الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

رحلة في قلب الصحراء (3-3)

شمال دارفور : الصادق الرزيقي

كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية فوق سماء مدينة الفاشر عندما تحركنا بالسيارات في اتجاه الشمال والشمال الشرقي في طريقنا إلى عمق الصحراء بشمال دارفور، وفد من كبار رجال الأعمال يضم  سعود البرير رئيس اتحاد أصحاب العمل ويوسف أحمد يوسف رئيس اتحاد الغرف التجارية وعدداً من أعضاء الاتحادين إضافة الى نواب بالبرلمان محمد أحمد تكيش مناوي والطيب كفوت ورئيس مجلس تنمية وتطوير الرحل الأستاذ أحمد سليمان بلح والوزير والوالي الأسبق اللواء طيار عبد الله علي صافي النور  والوزير والوالي الأسبق سلمان سليمان الصافي ورئيس إدارية أبيي السابق الخير الفهيم المكي ومحمد إبراهيم عزة ممثل الوالي ومعتمد الرئاسة بشمال دارفور، والمهندس عبد الرحمن عياد وآخرين، وكانت الدعوة مقدمة من السيد عبد الرحيم دقلو رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات الجنيد للأغراض المتعددة التي زار الوفد أعمالها والطرق التي تعمل فيها في ولاية جنوب دارفور (طريق نيالا كاس زالنجي)، ثم طريق (نيالا الفاشر)، وهذا هو اليوم الثالث للزيارة ونحن ننطلق إلى أقصى الشمال ...
الطريق إلى الشمال.. تُرك جوا في سيلي
كانت القرى المتناثرة في ريف شمال دارفور، تحكي عن الفرق بين الأمس واليوم، لقد ودعت الولاية زمن الحرب والنزوح، عادت الحياة ودبت في القرى من جديد، ففي الطريق إلى مليط  مررنا بمنطقة ذات قيمة تاريخية هي (جديد السيل)، فهي المنطقة التي ارتكز فيها جيل الغزاة والاستعمار البريطاني في 1916 قبل دخول الفاشر وإنهاء حكم السلطان علي دينار، وارتبط بالمقولة الشهيرة التي قالها أهل الفاشر يومئذ ( تُرك جوا في سيلي)، والملاحظ أن الزراعة منتشرة حول منطقة جديد السيل بوديانها وخيرانها وقوزها العالي، استمرت المزارع معنا خاصة مزارع الدخن حتى وصلنا منطقة (أم مراحيك) وهي المنطقة الفاصلة بين حدود محلية الفاشر ومحلية مليط، شاهدنا قرية (واما) وجبالها تبدو من بعيد، وكان ثمة أهالي ذاهبين إلى مزارعهم بدوابهم وراجلين، وهم مطمئنون آمنون لا يحمل الفرد فيهم إلا عصاة يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى ..
جبال كلو وكلويات  مدخل مليط
لاحت من بعيد جبال (كلو وكلويات) وخرجنا من بطن وادي رملي صغير لنطل على هذين الجبلين, وهما مدخلا مدينة مليط,  تفصل بين الجبلين مسافة قصيرة تصل إلى كيلو متر واحد، وهما جبلان غريبا التكوين والشكل بقممهما الحادة العالية, والسهل الممتد أمامهما, والغطاء النباتي, وشبه الغابتين حولهما. وجدنا استقبالاً حافلاً عند سفح الجبلين بقيادة العميد شرطة عبد الكريم يعقوب معتمد محلية مليط ولجنة أمن المحلية والقيادات التنفيذية والسياسية والأهلية والقيادات الشعبية والمقدم مصعب قائد الدعم السريع في مليط، عندما دخلنا مليط، كانت المدينة بتاريخها العريق وملامحها الجميلة تذكرنا  بذياك البريق وماضيها التليد .. كنا أنا ويوسف عبد المنان وسلمان سليمان الصافي, والسيارات تشق أحياء مليط وتعبر جسر الوادي والسوق وبين المرافق الحكومية والمدارس، كنا نردد بتلقائية وتوافق وتوارد خواطر، قصيدة الشاعر الكبير محمد سعيد العباسي عن مليط والتي درسناها في المرحلة المتوسطة:
حياك مليط صوب العارض الغادي
وجاد واديك ذا الجنات من واد ِ
 فكم جلوت لنا من منظر عجب
يشجي الخلي ويروي غلة الصادي
انسيتني برح آلامي وما أخذت
من المطايا بإجحاف وإيخادِ
كثبانك العفر ما أبهى مناظرها
أنس لذي وحشة رزق لمرتادِ
فباسم النخل ملء الطرف يلثم
ذيل السحاب بلا كد وإجهاد
 القصيدة بالطبع طويلة (57 بيتاً) وهي من القصائد الفرائد والجياد في دفتر الشعر السوداني, ولا أخال أن مدينة سودانية حظيت بمثل هذه القصيدة لشاعر مجيد فحل مثل العباسي الذي سكب فيها عصارة نفسه وروحه الشاعرة ودفق فيها مشاعر صادقة و باذخة.
في سوق مليط وطرقتها, كانت المباني القديمة تحكي عراقة المكان، شاهدنا في الطرقات عربات الكومر القديمة وهي منتشرة في المدينة, ومعالم الثراء تلوح شاخصة وبارزة في  البيوت والمتاجر كأهم نقطة جمركية كانت في تاريخ البلاد في التجارة البينية مع ليبيا منذ الستينيات من القرن الماضي، إضافة للإنتاج الزراعي والحيواني ..
في منزل السيد المقدم مصعب، تجمعت قيادات وأعيان مليط من كل صنف ولون، تناول الوفد وجبة الإفطار بحضور كل هذه القيادات، ودارت نقاشات جيدة حول الاستثمار ومستقبل المنطقة خاصة من رجال الأعمال الذين زاروها لأول مرة، وقدم السيد المعتمد تنويراً للحضور حول الأوضاع في محليته .. ثم غادرنا مليط  بجمالها وحدائقها الغناء وخزانها الممتلئ بمياه الخريف.. وكانت رياح الشمال تهب علينا وتصافح الوجوه ..
من ساني حيي لوادي البعاشيم
بعد مسير طويل وساعات مضنية ومرهقة وسط الخيران والوديان والقيزان، مررنا بمنطقة  ( ساني حيي)، وهي قرية مشهورة في شمال دارفور، كانت الطبيعة والبيئة قد تغيرتا تماماً إلى الجو الصحراوي بنباتاته وأشجاره، وكانت ثمة جبال في الآفاق الأربعة، سرنا في طرق متعرجة وخيران حتى وصلنا إلى منطقة (وادي البعاشيم)، وهي قرية بها دونكي كبير ووادٍ صغير، اشتهرت بأنها شهدت المعركة الفاصلة بين قوات الدعم السريع وحركات دارفور المتمردة، وفيها كسرت شوكة التمرد وكانت نهاية النهاية له في دارفور، آثار المعارك بائنة في المنطقة والدونكي والدغل الخفيف حول الوادي...
الطريق إلى زرق الخير
انطلقت بنا السيارات في رمال صحراوية نبتت فيها أعشاب الصحراء ونباتتا شوكية وحسكنيت وعر،  حتى وصلنا منطقة (وادي الحوش) مروراً بـ(دونكي شلة) وهي قرى بديعة أنشئت على تلال الرمال المغطى بأعشاب الخريف، وتبدو منطقة الرهود والوديان وسط الصحراء ساحرة الجمال بأشجارها وغطائها النباتي الذي عاد كما كان في القديم ..
بمجرد مفارقتنا منطقة دونكي شلة، وجدنا استقبالاً مهولاً من القيادات والأهالي بقيادة العمدة جمعة دقلو عند مشارف وادي الزرق، وأقيمت القرية على امتداد كثيب رملي عالٍ يشرف ويطل على الوادي الخصيب، شيدت البيوت والمدارس والمرافق الخدمية من مراكز صحية وسوق ومسجد وغيرها..
تعد فكرة إنشاء وإعادة تعمير منطقة وادي الزرق قديمة خاصة لدى القبائل العربية الرعوية, وهي منطقة تاريخية لهم منذ عدة قرون، وهي قريبة من وادي هور وتطل على فضاء واسع شمالاً وتتخللها وديان كثيرة تغذي وادي الزرق الذي يمتد لمسافات طويلة، وحسب التاريخ القديم, لقد استوطنت القبائل العربية تلك المنطقة قبل(600)عام تقريباً، وكانت هي مخارفهم في الخريف والشتاء، ومناطق تتم منها تنقلاتهم جنوباً في فترات الصيف، قبل أن تحدث تحولات بيئية جعلتهم ينزحون منها جنوباً لشح المرعى والماء، وطرحت الفكرة في فترات متباعدة أهمها في العام 1969 عندما اجتمع الرحل في مؤتمر جامع في رهد الجنيق, بعد أحداث 1967، ثم طرحت مرة أخرى في العام 1992، وعندما تم التشاور فيها قبل عامين أو ثلاثة بين الإدارات الأهلية والأعيان، بادر العمدة جمعة دقلو وقاد بنفسه عملية إعادة إعمار الزرق، وجاء وأقام في المنطقة ووجد حولها في المناطق المجاورة  عدداً من الرعاة والقبائل التي تجوب الصحراء مثل العطوية وأولاد راشد والماهرية والقرعان والبديات والزغاوة. وكانت الزرق خالية تماماً من أي سكان، وعلى تلة مطلة على الوادي أقيمت القرية التي تتوزع فيها المساكن والمدارس والمراكز القديمة الأخرى, وتوافد إليها الناس من كل فج .. وبدأت عملية التعمير, وقدم الأهالي خاصة المرتبطون تاريخياً بالمنطقة ويعتبرونها موطن أجدادهم وآبائهم الأقدمين من مختلف المناطق في شمال دارفور، وحدث تلاقٍ وتلاقح فريد بين كل قبائل الجزء الشمالي من شمال دارفور حتى منطقة وادي هور، فبجانب العرب الرزيقات بكل بطونهم وفروعهم، يوجد العطوية وهم فرع من الكبابيش وأولاد راشد الولاّد والبديات والزغاوة والقرعان بجانب قبائل أخرى ..
تتوافر في المنطقة التي أعيد إعمارها، المدارس والمراكز الخدمية، ففي المدرسة كما أفاد العمدة جمعة دقلو عمدة المنطقة والأستاذ عبد الرحمن عبد الله جاد الله، بلغ عدد التلاميذ في المدرستين 651 تلميذاً وعدد المعلمين 23 معلماً ومعلمة تم التعاقد معهم، وتصرف مجموعة شركة الجنيد على العملية التعليمية والصحية والتعاقدات.. وتوجد أندية مشاهدة ومركز لرعاية المرأة وغيرها من نقاط الخدمات الاجتماعية ..
إلى مجور .. ووادي هور
انطلقنا من الزرق أو ( زرق الخير) مع حلول الليل إلى منطقة مجور حيث سنخيم هناك، في تلك الليلة الكالحة السواد والليل البهيم، مررنا بمنطقة (الوخايم) التاريخية التي ارتبطت بالطريق مع ليبيا، وكانت توجد فيها في الثمانينات قوات المعارضة التشادية لنظام حسين هبري بقيادة ابن عمر  قوات فرولينا, ودارت فيها معارك في الحرب الليبية- التشادية، والتشادية – التشادية، ومنها وصلنا منطقة وادي مجور، وكان مخيمنا المتكامل قد أقيم في منطقة مطلة على الوادي.. كانت الأضواء طاغية في منطقة المخيم, وهدير المولد يغطي صمت الصحراء .. أقمنا ليلتنا هناك، بعد صلاة الصبح في اليوم التالي أقمنا حلقة تعارف تحولت إلى منتدى اقتصادي وتنموي، شارك فيه جميع أعضاء الوفد من السياسيين ورجال الأعمال  والبرلمانيين والإعلاميين .. تناول مختلف القضايا.. قضايا التنمية والخدمات والاستثمار الزراعي في منطقة شمال دارفور وخاصة وادي الزرق والوخايم وغيرها.. وتناول الحديث زراعة القمح والمحصولات النقدية والتعدين وأعمال التعمير والبيئة الملائمة لتصدير الإبل ومنتجاتها ..
طفنا بعدها في منطقة (مجور), وهي قرية صغيرة عند طرف الوادي الممتلئ بالماء الممتد لعدة كيلو مترات، في السوق الصغير متاجر بلدية بسيطة مشيدة من مواد محلية فيها بضائع قادمة من ليبيا مثل الملابس والصابون والعطور والسكر والزيت والسجائر والأحذية والاحتياجات التي يحتاجها الأهالي، يوجد مقهى ونادي مشاهدة ومركز اتصالات مرتبط بالأقمار الاصطناعية ودونكي بصهريج عالي، إضافة لمساكن قليلة. ويأتي رعاة الإبل من أولاد راشد والعطوية لشراء احتياجتهم والاتصال بذويهم وأهلهم ثم يعودون إلي عمق وقلب الصحراء .
 في المساء, قمنا بجولة واسعة في المنطقة إلى السبعاني وقريب من وادي هور، وقطعان الإبل تملأ الصحراء بعشبها المعروف، قطعنا أكثر من مرة طريق العربات المنطلق إلى ليبيا، بتنا ليلتنا هناك في مخيمنا بمجور ..
رهد الجنيق
في طريق العودة, توقفنا مرة أخرى في الزرق، وتم احتفال كبير في المدرسة في طابور الصباح خاطبه أعضاء الوفد خاصة الأستاذ عبد الرحمن عبد الله جاد الله والعمدة جمعة دقلو والأستاذ أحمد سليمان بلح رئيس مجلس الرحل, واللواء طيار (م) صافي النور وسلمان سليمان الصافي والخير الفهيم ومحمد أحمد مناوي تكيش والطيب كفوت وممثل الوالي معتمد الرئاسة محمد إبراهيم عزة والسيد عبد الرحيم حمدان دقلو ..
من هناك تحركنا في اتجاه كتم، وتوقفنا في رهد الجنيق وهو بحيرة موسمية شمال كتم تحيط بها الأشجار وتنبت بعضها داخل الماء, وهو مكان تاريخي قديم للعرب  دارت فيه قبل 400 سنة قصة ناقة فني التي أنهت حكم سلطنة الخزام القبيلة العربية التي كانت في المنطقة, وهي قصة شهيرة في التاريخ الشعبي لقبائل دارفور العربية.  وقرب رهد الجنيق يوجد مقر السلطان(شلنقو) وسجنه في جبل رهيب ..
من هناك تحركنا مروراً ببير مزة وديسة وغرير وعبد الشكور حتى وصلنا الى (كتم). وكان هناك استقبال كبير من معتمد محلية كتم ولجنة الأمن والقيادات السياسية، من هناك وصلنا منطقة نينا موطن النائب البرلماني الطيب كفوت, وأقيم لقاء سياسي  كبير في المدرسة تحدث فيه كل أعضاء الوفد وتمت فيه تبرعات كبيرة من السيد عبد الرحيم دقلو وشارف علي مسار .. ومنها مررنا بمنطقة كفوت وقطعنا الوادي الكبير، وتوقفنا في السوق ثم وجدنا الطريق المسفلت إلى الفاشر التي لاحت أضواؤها من بعيد بعد مغيب الشمس.. والشمس تعلن انتهاء الرحلة ..

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

633 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search