الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

حفريات في الهُوية الثقافية السودانية (1-2)

مهما كانت درجة انسجام مكوّناته، يخلو، في صورة من الصور، من ظاهرة التنوّع. فالحديث إذن عن الظاهرة وكأنّها سمة سودانية بامتياز، حديث خرافة.ومع ذلك لابدّ من الإقرار بأن التنوع في السودان له ملامحه الخاصّة ونكهته المتميّزة عن غيره، وذلك راجع بطبيعة الحال إلى الموقع الجغرافي والسمات المناخية والمكوّنات السكّانية والتطور التاريخي، وما يرتبط بذلك من هجرات بشرية ونشاط اقتصادي، ومؤسّسات اجتماعية وثقافية وسياسية ودينية.واضعين ذلك كلّه في الاعتبار، يمكننا التمييز بين عّدة مجموعات ثقافية، وهي:المجموعة النوبية المستعربة في وادي النيل الأوسط الشمالي.المجموعة الرعوية البجاوية في مرتفعات البحر الأحمر.المجموعة الرعوية العربية في البطانة.المجموعة الرعوية العربية في شمالي كردفان ودارفور.المجموعة الرعوية النوبية الزغاوية في مرتفعات شمالي كردفان ودارفور.مجموعة أهل الدار الزراعية في حزام السافانا في وسط وجنوب كردفان ودارفور.المجموعة النوبية في جنوب كردفان.مجموعة الأنقسنا والفونج في جنوب النيل الأزرق.المجموعة الرعوية العربية في حزام السافانا، في وسط وجنوب كردفان ودارفور.المجموعة الرعوية النيلية في أعالي النيل وشرق بحر الغزال.المجموعة الزراعية الاستوائية وامتداداتها في غرب بحر الغزال.هناك مجموعة من الملاحظات حول هذا التقسيم، نوردها فيما يلي:هذا التقسيم هو اجتهاد من الكاتب، على سبيل التوضيح والبيان، ولا يخلو من تجاوز، ذلك أن هذه المجموعات تنقسم في داخلها إلى مجموعات ثقافية أصغر، ذات مميّزات خاصّة، كما تتّفق في كثير من الوجوه مع مجموعات أخرى منفصلة عنها وفق هذا التقسيم. إذن هناك تداخل وتقاطع بين هذه المجموعات بما يشبه الدوائر المتقاطعة، وبما يجعل المشهد أقرب إلى دائرة كبرى تشتمل على دوائر صغرى، تشكّل مكوّنات جزئية لكيان كلّي.إن وجود هذه المجموعات لا يقتصر على حدود جمهورية السودان الحالية، بل يمتدّ هذا الوجود إلى ما وراء الحدود، لا سيّما في المحور الشرقي الغربي، ويمكن التمثيل لذلك بالمجموعة الرعوية العربية في حزام السافانا، مجموعة البقّارة التي تصل امتداداتها إلى ما وراء بحيرة تشاد.إن وادي النيل منذ فجر التاريخ ظلّ مركز استقطاب للمجموعات البشرية من الشرق ومن الغرب، من جزيرة العرب وشمال أفريقيا، من السودان الأوسط الغربي والهضبة الحبشية، وإن حركة الانتقال والنزوح والهجرة تضاعفت وازدادت رسوخاً عبر طريق الحج ما بين غرب أفريقيا والحجاز، وإن الوجدان السوداني الموحّد، أو الثقافة السودانية الموحّدة تشكّلت، وتتشكّل عبر هذه الهجرات البشرية. وينبغي في هذا الصدد الإشارة إلى حقيقة مستترة، ألا وهي أهمّية الرافد المغربي للثقافة العربية الإسلامية في السودان، والمتمثّلة في عدّة ملامح، من بينها المذهب المالكي والتصوّف والمكوّنات الديموغرافية السكّانية الحاضرة في المشهد السوداني ونسيجه الاجتماعي. وفي مقابل الرافد المغربي، ثمّة رافد هندي للذائقة السودانية وافد عبر البحر الأحمر، تشكّل عبر التاريخ، وتمثّل في القيم الجمالية والأزياء والزينة والعطور والأنغام والموسيقى.إن المراكز الحضارية في وادي النيل، ظلّت منفتحة عبر التاريخ لمؤثرات ثقافية وافدة، لاسيّما في العقيدة واللغة وأنماط العيش، ويتمثّل ذلك في الديانة الكوشية المروية وعبادة آمون، والمسيحية، والإسلام، كما يتمثّل ذلك في التبدّلات التي طرأت على لغة التفاهم بين المكوّنات السكانية، من كوشية مروية، إلى نوبية وافدة من الغرب، إلى عربية وافدة من الشرق والغرب.النواة الصلبة للثقافة المحليةوينبغي أن نشير، مع استصحاب ما سبق ذكره، إلى أن النواة الصلبة للثقافة المحلّية ظلّت متماسكة، وأن التحوّلات اللغوية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، ظلّت تحكمها قوانين التأثير والتأثّر، والأخذ والعطاء، ويمكن التمثيل لذلك من عدّة أوجه، نبيّنها فيما يلي من فقرات.على مستوى اللغة: التأثير النوبي العميق في عربية وادي النيل، ليس على مستوى المفردات والمصطلحات فحسب، بل حتى على المستويات الدلالية والتركيبية والصوتية، فكلّ ما يتّصل بمستلزمات الحياة الحضارية المستقرّة، وما يتّصل بالنشاط الزراعي، في هذا الإقليم، يستعير مفرداته وأدوات تعبيره من النوبية، ويمكن التمثيل لذلك بأدوات الساقية وأدوات الزراعة والمسكن، نحو التكم والأروتّي والواسوق والعشميق والتقنت والكوروكي والتقاة والنوريق والكوريق والكوديق والإنقاية والألس والكشر والكبت والتدقية، كما يمكن التمثيل بأسماء المدن والقرى، نحو حسينارتي، بنقنارتي، كرمكول، أمبكول، منصوركتي...إلى آخر قائمة الألفاظ والمصطلحات النوبية. وعلى مستوى التراكيب اللغوية: بطن البيت وراس البيت وضهر البيت وصفحة البيت وخشم البيت، ومعروف أن البيت يتمثّل في الثقافة النوبية القديمة، كائناً حيّاً ذا رأس وبطن وظهر. وممّا يدخل في هذا السياق أن كثيراً من الصور والمجازات البلاغية والتراكيب والتعابير الاصطلاحية في العامّية السودانية، من نحو: قاعد ساكت، وبيتكلم ساكت، وقلبي أكلني، والكلام وقع لي، وغير ذلك، ممّا قد يجد تفسيراً وتأصيلاً في النوبية وغيرها من اللغات السودانية. وحسبنا لبيان التأثير النوبي في الصور الذهنية والتعابير البلاغية في عامّية أهل السودان، الإشارة إلى أبيات قالتها الشاعرة السودانية، كلتوم بنت محمّد الجابرية، في مدح الفارس نقد الله ود عمر:أب كرّيق في اللججسدّر حبس الفججأنا أخوي مقلام الحججوأبو كرّيق هو التمساح تشبيهاً لما في ظهره بما في جذع النحلة من نتوءات "كرّيق"، وهي نوبية، أمّا بقيّة الكلمات فعربية واضحة المعاني، ولقد أحسن الأستاذ عبد الكريم الكابلي، حينما شرح للمذيعة العربية عبارة " مقلام الحجج" بأنها تعني "القويّ العارضة"، فكلاهما تعبير اصطلاحي مؤلّف من كلمات عربية، يعني قوّة الحجّة، على أن التعبير السوداني، على عربيته، الجلية الواضحة، صبّ في قالب بلاغي نوبي، يترجم الخصوصية الذهنية لمستعربة السودان النيلي.كما تتجلى لنا ملامح التأثير النوبي أيضاً على مستوى الاستعارات الفنية والرؤى الجمالية، في ربط مفهوم الجمال بقيمة الخضرة والرواء ممّا لم نعهده في العربية، فصحى وعامّيات: "قصيبة المرنع السايقات قواديسك"،" أكان سوّيت غناك في عود، كان خدّر ملا الواطة"،  "قصيبة السكّر النيّ"، و"لتميرة الفي جدولها، و"علّمت الغصون مع النسيم كيف تميل"، ولا تقتصر هذه النظرة الجمالية على مستعربة السودان النيلي، بل نجدها حيّة لدي البقّارة في جنوب دارفور ومن ذلك تغزّلهم في "فريع المنقة الضارب نواره". ومن تجلّيات ربط مفهوم الجمال والخير بالخضرة والرواء لدى أهل السودان وانفرادهم بذلك، نعتهم ألوانهم بالخضرة، فهو أخضر وهي خضراء، ودعاء بعضهم لبعض بأن يخضّر الله ذراعه: "يخدّر ضراعك".وهذه القاعدة تنطبق إلى حدّ ما، ومع تفاوت في الدرجات، على المستويات اللغوية، تنطبق على المجموعات العربية الرعوية، من رعاة الإبل "الأبّالة"، في البطانة، حيث يلاحظ الأثر البجاوي العميق، في أنماط العيش وأدوات التعبير اللغوية، بل والفنّية، وأشعار الحاردلّو(1830-1916م) وود الفرّاش (1847-1883م) وغيرهم، تشهد بذلك، ليس على مستوى القاموس الشعري والصور البلاغية فحسب، بل وعلى مستوى الأوزان والبحور.وقس على ذلك تأثير الفولاني على المجموعات العربية الرعوية "البقّارة" في حزام السافانا، فيما يتّصل بنمط العيش المتمثّل في رعي الأبقار وما يتّصل به من مصطلحات وأدوات تعبير لغوية خاصّة بألوان الأبقار وصفاتها، ومن أدوات فنية وممارسات اجتماعية تتمثّل في الحكّامة، شاعرة القبيلة، والهدّاي، شاعرها.على مستوى الاعتقاد ينبغي أن ننبّه إلى تأثير المعتقدات الكوشية والنوبية والمسيحية في مظاهر التديّن الإسلامي، ويبدو ذلك في تحويل الرموز والشارات الدينية القديمة إلى رموز وشارات وممارسات إسلامية، ويبدو ذلك أجلى ما يكون في الأضرحة والنذور ومؤسّسات التعليم الديني، ومن ذلك الاتّصال التاريخي لمؤسّسة الخلوة ( المسمّى السوداني للكتّاب القرآني)، بموائد الشمس الكوشية، وهي موائد الطعام التي كان ينصبها الأغنياء خفية في الليل، ليتحلّق حولها الفقراء عند شروق الشمس، ويصيبون فيها ما يسدّ الرمق ويهذّب العقول، ويتعلّمون القراءة والكتابة، كما ورد في تاريخ هيرودوتس الذي يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد.ولا يخفى على الباحث المدقّق الصلة الوثيقة لنديهة الأولياء والصالحين، في الغناء وفي المديح، بالممارسات القديمة في الطقوس المسيحية والمروية الكوشية (يابا ود زمراوي الولي، شيخ منوّر وولدك علي ...خلّوا بالكن يا سيادي) ويدخل في هذا الباب كثير من الممارسات التي تندرج في إطار التصوّف، والتي تزدحم "طبقات ود ضيف الله" بتفاصيلها.وممّا يدخل في هذا الباب اختلاف مظاهر التديّن، تبعاً لاختلاف البيئة الاجتماعية والاقتصادية، وأبرز ما يبيّن هذا التباين والاختلاف، النزعة الصوفية المسالمة للتديّن في وادي النيل، في مقابل النزعة الجهادية المقاتلة للتديّن لدى المجموعات الرعوية في سهول كردفان ودارفور، وهي النزعة التي وظّفها الإمام محمّد أحمد المهدي في ثورته في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي كما هو معلوم. روى العلّامة عبد الله الطيب، في "من نافذة القطار"، أن "بناحية أتبرة وليّ صالح يقال له عبد المعروف، له قبّة ظاهرة ...واستجارت بعبد المعروف أمة أيّام المهدية، كرهت جور سيّدها عليها أو أبقت، فجاء يناديها لتخرج وهي لا تجيب وهو لا يجسر أن يقتحم عليها البنيّة من خوف أن ينكبه عبد المعروف غيرة على حرمه، وجاء بقّاري له حصان وحربة فوجده على تلك الحالة فسأله فعلم من أمره، فدخل وأخرج الأمة صاغرة داخرة واشرأبّ الرجل ليشكر البقاري ويقود الأمة، فقال له البقاري: أنت عجزت أن تأخذها من هذا الميّت، أفتطمع أن تأخذها منّي أنا الحيّ!"كما ينبغي أن نشير إلى تأثير الثقافات الكوشية والنوبية والمسيحية في العادات والممارسات الاجتماعية والتقاليد التي تتّصل بالأفراح والأحزان والمآتم والاحتفالات والتنشئة الاجتماعية، في السودان بوجه عامّ، وفي المجموعة الثقافية المستعربة على ضفاف النيل بوجه خاّص (الشلوخ والختان والمشاط، وألوان الطعام والشراب، ورمزية النيل وإيزوريس، إله الخصب، ورمزية الصليب، ورمزية العنقريب...إلخ..).

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

352 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search