mlogo

الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

الاعتداد بالنفس والجرأة والذكاء اللماح.. والمحبة العارفة بفن التجاني شعره ونثره

أبوعاقلة إدريس
للشاعر محيي الدين فارس (1932 – 2008م) نظر نقدي ثاقب ، ما في ذلك شك ، تلمس ذلك في دراساته النقدية ورؤاه حول الأدب والحياة في بعض المظان هنا وهناك ، والناقد كشاف أعظم ، والناقد يشغل ذهنه – عمره كله – ليفك شفرة ما ، أو ليحلل ويستبطن ، أو ليعيد قراءةً ما ..
وفي آثار الناقد محيي الدين فارس مظانّ هنا وهناك عن اتجاهات النقد عنده وسيرورته ، تلتمس ذلك متتبعاً ما خلف من نقد في مثل مساجلاته النقدية العميقة مع الشاعر السوري الكبير نزار قباني (1923-1998م)– أحد أشهر شعراء القرن العشرين منذ انصرام النصف الأول منه – ومثل مساجلات فارس مع الشاعر السوداني الناقد المنشئ المجيد محمد محمد علي (1922 – 1970م) عن "الغموض في شعر التجاني" ، وقد عزا محمد محمد علي ذلك الغموض في شعر الشاعر السوداني المجدد التجاني يوسف بشير ( 1912 – 1937م) إلى عدم اكتمال تجاربه ؛ لذلك كان يبالغ في تجسيم الأشياء التي لا جسم لها ، فالمبالغة في تجسيم الأشياء التي لا جسم لها – حسب رؤية الناقد محمد محمد علي في دراسته النقدية "الغموض في شعر التجاني" في صحيفة "الصراحة" – بتاريخ الأول من سبتمبر عام 1953م – أقرب إلى تصورات الأحداث منها إلى أخيلة الكبار ، الذين أرغمهم واقع الحياة على الاعتراف به ، فللدجى في خيال التجاني نفق مثل النفق الذي يكون في أرض سحرية ؛ لأن نفق الأرض المعهودة لا أعتقد أنه يسع الزمان – إذا حول إلى سائل – وصب فيه :
في الليل عمق وفي الدجـــى نفــق
لو صب فيـــه الزمــــان لابتلعـــه * (9)
ولقد أبلى محيي الدين فارس بلاءً حسناً وهو ينافح عن التجديد في شعر التجاني يوسف بشير – في معرض رد فارس على محمد محمد علي حول الغموض في شعر التجاني – إذ أن فارساً مولّه بفلسفة التجاني وعمقه ،مأخوذ بكثافة صوره واحتشادها على نحو صورته المركبة المكثفة المتعمقة :
في الليل عمق وفي الدجى نفق
لو صب فيــه الزمــان لابتلعــه
ولعل روح المناكفة عند الناقدين محمد محمد علي ومحيي الدين فارس هو ما أحال مساجلاتهما عن الغموض في شعر التجاني إلى معركة ثائرة الغبار ، فيها من اللجاجة ومجانبة الموضوعية ما فيها ، وفيها من تحويل دفة المركبة من تحويل النقد العام إلى نقد شخصي على نحو الجمرات اللاهبات التي تطايرت من يراعة الناقد محمد محمد علي وعلى نحو كلمة الناقد محيي الدين فارس عن غريمه "السوفسطائي الهرم" ، وهذا مما يؤخذ على نقد الناقدين الكبيرين في مساجلاتهما – المشار إليها – عن الغموض في شعر التجاني ، بيد أن ما يحمد لهما كثير جد كثير ، إذ يذكر محمد محمد علي باعتداده وجرأته وذكائه الألمعي الوقاد .. الذكاء اللماح الذي عناه بروفيسور عبدالله الطيب (1921 – 2003م) في معرض رثائه المجذوب (1919 – 1982م) باكياً صاحبهما محمد محمد علي :
مضى ابن علي ذو الذكاء ذكاؤه
يشــع بــه طـــرف لـــه وجبيــن
ألمّ به الداء العضال فمــا وهــى
له لبــه والحــــد منـــــه سنيــــن * (10)
ويذكر محيي فارس بالاعتداد نفسه والجرأة عينها والذكاء اللماح ذاته .. أضف إلى ذلك محبة عارفة بفن التجاني شعره ونثره .. محبة عارفة بشعر التجاني على غرار ما أبدعته صورته :
في الليل عمق وفي الدجى نفق
لو صب فيه الزمـــان لابتلعــه
ومحبة عارفة بنثر التجاني على حد قوله في مقاله "مشكلة أدبية كبرى بين الناقد والشاعر" – والذي نشر في مجلة "الفجر" ، المجلد الأول ، أول نوفمبر 1934م ، ص : 497 - :
" إذا توقف فهم الأشياء على الذوق ، وانقسمت الأنفس في داخلها إلى مذاهب وشيع وتناصرت العواطف والأعصاب ، وتفاعل العقل والقلب ، واضطرب الوجود الداخلي وتعددت مقاييسه ورجحت كفة وشالت أخرى ، ثم شالت كفة ورجحت أخرى ، وتبلدت نفوس ونشطت نفوس، وكان جفاف وكان لين ، وكان تناكر وكان ائتلاف ، هنالك يصبح سلطان العقل ضيقاً محدوداً لا أثر له في حكم يصدره أو أمر يضيفه ، وإلا كان سادراً في ضلاله متى حاول أن يقف من الذوق موقف الهيمنة والسلطان ، وهل يمكن أن يكون الذوق شيئاً تتحكم فيه أقيسة المنطق أو ضرباً من العلوم النظرية التي يخضعها العقل لسلطانه فينفذ منها إلى أقصى ما تصل إليه أطرافها من دقة وعمق أو من تغور وامتداد .. ؟ لا لن يكون ذلك ولن تحلم القوى العقلية نفسها أن تستحيل يوماً ما إلى قوة روحية بحتة . ولكن بعض النقاد – سامحهم الله – من الذين لم تتوافر فيهم تلك الميزة الروحية الخفية التي يتهيأون بها إلى فهم لغة القلب . تأبى عليهم مقاييسهم النابية الجافة إلا أن يقحموها في كل شيء وإلا أن يزنوا بها ما خف ولطف حتى لم يعد له في أنصبتهم أثر ، وما جف وثقل وتحجّر وتراكم حتى طفر إلى ما وراء أرقام الميزان . وهم بذلك يتحيّفون على الشعر الحديث وعلى مناهج الشعر الحديث وينظرون إلى الحركة الأدبية نظرة شك وارتياب . ويعلنون في صراحة مؤلمة أنهم لا يفقهون شيئاً من هذه التعابير التي قد يكون فيها "شرب الضوء "و"رشف الأشعة" و "التهام النظرات" ومفهوم أن العقل لا يقر شيئاً من هذا ؛ لأنه فيما يفكر ويتناول ويقرّ ويثبت ماديّ بحت أو كالماديّ البحت لا يؤمن بالروح ولا يعرف كيف يكون شيء من هذا الجنون . " * (11)
* (1) عضو ندوة العلامة عبدالله الطيب التي ينظمها معهد بروفيسور عبدالله الطيب للغة العربية بجامعة الخرطوم .
• عضو بيت الشعر السوداني – الخرطوم .
• رئيس تحرير صحيفة (النيمة) التي تصدر عن مؤسسة شمبات الثقافية الاجتماعية

تواصل معنا

Who's Online

1160 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search