الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

رحلة في قلب دارفور (1ــ 3)

جنوب دارفور : الصادق الرزيقي

كانت الطائرة تجتاز السحب الداكنة الماطرة وتدور دورة وساعة حول مدينة نيالا، صدرت همهمات عبارات إعجاب من بعض الركاب وجلهم من رجال الأعمال، رئيس اتحاد اصحاب العمل ورئيس اتحاد الغرف التجارية ووفد ضخم من أهل المال، تسمرت أعينهم بنوافذ الطائرة وهم يتأملون المنظر البديع تحتهم، الأرض مكسوة بمئزرها الأخضر البهيج، الوديان والخيران الجارية تتخللها كخيوط مذهبة وأوشحة زاهية، وبدت مع دنو الطائرة من مدرج المطار زخات مطر خفيف على نوافذ المركب الجوي كأنها تستقبل القادمين.
جنوب دارفور بحرارة استقبالاتها ودفء أهلها كانت هناك، الوالي وحكومته والقيادات السياسية والتنفيذية والأهلية، وهي تستقبل اكبر وفد من القيادات ورجال الاعمال وكبار المستثمرين الوطنيين، وجلهم لم تطأ اقدامهم دارفور من قبل، الدعوة للزيارة التي تشمل ولايتي جنوب وشمال دارفور كانت من السيد عبد الرحيم حمدان دقلو رئيس مجلس ادارة مجموعة شركات الجنيد للاغراض المتعددة، وهي الشركة التي تنفذ أكثر من (500) كليومتر من الطرق في ولايات دارفور، بجانب أعمال ومشروعات هندسية وتعدينية اخرى.
نيالا المدينة الورشة
ولاية جنوب دارفور التي تستعد لاستضافة أبناء السودان في الدورة المدرسية القادمة في نوفمبر المقبل، بدأت تشهد تحولات عمرانية وتنظيمية لمدينة نيالا التي تعد درة مدائن السودان بجمالها وضخامتها وموقعها وإمكاناتها وما حباها الله به من تميز في كل مجال، وحرص الوالي على ان يرى الوفد انبثاق أمل جديد وحدوث اختراق كبير في المجال الاقتصادي والانفتاح السياسي، وكان الواقع مع جمال الخريف أكثر إشراقاً، نيالا تبدو وهي في حلة الخريف، أشبه بورشة ضخمة صاخبة تئن من ضغط الأعمال والأشغال، فمنذ أن هبطنا مطارها، لم يدع لنا واليها آدم الفكي فرصة لالتقاط الأنفاس في الفجر الضبابي الجميل، أخذنا من المطار إلى منشآت الدورة المدرسية وهي مدينة الألعاب الرياضية التي اُختير لها موقع متميز شرقي المدينة على هضبة جبل نيالا، وتطل على كل المدينة في مساحة تزيد عن الثلاثين ألف متر، وهي مدينة مخصصة لكل المناشط وضروب الرياضة، وستكون من اهم معالم المدينة وجنوب دارفور العمرانية، وبعدها زرنا مسرح البحير الذي يجري تشييده على قدم وساق في نفس مكان المسرح القديم الذي انشئ في سبعينيات القرن الماضي  ويسع لثمانية آلاف من النظارة والمتفرجين، ويتم وفق المواصفات والمعايير الدولية في نظام المسارح وخشبات العرض، وكان هناك مسرح آخر معد للدورة المدرسية هو مسرح ساحة الشهيد السحيني الذي ستجرى فيه منافسات الدورة المدرسية، وقد اكتمل بناؤه تقريباً، وشاهدنا فيه اللمسات الختامية لخشبته وهو من اضخم المسارح في السودان.
وفي استاد نيالا العالمي الذي سيكون أحد أكبر وأحدث وأجمل الاستادات الرياضية في البلاد، وجدنا العمل جارياً يسابق الزمن لاقتراب موعد الدورة المدرسية، وتجولنا في قصر الضيافة الجديد على ضفة وادي (برلي) والحديقة الملحقة به، ثم مررنا على المركز التجاري وسط المدينة، والناس هنا في نيالا منشغلون في أعمالهم ينتظرون الدورة المدرسية بفارغ الصبر، ولا يتحدثون الا بلغة التفاؤل الجديد وانعكاسات الدورة المدرسية على حياة المدينة، فهم بالفعل غارقون في شؤون مدينتهم وولايتهم التي تتأهب للحدث الذي يضعها في الواجهة.
طبيعة الولايات تغلب على كل شيء، تتابع ما يجري في الخرطوم كمركز للبلاد باهتمام، لكنها لا تأبه كثيراً لتبعاته وتوابعه، تُرك كل ما يتعلق بإدارة الشؤون الاتحادية لأصحاب الجناب العالي، وتفرغت كل ولاية لما يخصها .. وهناك الكثير يجري في جنوب دارفور، بعد استتباب الأمن وجمع السلاح وبادرات العودة الطوعية، لكن الأبرز هو التنمية والطرق ومشروعات البنى التحتية وجذب الاستثمار.
الجنيد وطريق (نيالا ــ كاس ــ زالنجي)
لأن زيارتنا كانت بدعوة من مجموعة شركات الجنيد للأغراض المتعددة، وتنفذ إحدى شركاتها العاملة في الطرق والجسور إعادة تشييد وتأهيل طريق (نيالا ــ  كاس ــ زالنجي) الذي انتهت منه بنسبة تزيد عن 60‎%‎، في الطريق الى كاس، وقبل أن نصل الى بلدة (بلبل) التي تبعد حوالى (45) كيلومتراً من نيالا، وجدنا ظعينة للعرب الرحل تقطع طريق الاسفلت، النساء في هودجها وعشرات الهوادج المزينة والمحملة بكل ما تحتاجه الاسرة، وعشرات الإبل، قادمة من اتجاه الجنوب نحو الشمال، توقفنا عند هذه الظعينة في جو ترحيبي واحتفالي، وأصر الرحل على تقديم البان الإبل والبقر، شرب كل الوفد الحليب طازحاً والقيت قصائد من الشعر الشعبي وسط هذه البادية والخلاء الطلق.
 ممرنا بمدينة كاس وتوقفنا عند مقر الشركة (شركة الجنيد).. وتلقينا تنويراً سريعاً عن سير العمل في الطريق، فقد تجاوز الطريق منطقة كأس في اتجاه (ناما وطور ونيرتتي)، ويعد الطريق الذي تم تنفيذه من أفضل الأعمال الهندسية في مجال صناعة الطرق من ناحية جودة التنفيذ والمواصفات، وما شاهدناه في الطريق يؤكد كفاءة الخبرات السودانية وجودة أعمالها، فالطريق الذي شيدته شركة (هيلد آند فرانك) الألمانية نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، إعادته شركة الجنيد بعد تدميره وخرابه أفضل مما كان، وسينتهي الطريق في المدى المحدد له العام المقبل عند مدينة زالنجي، وهو أهم قطاعات طريق الإنقاذ الغربي الذي يربط ولايتي وسط وغرب دارفور ببقية أرجاء السودان. ويمثل الطريق الشريان الحيوي لدارفور كلها، وعليه تبني مشروعات للتنمية والنهضة والاعمار والسلام.
في نيرتتي
سرنا في الطريق مروراً بمنطقة دبس وناما وطور إلى منطقة نيرتتي بولاية وسط دارفور، وزرنا مواقع عمل الشركة ومقراتها الرئيسة، وتوقفنا عندها لمتابعة سير العمل والتعرف على ما أُنجز من عمل، وفي نيرتتي عُقد لقاء مع قيادات المنطقة تحدث فيه قائد المنطقة العسكرية ممثل المعتمد مرحباً بالحضور والوفد، ومقدماً تنويراً عن الأوضاع بالمنطقة خاصة الأمنية التي تشهد هدوءاً وتعافياً كاملاً، ثم تحدث  السيد عبد الرحيم حمدان دقلو رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات الجنيد، والسيد سعود البرير رئيس اتحاد أصحاب العمل، وكبار رجال الأعمال منهم شيخ العرب يوسف أحمد يوسف وعثمان التوم وصلاح المنا والطيب كفوت وقائد حامية نيرتتي وشرتاي المنطقة، وعدد من رفقاء الرحلة، وبين هذه الرفقة مصعب أحمد حسن البشير رئيس اتحاد عام الفروسية وعضو البرلمان تكيش مناوي والطيب كفوت وشارف علي مسار رئيس اتحاد أصحاب العمل ورئيس الغرف التجارية بجنوب دارفور، وأكثر المتحدثين وخاصة رجال الأعمال لم يزوروا دارفور من قبل، ولم يروا مناطق جبل مرة بمناظرها الطبيعية الساحرة وجمالها، والمشهورة بمنتجاتها الزراعية والبستانية كالبرتقال أبو صرة بأنواعه المختلفة، وأكثر من ثلاثين نوعاً من المانجو، بجانب الرمان والتفاح والليمون والعنب والفراولة والخضروات المختلفة وتوم جبل مرة الشهير، بالإضافة للمنتجات الغابية، وتشتهر المنطقة بشلالاتها وقممها العالية وهضابها ووديانها وينابيعها وسهولها، وفوق ذلك إنسانها وثروتها الحيوانية.
العودة إلى كأس ونيالا  
عدنا إلى مدينة كاس ومقر الشركة، وكان هناك احتفال كبير خاطبه والي ولاية جنوب دارفور وقيادات شركة الجنيد ومعتمد كاس والسيد سعود البرير رئيس اتحاد أصحاب العمل ويوسف أحمد يوسف رئيس اتحاد الغرف التجارية، وكان في الوفد والي والوزير الاسبق سلمان سليمان الصافي والبرلماني الشهير الخير الفهيم المكي والبرلمانيان الطيب احمد ايراهيم كفوت ومحمد احمد مناوي تكيش ، ومصعب احمد حسن احمد رئيس اتحاد الفروسية وعثمان محمود التوم ، ومحمد المنا ، وعبد المنعم عبد الرؤوف احمد والبشير الكارس ومحمد عبدالعظيم عبد الرؤوف  ومحمد ابراهيم عبد الله ومحمود بدوي عثمان ومحمد صالح الامين بركة وعوض كبير واحمد عيسي يوسف وبدر الدين عثمان احمد وتخللته فقرات شعرية من كبار رموز الشعر الشعبي وغناء حماسي من فرقة تراثية، (وكان معنا الشعراء الشعبيون ــ عبد الله ود إدريس وود أب سبح)، وتوجد فرق فنية وغنائية في مقدمتها الفنان الكبير محجوب كبوشية وفرقة فرسان البطاحين وفرقة تيراب الكوميدية)، ومعنا الشاعر الكبير والإعلامي د. محمد الفاتح أبو عاقلة، ومعنا عدد من الشيوخ والدعاة.
 ومع إرخاء الليل سدوله كنا نعبر الطريق إلى نيالا وسط حالة من الأمن والطمأنينة تؤكدها السيارات التي تعبر الفيافي والأصقاع المختلفة بلا حراسات ولا أطواف، والراجلون في الخلاء العريض والعودة الطوعية والقرى المنتشرة التي دبت فيها الروح. ودخلنا نيالا وهي غارقة في شلال نور، تضج بالحياة شوارعها في ذاك المساء الخريفي وتنضح بما تريد. واستعداداً لمواصلة الرحلة صباح اليوم التالي إلى الفاشر، كانت الترتيبات تجرى على قدم وساق لمواصلة المسير، حيث تنفذ الشركة ذاتها طريق (نيالا ــ الفاشر) ..  وفي ذات الليل عُقد اجتماع مشترك بين اتحاد عام أصحاب العمل السوداني واتحاد الغرف التجارية مع الاتحادين الفرعيين بالولاية، وكان شارف علي مسار شعلة من الحركة والاتصالات.
مع لقمان..
في تلك الليلة في الفندق وجدنا صديقنا وزميلنا لقمان محمد أحمد مدير مكتب الـ (بي. بي. سي) الانجليزية في العاصمة الامريكة واشنطون، الذي يزور سنوياً اهله ومنطقته الملم، وهو يعمل لسنوات مع بعض أبناء المنطقة في مبادرة مجتمع مدني لإعادة إعمار المنطقة وإرجاع النازحين إلى قراهم، وقد وجدت مبادرة لقمان وإخوته صدى واسعاً من رئاسة الجمهورية، حيث كان نائب الرئيس السابق حسبو محمد عبد الرحمن يرعى هذه المبادرة وينسق العمل الحكومي لها، وتحدث لنا لقمان في مسامرة ليلية طويلة عن المنطقة وتاريخها وأهلها وحياتهم الاجتماعية وترابطهم، وعن الصعوبات والمعيقات التي تعترض العودة الطوعية، وعن غياب الاهتمام الحكومي بما يتم من اختراقات مهمة، ثم طوفنا في قضايا العالم والولايات المتحدة، وما يدور في كواليس السياسة الأمريكية والرئيس ترامب والبيت الأبيض.
جنوب دارفور تنام آمنة
ما سمعناه من الوالي آدم الفكي محمد الطيب والوزراء والقيادات السياسية بالولاية، جعلنا نطمئن إلى أمن ولاية جنوب دارفور وخلوها من أية توترات أمنية وعودة الحياة إلى ما كانت عليه، وخلو سجلها من الصراعات والحوادث وسفك الدماء، وهي تنعم الآن بالطرق والتعمير والبناء وتدخل مرحلة جديدة... وكانت المدينة المطمئنة تنام قريرة العين هانئة، لا صوت إلا أغاني الحفلات القادمة من بعيد، وهدير الرعود قرب نهايات الخريف.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

574 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search