mlogo

الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

إساءة المعلمين.. تهتك سياج الاحــــــترام

عرض – هادية قاسم
(قُم للمعلم ووفّهِ التبجيلا كاد المعلم أن يكونَ رسولا). لوقتٍ قريب كان المعلم يحظى بمكانة مرموقة في المجتمع، وكان الطلاب يرفعون له القبعات احتراماً وإجلالاً، وحينما يصادف الطالب معلمه في مناسبة اجتماعية كانت الرهبة تسيطر عليه لهيبته.. لكن اليوم فقد كاد المعلم أن يفقد هيبته أمام الطلاب، فالمسافة التي كانت بينه وبين الطالب تم تجاوزها، واصبح بإمكان الأخير أن يقوم بسلوك سيئ أمام معلمه دون أن يطرف له جفن. (الإنتباهة) تتساءل: ما السبب وراء عدم احترام المعلم، ولماذا اهتزّت صورته أمام الطلاب وما الآليات التي يمكن أن تعيد المعلم الى سيرته الأولى وتعيد اليه مجده القديم؟ جملة من المحاور يجدها القارئ.
نماذج
ربما أدى انتشار فيديوهات لطرد طالبات لمديرة مدرستهن بصورة غير لائقة ــ أدى لوضع الملح على الجرح، فقد تناقلت وسائط التواصل الاجتماعية الموضوع بشيء من الامتعاض، لجهة أن المعلم الذي يسعى لتعليم غيره لا يستحق إلا كل الحب والتبجيل، فهل غابت أدبيات احترام المعلم عن الأجيال الحالية من الطلاب، فطفقوا يكيلون له السب والشتائم بصورة لا تتماشى مع أعرافنا وتقاليدنا السمحة.
وبالطبع طرد معلمة من المدرسة لم يكن الأخير، فقد تم طرد مدير إحدى المدارس بصورة مذِلّة من قبل تلاميذه وهم يهتفون في وجهه.. لكن هل الخلافات السياسية بالضرورة تفقدنا احترامنا للمعلم.
لا تمثلنا
فيما أجمع بعض الطلاب الذين استمعت اليهم (الإنتباهة) على أن تلك السلوكيات لا ينبغي أن تُعمّم على كافة الطلاب، واعتبروا أن تجاوزاتهم لا تمثّل كل القطاع الطلابي. فيما يذهب آخرون الى أن المعلم في كثير من الأحيان يتعمّد استفزاز الطالب، ويصل هذا الاستفزاز الى أن يقذف طلابه بألفاظ نابية، بعكس أسلوب المعلم قديماً.
مناهضة سلوك
أحمد حسن حمد معلم بالمرحلة الثانوية كان قد قاد حملة عبر (الفيسبوك) تندد باضطهاد المعلم، وقال لـ (الإنتباهة): (لن تنهض دولة أو تتقدم وهي لا تحترم العلم والمعلمين)، وقال معلّقاً على حادثة طرد معلمة بواسطة تلميذاتها من المدرسة إنه مؤشر خطير للغاية، وسيغري كثيراً من الطلاب لنفس السلوك، وسيقلل من احترام وتقدير الطلاب وأولياء الأمور والمجتمع المعلم، ومن ثمّ سيضعف رغبة المعلم في العطاء والتطوير مادام سيكون جزاؤه جزاء (سمنار)، وبالتالي يؤدي ذلك كله إلى انهيار التعليم. وطالب أحمد حسن بعدم (خلط) الأوراق، موضحاً أن كل من تثبت إدانته من النظام السابق سواء معلم أو غيره يجب أن يُحاسب لكن من يحاسبه هو القضاء والقانون وليس المجتمع أو التلاميذ. وناشد بدوره المجتمع أن تجد هذه الحادثة الإدانة من كل أفراد المجتمع، قائلاً: (إذا لم يجد ذلك الإدانة فإننا سنحرر شهادة وفاة التعليم قريباً)، وبعدها سنحرر شهادة وفاة السودان الذي كنا نحلم فيه بالحرية والسلام والعدالة).
(ضقنا الويل)
كمال احمد يوسف الذي ظل يعمل على مدى خمسة أعوام بالمدارس الاجنبية، ذكر في حديثه للصحيفة أن تلك الفترة التي قضاها بين أروقة المدارس الأجنبية قد ذاق فيها (الويل) وفقاً لتعبيره، مرجعاً عدم احترام الطالب للمعلم لأسباب عديدة أهمها المادية والتي جعلت المعلمين بصورة عامة يلجأون الى الدروس الخصوصية لسد النقص المادي لديهم، وبالتالي يكون المعلم قد كسر حاجز الرهبة بينه وبين الطالب، مما يدفع بعض الطلاب الى اعتبار المعلم شخصاً عادياً يُعامل معاملة عامة الناس. وأضاف أن التعليم الخاص أيضاً قد ساهم في ذلك، فمعظم الطلاب يرون أن بأموالهم الطائلة التي يدفعونها يمكنهم أن (يعملوا الدايرنو). وذهب إلى أن سلوك الطالب يرجع للأسرة ومدى اهتمامها بتربيتهم وغرس المفاهيم والقيم ، وقال إن الأسر المفككة تنعكس سلبياتها على سلوك الطلاب. وأكد كمال أحمد أن هذه التجاوزات تكون بصورة أكبر في المدارس وتقل تدريجياً في الجامعات، وربما كان ذلك مرده الى وعي الطالب الجامعي، بينما تتعاظم من بعض الذين يدرسون في مدارس اجنبية. وكشف الأستاذ عن أن الطلاب الأجانب الذين يدرسون بالسودان هم اكثر تأدباً واحتراماً للمعلم من السودانيين أنفسهم. وقلل من احتمال وجود حالات عكسية، وأضاف قائلاً: (نادراً ما يوجد اساتذة يقذفون الطلاب، وان وجدت تكون نتيجة ضغوط أو كرد فعل لسلوك الطالب).
الدروس الخصوصية
ومن داخل اسوار مدرسة الخرطوم العالمية يؤكد المعلم محمد خليفة أن المعلم فقد هيبته أمام الطالب، ويتفق مع المعلم كمال في الأسباب التي أدت الى ذلك خاصة المادية، بجانب تعامل الطالب مع المعلم وكأنه عامل لديه. وقال إن المدارس تحرص على وجود الطالب أكثر من المعلم، مشيراً الى ان العقوبات تقلل من ذلك إلا أنها انعدمت، كما أن الدروس الخصوصية انتقصت من هيبة المعلم وجعلت الطالب يدرك ان المعلم هو الذي يحتاج له. وكشف محمد خليفة عن آليات بإمكانها أن تعيد للمعلم هيبته وأن تكون عبر التربويين، وذلك من خلال وضع قوانين مفعّلة تحفظ للمعلم حقه.
ووصف المعلمين بأنهم مضغوطون من الإدارات المدرسية التي تحرص على إرضاء الطالب بأي شكل من الأشكال.
رأسمالية
وقال أيضاً إن معظم ملاك المدارس من الرأسمالية وليسوا من التربويين، فيما يؤدي ذلك الى تهاون الإدارات وبعض المعلمين. وألمح كمال الى أن غياب عقوبة الطلاب البدنية وتضخيم اثرها على الطلاب أدى الى استهتار الطالب بالمعلم، موضحاً أنهم كمعلمين لا يعوّلون كثيراً على إن كان الطالب (شاطراً أو بليداً) بالقدر الذي يحرصون فيه على أن يكون مهذباً ومحترماً. وأوجز معاناة المعلم بصورة عامة في سلوكيات الطالب.
هيكلة الرواتب
ويرى الخبير التربوي أ. حافظ أحمد التيجاني في حديثه لـ (الإنتباهة) أن الظروف الضاغطة التي يعيشها المعلمون عملت على خلق بعض التجاوزات والسلوك غير الأخلاقي من الطلاب. ويوضح أن رواتب المعلمين في السابق كانت عالية مقارنةً بالموظفين الآخرين، فيما كانت وزارة التربية والتعليم تختار المعلم التربوي فقط، لكن اليوم نجد أن 95% من المعلمين بالمدارس الاجنبية لا علاقة لهم بالتربية، وبالتالي هنالك أمور تربوية لا يستطيعون التعامل معها. وقال إن الحل يكمن في اعادة هيكلة مرتبات المعلمين حتى يرجع المعلم الى سيرته الأولى أمام الطلاب.
تغيرات مجتمعية
اما أستاذ علم الاجتماع بالجامعات عبد الرحمن علي سعد، فقد أرجع في حديثه لـ (الإنتباهة) الأسباب التي جعلت المعلم يفقد مكانته لدى طلابه الى وضع المعلم الاقتصادي الذي جعله يسعى لتحسين أوضاعه المعيشية من خلال وظائف أخرى قد لا تتناسب مع مكانته كمعلم، بجانب سلوكيات الطلاب التي ألقيت عليها ظلال التغيرات التي طرأت على المجتمع، ومن ثمّ أصبح الطالب لا يحترم معلمه.
وقال عبد الرحمن إن ذلك كله يرجع الى التربية داخل الأسر، فإن صلُحت صلُح سلوك الطالب وإن فسدت انحرفت أخلاقه للدرجة التي لا تجعله يدرك أهمية احترام وتقدير المعلم.

تواصل معنا

Who's Online

442 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search