحت الحاجة إلى المنهج الأصولي الذي ينبغي أن تؤسس عليه النهضة الإسلامية حاجة ملحة، لكن تتعقد علينا المسألة لكون علم الأصول التقليدي الذي نتلمس فيه الهداية لم يعد مناسباً للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء، لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، بل بطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه إليها البحث الفقهي» تجديد أصول الفقه ص13.
في هذين النقلين – وأوردتهما كنماذج - يتبين لنا موقف حسن الترابي من علم أصول الفقه ونظرته له، ومما تبين لنا أنه يرى أن أصول الفقه أصبح تجريدياً لا يفيد في معرفة الفقه، بل لا يفاد منه إلا الجدل غير المتناهي!!! وأن علم الأصول لم يعد مناسباً للوفاء بحاجاتنا المعاصرة!! وأنه بناء على هذا الرأي بحاجة إلى تطوير أي (تغيير) وسيتضح بجلاء من خلال هذه الدراسة أن قصده بالتطوير هنا هو التغيير والتبديل!!
قلت: هكذا حكم الدكتور حسن الترابي على علم هو من أهم علوم الشريعة بهذا الحكم الذي سطّره ثم قام بنشره، ويعتبره غير صالح لهذا الزمان، ولا يخفى ما في كلامه من (تجهيل) لعلماء الإسلام المتقدمين والمتأخرين الذين ألفوا في هذا العلم ودرّسوه ، وتجيهل لفقهاء الإسلام الذين بنوا الفقه على هذا العلم العظيم الذي هو السبيل والطريق إلى معرفة الفقه واستنباط الأحكام.
ولم يقدّم الدكتور الترابي حجة يؤيد بها قوله، كما لم يستشهد بكلام للعلماء المتقدمين أو المتأخرين في ذلك.
إن علم أصول الفقه هو العلم بالقواعد والأدلة الإجمالية التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه.
فإن علم أصول الفقه للفقه كالأصل للبناء، والميزان الذي يوزن به الاستنباط فهو علم عظيمٌ شأنه عميمٌ نفعه جليلٌ قدره.
وقد وصفه ابن خلدون في مقدمته ص452 بأنه : (من أعظم العلوم الشرعية، وأجلها قدراً، وأكثرها فائدة).
إن الدارس لعلم أصول الفقه يقف على موضوعه فإن موضوع علم أصول الفقه الأدلة والقواعد الإجمالية التي يتوصل من خلالها إلى استنباط الأحكام الشرعية؛ كما يقف على مباحثه، وقواعده، ومسائله، وهي قد وضعت للتوصل إلى الاستنباط الصحيح لمسائل الفقه، وإن تغيّر الظروف التاريخية لم يقل أحد من أهل العلم إنه يستدعي تغيير مسائل أو قواعد أصول الفقه، فإن مسائل وقواعد الحكم الشرعي أو الأدلة أو دلالات الألفاظ أو الاجتهاد والتقليد أو التعارض والترجيح التي دوّنها علماء الأصول في كتبهم لا تتغيّر ولا تتبدّل؛ وعلى سبيل المثال فإن قاعدة الأمر المطلق يفيد الوجوب أو أن النهي يفيد التحريم أو أن الجمع أولى من الترجيح أو أن الحكم الشرعي ينقسم إلى تكليفي ووضعي أو غير ذلك من القواعد الأصولية في مباحث الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس أو غيرها، ما التغيّر الذي يجب أن يطرأ عليها بحسب ما دعا إليه الترابي ؟! وهل التقسيمات والقواعد الأصولية يمكن أن تتغيّر بتغيّر الظروف التأريخية ؟!
إن كان الدكتور الترابي بيّن أن المقصود هو ما يكون في صياغة بعض القواعد وتسهيل ألفاظها، وما يكون في إثراء مباحث أصول الفقه بالتطبيقات العملية المستجدة، ونحو ذلك؛ فإن هذا ونحوه لا إشكال عليه، لكن ما ذكره كان عاماً، وما دعا إليه تفصيلاً – في حقيقة الإجماع والقياس وغيرهما - أكّد به ذلك.
ومن المناسب ذكر أبرز فوائد علم أصول الفقه وغاياته، لتأكيد أنها متحقّقة في كتب أصول الفقه ومصادره التراثية وما تولّد عنها، لا يتغيّر الحال بتطور العصور واختلافها :
فإن من فوائد علم أصول الفقه وغاياته: الفقه في الدين، ومعرفة أحكام الشرع المتين، وذلك بتطبيق قواعد الأصول، على أدلَّة الله والرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ثَم حسن إسقاطها، على الحوادث عند تنزيلها.
ومن فوائده تعلّم الاجتهاد وحذق النظرات، خاصَّة في الوقائع والمستجدات، وما لا تظهر فيه البينات، ولا تكلم فيه الأئمة السادات، فعلى سبيل المثلات، مسألة تجميد الأجنة والبويضات، والتلقيح الصناعي وغيره من العمليات.
ومن فوائده معرفة حِكَم الشريعة وأسرارها، والتأمل في علل أحكامها، ومعرفة مقاصدها بأنواعها، ضرورية كانت أو حاجية أو من تحسينياتها، ومن ثَمّ تنزيلها في مراتبها، ثُم العِلْم بمصالح الأنام من مفاسدها، ومعرفة المعتبر منها من ملغيها.
ومن فوائده القدرة على مواجهة معطّلي الشَّريعة، ومقابلة الشبهة بخير ردّ، مع حل لكلّ العقد، ومن ثَمَّ التبيين أنَّ شريعتنا، منحة من ربّنا، فيها حلّ لمشاكلنا ومستجدَّاتنا، مع صلاحيتها لكلّ زمان ومكان.
ومن فوائده دفع التَّناقض عن الفقيه، وذلك بتفريقه بين المختلفات، والتسوية بين المشتبهات، والأمور المتماثلات، مع الاطّراد في القواعد والتأصيلات، فمن لم يضبط ذا، ولا عرف ذاك ولا هذا فقد أوقع نفسه في المتناقضات، وأولجها في الجهالات.
ومن فوائد علم الأصول أنه لا يستغني عنه مفسر في تفسيره، ولا محدث في تأويله؛ إذ كل واحد محتاج إلى فهم النصوص والاستدلال بها، والجمع بين اختلافها.
هذه هي أبرز الفوائد والغايات من علم أصول الفقه، وهي تتحقّق بما ورثه المسلمون من كتب أصول الفقه على تنوّع مذاهب مؤلفيها وعصورها وطريقة التأليف وعرض الموضوعات فيها.
ونواصل في الحلقة التالية بمشيئة الله تعالى ..

Who's Online

290 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search