الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

حفريات في الهُوية الثقافية السودانية (2-2)

أستاذ جامعي متخصص في اللسانيّات والتراثتوطئةالتنوع الثقافي ظاهرة بشرية لا يختصّ بها السودان وحده، فهو سنّة الله في خلقه. ولا يكاد مجتمع من المجتمعات، مهما كانت درجة انسجام مكوّناته، يخلو، في صورة من الصور، من ظاهرة التنوّع. فالحديث إذن عن الظاهرة وكأنّها سمة سودانية بامتياز، حديث خرافة.ومع ذلك لابدّ من الإقرار بأن التنوع في السودان له ملامحه الخاصّة ونكهته المتميّزة عن غيره، وذلك راجع بطبيعة الحال إلى الموقع الجغرافي والسمات المناخية والمكوّنات السكّانية والتطور التاريخي، وما يرتبط بذلك من هجرات بشرية ونشاط اقتصادي، ومؤسّسات اجتماعية وثقافية وسياسية ودينية.الاستعراب والأسلمة:ممّا يعين على فهم ما سبق، أنّ التحوّلات الثقافية الكبرى التي حدثت في السودان والمتمثّلة في التعريب والأسلمة، تمّت ببطء شديد وعبر مدّة زمنية طويلة نسبياً، استغرقت في مرحلتها الأولى الحاسمة نحو تسعة قرون، من القرن السابع الميلادي إلى القرن السادس عشر الميلادي، موعد قيام السلطنات الإسلامية في سنّار ودارفور وتقلي، وهو موعد متأخر نسبياً يجعل السودان ضمن آخر الأقاليم المنضوية تحت لواء العروبة والإسلام، مقارنة ًحتّى بدول الساحل الأفريقي، فمملكة مالي الإسلامية على سبيل التمثيل والمقارنة، تأسّست في القرن التاسع الميلادي، وبلغت أوج ازدهارها في القرن السادس عشر الميلادي، أي مع بدايات دارفور وسنّار، وحجّ أشهر سلاطينها منسي موسى إلى مكّة المكرّمة في 1324م، وبلغ من ثرائه وعظم ما أنفق في مصر، أن انخفض السعر العالمي للذهب في تلك السنة، وصنّفته إحدى المؤسسات الغربية مؤخّراً، فجعلته من بين أغنى أغنياء العالم، على مدى حقب التاريخ. وعلى المستوى الفكري والعلمي أنجبت مملكة مالي الإسلامية، لا سيّما في حاضرتها تمبكتو، عدداً من العلماء الذين ساهموا في إغناء الثقافة العربية الإسلامية، وتوطينها في بيئة أفريقية محلّية، من أمثال أحمد بابا التنبكتي (ت.1627م) صاحب "نيل الابتهاج بتطريز الديباج"، و"معراج الصعود"، و"المجلوب من السودان"، وعبد الرحمن السعدي(ت.1656) صاحب "تاريخ السودان"، إضافة إلى علماء سبقوا هؤلاء، من شاكلة محمود بن عمر أقيت (ت. 1548م).أمّا الاستعراب، فواضح أن النوبية كانت لغة سكان وادي النيل حتى قيام حلف العبدلّاب والفونج، ثم كتبت الغلبة للعربية انطلاقاً من مراكز السلطنة السنّارية في سنّار والحلفاية، وهناك من الآثار والوقائع التاريخية ما يثبت أن ديار الركابية والبديرية كانت إلى عهد ليس بالبعيد تغلب عليها النوبية، ويمكن الاستدلال لذلك بحبيب نسّي الركابي المدفون في نواحي قشابي وقنتّي، قال عنه ود ضيف الله في الطبقات "حبيب نسّي الركابي، مسكنه في ضنقلة، قشابي، من أولياء الركابية وله كرامات كثيرة. وكان أهل دنقلة إذا تمنّى أحدهم يقول "اللهمّ ارزقني كرامات حبيب نسّي وعبادة دوليب نسّي وعلم ود عيسى"، ويبدو أثر النوبية في اسمه الذي يعني "الحفيد"، كما يبدو واضحاً من قصّته التي وردت في الطبقات أن النوبية كانت لغته الأمّ وأن العربية كانت لغة مكتسبة لا يستقيم بها لسانه! وبوسع المرء أن يزعم أن العربية قد غلبت اليوم على هذه القرى النوبية التي تقع على منحنى النيل، في أحواز مدينة الدبّة إلى جنوبي مدينة القولد، وقياساً على ذلك، فلن يمضي وقت طويل قبل أن يمتدّ التعريب شمالاً فيشمل دنقلة بأسرها وإقليمي المحس والسكّوت. وتجدر الإشارة هنا إلى أن دينامية التعريب والاستعراب ما تزال فاعلة على نطاق واسع في أقاليم السودان الأخرى وامتداداته الجغرافية في القارة الأفريقية، وحسبنا أن نشير، في هذا الصدد إلى أن لغة البرتي في شرق دارفور اختفت تماماً، بوفاة آخر المتحدثين بها في ستّينيّات القرن العشرين.أما الأسلمة، فواضح عند قراءة طبقات ود ضيف الله أن اعتناق الإسلام اتخذ طابعاً متصالحاً مع مظاهر التديّن القديمة، فغلب النهج الصوفي المتسامح على النهج الفقهي الصارم، ويمكن التمثيل لذلك بما ورد في الطبقات من نزاع بين الشيخ محمد الهميم والقاضي دشين الذي سمّي قاضي العدالة لأنه فسخ نكاح الشيخ الهميم, ذلك أنه في حال الجذب الإلهي زاد في نكاحه من النساء على المقدار الشرعي، وهو أربعة، وجمع بين الأختين فتزوج بنات أبو ندودة الاثنتين في رفاعة، وجمع بين بنات الشيخ بانقا الضرير كلثوم وخادم الله، فأنكر عليه القاضي دشين حين قدم الشيخ الهميم وحضر الجمعة بأربجي، فلما أراد الخروج من الجامع قبض القاضي دشين لجام الفرس وقال له: خمّست وسدّست وسبّعت في النساء ما كفاك حتى جمعت بين الأختين ، فقال له : ما تريد بذلك، قال أريد أفسخ نكاحك لأنك خالفت كتاب الله وسنّة رسوله، فقال له:" الرسول أذن لي بذلك والشيخ إدريس يعلم ذلك وكان الشيخ إدريس حاضراً، فقال الشيخ إدريس لدشين: اترك أمره وخلّه ما بينه وبين ربّه، فقال دشين: ما بهمل أمره وقد فسخت نكاحه، فقال الشيخ الهميم لدشين: "فسخ الله جلدك، فيقال إنه مرض مرضاً شديداً حتى تفسّخ جلده.كما يمكن الاستشهاد بسيرة إسماعيل ود المكّي الدقلاشي صاحب الربابة، وهو من صوفيّي سناّر وشعرائها، وأمّه اسمها خيرة، سقرناوية، أهداها للشيخ مكّي سلطان تقلي فحملت منه وولدت النور فقالت للدقلاشي: جانا شيخنا فقال لهم جاكم أخيّاً هديّاً رضيّاً. ثم حملت فولدت إسماعيل فقال لهم: يا دقالشة جاكم شيخكم. ويروي صاحب الطبقات أن الشيخ مكّي لمّا أخذه الجذب في حبّ الله ورسوله خرج هائماً وساق معه ولده النور، وإسماعيل في المهد قبل أن يتكلّم ووجدت العرب النور في الخلاء غرب الحرازة وجابوه، أمّا إسماعيل وقد كان في المهد، فقد تكلّم كما تكلّم عيسى وقال: " النور بيجي أبوي ما بيجي" وحفظ القرآن على الفقيه محمّد ولد منوفلي، خليفة ابيه الشيخ مكّي، وتعلّم الفقه والتوحيد على الشيخ مختار شارح الأخضري، وله شرح في تدريس الرسالة والتوحيد والقرآن. وله أشعار وقصائد في مدح النبي صلّى الله عليه وسلم، وكلام بيّن فيه صفات الأولياء، وألّف كتاباً في الطريقة وآداب الذكر، وله شرح على قصيدته في مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهي: إني رأيت في منامي خير البريّة ضاحكاً مستبشراً. وممّا يروى عنه أنه كان في حالات وجد مستمرّ، يحضّر البنات والعرايس والعرسان للرقيص، ويضرب الربابة، كلّ ضربة لها نغمة يفيق فيها المجنون، وتذهل منها العقول، تطرب لها الحيوانات والجمادات. وفرسه بنت بِكر يشدّونها له ويلبّسونها الحرحر والجرس، وكان يعلن ولهه وتغزّله بالمحصنات، دون أن يثير ذلك الأمر سخطاً عليه، وكان مغرماً بتهجة الجعلية، ومما قاله متغزّلاً بها:حرّ الفونج مرق..طالب الدبيبةقميصه للتراب...حاقب له عيبةخشم تهجه الشبيه لبن الكشيبة!ثقافة متعدّدة المكوّناتلا يمكن لأيّ باحث موضوعي أن ينكر الدور الكبير والحاسم الذي اضطلعت به الثقافة العربية الإسلامية في تشكيل وجه السودان الحديث، ويمكن مقارنة السودان في ذلك بمعظم البلدان العربية، في هذا الجانب، مع التنبيه إلى أن الاستعراب أو التعريب الذي عرفه السودان، وسائر الأقطار العربية، هو استعراب ثقافي قبل أن يكون استعراباً عنصرياً، ونشير في هذا الصدد إلى أن جيش الفتح الإسلامي الذي اتّجه إلى مصر وما وراءها من بلاد المغرب، لم يتجاوز في عدده الستة آلاف جندي. وبالجملة، فإنّ الاستعراب نتج في المقام الأوّل لدواع وظيفية ترتبط بالثقافة والإدارة والسياسة. كما يمكن أن تستخلص ممّا سبق ذكره أننا أمام ثقافة سودانية متعدّدة المكوّنات، مركّبة التضاريس، متميّزة في خصائصها وملامحها، وأن النواة الصلبة المؤسّسة لهذه الثقافة، إن هي إلّا نتاج مكوّنات محلّية في المقام الأوّل.يجدر بنا في خاتمة هذا المقال، التنبيه إلى أن حركة التبادل الثقافي والاجتماعي والحراك البشري المشكّلة للهوية السودانية، ظلّت عبر التاريخ تتّجه في محور شرقي –غربي، وأن الوجدان السوداني المتمثّل في الذائقة السودانية، من موسيقى وألحان وإيقاعات وقوالب شعرية وزينة وعطور وشارات وأزياء وطعام وشراب، إن هو إلّا نتاج تاريخي لهذا المحور الشرقي الغربي، يتّجه باتجاهه، ويتّسق معه، ويتفاعل معه. ومع ذلك فإن هذا المحور الشرقي الغربي لم يحظ بالرعاية اللازمة، ولابّد من إيلائه الاعتبار اللازم عند التخطيط الثقافي والاجتماعي والسياسي. وثمّة إضافة نراها مهمّة للغاية فيما يتعلق بدولة كوش والتاريخ القديم، لا بدّ من النظر بموضوعية للأمر، وينبغي ألّا ننكر أن المناهج الدراسية والرسائل الإعلامية والثقافية والتربية الاجتماعية والسياسية التي نشأ عليها جيل ما بعد الاستقلال، كلّها تقوم على انحياز واضح وتهميش للإرث الثقافي والاجتماعي العميق، الوافر الغنى والثراء والعطاء، الموروث من كوش ومروي والعهد المسيحي، قبل وفود المؤثّرات العربية الإسلامية وما صاحبها من تحوّل ثقافي واجتماعي، ولا بدّ من الاعتراف بأن هذه المؤثّرات بقدر ما أضافت من جوانب إيجابية، فقد كان لها بالقدر نفسه جوانب سلبية تتمثّل في تقهقر النموذج الاجتماعي المتطوّر، إلى نموذج قبلي تجاوزه المجتمع النوبي الكوشي منذ حقب ضاربة في القدم. وهذا مجال واسع للبحث لا بدّ من التنقيب فيه بتفاصيله وتبيّن الرؤية فيه. وبالجملة، فكما أنّ هناك تهميشاً جغرافياً واجتماعياً تشكو منه فئات ذات شأن في المجتمع السوداني، هناك أيضاً تهميش ثقافي وحضاري لجزء من تاريخ السودان لا بدّ من الالتفات إليه، والاعتراف به، بل والافتخار به. وفي اعتقادنا أن الاستعراب الذي غيّر وجه المجتمعات السودانية وبلغ أوجه في دولتي سناّر ودارفور اصطبغ بصورة عميقة بالبداوة والنكوص عن التطوّر الاجتماعي الذي حقّقته المجتمعات المحلّية في النوبة ومروي وكوش وغيرها، ومن آيات ذلك أن المرأة كانت في هذه المجتمعات القديمة هي "الكنداكة"، أي الملكة، و"الميرم"، أي الأميرة، التي تكاد تحصر أدوات اتّخاذ القرار في يدها، واﻷمثلة في التاريخ وافرة. وبالجملة، فإن الاستعراب البدوي والافتخار بما نسمّيه "قيم" البادية العربية هو ما ينبغي أن ننظر فيه بعمق وعين فاحصة وناقدة.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search