اجتماعي و ثقافي

الشعر الثوري..(يا شعبـاً لهبك ثوريتـــك)..!!

هادية قاسم المهدي
الإبداع يحتاج الى أرض خصبة حتى ينمو، وما حدث إبان انطلاقة الثورة من ضرب وقتل واعتقالات كفيلُ بأن يكون أقوى مصادر الإلهام، الأمر الذي حرّك دواخل الشعراء فكتبوا بدمائهم أشعاراً هتافية حملت في مضامينها قيمة ثورية وأدبية. ويبقى السؤال: هل يمكن أن يكون الإنتاج الشعري الحالي إضافةً للأدب النضالي الذي كتبته أجيالُ سابقة؟ وهل بإمكانه أن يحل محله أثناء احتفاءات البلاد الرسمية التي كانت تركّز على الكتابات القديمة بحجة عدم وجود إنتاج نضالي جديد!
(الإنتباهة) تناولت الموضوع مستعرضة بعض الجوانب ومستطلعة أهل الشأن:
تليد
ما أن تستعد البلاد للاحتفاء بأعياد الاستقلال إلا وتبدأ أجهزة الإعلام الرسمية خاصة الفضائيات في بث أغنيات العطبراوي (أنا سوداني) وغيرها، حتى أصبحت الأغاني الوطنية والتي تجيء على تلك الشاكلة مكررة على مر السنوات الطويلة، وقد تساءل كثير من المتابعين عن السبب الذي أفضى إلى ذلك التكرار, وبرزت أصوات تنادي بضروة التجديد, فيما كان الشعراء عازفين عن الكتابة الا من رحم ربي. وربما كانت الأوضاع السياسية التي تعيشها البلاد على مدى ثلاثين عاماً هي التي أسهمت في إحجام الشعراء وعكس دواخلهم. كما نجد أن القلة القليلة منهم أمثال محجوب شريف ــ حميد ــ هاشم صديق ــ عاطف خيري ــ عثمان بشرى وأزهري محمد علي وغيرهم ــ هم الذين كتبوا بالرغم من سياط الجلّاد التي كانت تطاردهم من وقت لآخر .
جيلي أنا
كتب محمد المكي إبراهيم :
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنىً أن يعيش وينتصر
من غيرنا ليُقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسِير
من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمة
جيل العطاءِ المستجيشُ ضراوةً ومصادمة
المستميتُ على المبادئ مؤمناً
المشرئبُ إلى النجوم لينتقي صدر السماءِ لشعبنا
جيلي أنا...
وكان المكي في قصيدته تلك يفخر ويباهي بجيله (المستجيشُ ضراوةً) ظنّاً منه أن جيله هو الذي يعطي لشعبنا معنى أن يعيش وينتصر, ليثبت الجيل الحالي والذي انتفض أخيراً في وجه الطغاة، أنه يسير على ذات نهج الكبار. فرائعة محمد المكي لن تكون آخر إبداعات الثائرين, وقد كتب عدد من المبدعين كثيراً من الملاحم الثورية التي وجدت قبولاً لدى المتابعين .
(كبرت الزنزانة)
الشاعر أزهري محمد علي كتب ضمن القصيدة التي رثى فيها صديقه حميد :
يا فطون فطن حميد فطمنا غنانا لا تأطينا لا سبنا الخيول تأطانا
قدمناه أمام لا ضلّ لا ضلّانا ما هاب السجون ما فزَّ من سيطانا
وكت الكور حمى ثابت ركز لي بطانة لكن البلاد باعت أيادي بطانا
عالجا بالرحيل مدّت وراهو لسانا جَرّبا بالعويل قلبت حديثا رطانة
حَنّسا بالهديل رخت الحبـيـبة أضانا يا كل الطيور دائماً تحن لأوطانا 
ما ضاق الوطن بس كبرت الزنزانة 
ونجد أن أزهري هنا يفاخر ويباهي بالراحل حميد الذي كان يتقدّم المناضلين من الشعراء والمناهضين للنظام البائد، وكيف أنهم قد ركزوا ولم يطأطئوا رؤوسهم, ويشير أيضاً الى أن حميد لم يخشَ السجون وما يلاقيه فيها من ضرب وتنكيل .
خوفنا راح
غرّدت الفنانة نانسي عجاج بأغنية ثورية داخل أرض الاعتصام ووجدت قبولاً كبيراً, القصيدة التي كتبها الشاعر فيصل عبد الحليم ولحنتها عجاج تقول بدايتها :
النيل سليل الأكرمين
ما بشيل حلم أطفال يفوت
النيل أصيل
معنى وصفات
فضح السكات
الفي الصفوف
فضح الكفوف
الما بتشيل بضراعا حق
فضح الضمير الفينا مات
واتفرقت بينا الجهات
أم الشهيد
فيما ظهر أحد الشعراء ومن أمام القيادة العامة وهو ينشد قصيدة مطوّلة عن (أم الشهيد) التي فقدت ابنها في ثورة السادس من ابريل, فقال على لسان أمه:
فلقد اتيت لكي أحيي من بعيد
من أنتِ قالت على استحياء :
أنا أم الشهيد
قالوا سترحل والآن جئت أودعك
والقلب مفطور على موت الفقيد
رفعت يديها للسماء
خذ من سنيني ما تشاء
خذ أنت قلبي والدماء لكنه ولدي الوحيد
إذاً هل يمكن القول أن الشعر الهتافي الذي خرج من صلب ثورة أبريل الحالية كفيل بأن يحل محل إنتاجنا الشعري السابق الذي درجت الأجهزة الرسمية على الاستعانة به خاصة في أعياد الاستقلال المجيد .
ما قبل التغيير
الناقد عز الدين ميرغني قال في حديثه مع (الإنتباهة) إن لكل مرحلة نضالية او ثورية يتغير فيها نظام ويأتي نظام جديد يكون هنالك داعم لشعر ما قبل التغيير, وغالباً ما يكون ممتلئاً ومحمّلاً بشعارات المرحلة التي سبقت التغيير خاصةً اذا كانت هنالك مظالم وكان هنالك غُبن, فيأتي الشعر دائماً محمّلاً بهذه الأشياء وداعياً بهتافية الي التغيير .
وكشف ميرغني عن ان هذه الأشعار تختلف من قائل الى آخر، وهنالك من لا يجيد الشعر ويكون صادقاً في تعبيره, وقد يأتي الشعر ركيكاً ولكنه في النهاية صادق, وقد يأتي أيضاً من شاعر محترف ومجوّد فيأتي الشعر جيداً وقوياً وهو الشعر الذي يبقى ويدوم .