الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

رحلة في قلب دارفور (2-3)

جنوب دارفور : الصادق الرزيقي

مع ساعات الصباح الأولى يوم الخميس الماضي (13) سبتمبر، كانت الشمس تنشر ذؤابات شعاعها على الأفق الملبد بالغيوم، تحرك موكبنا من نيالا، كانت طريق الأسفلت الممتد حتى الكيلو (94) في اتجاه الفاشر، يذّكر بالشركة الهولندية ( فولكر ستيفن رودز ) التي جاءت في عقد السبعينات من القرن الماضي , وبدأت في عمل المزلقانات في الوديان الكبيرة والخيران وعمل الدراسات لمشروع الطريق الذي لم ير النور في ذلك الوقت، وعندما شرعت الإنقاذ في تنفيذ فكرة طريق الإنقاذ الغربي، كان معلوم أن قطاع الفاشر نيالا هو أحد أهم قطاعاته ويبلغ طوله( (205كيلو مترات، وقامت مجموعة من الشركات بتنفيذ ما يقرب من المائة كيلو متر من اتجاه نيالا، وتعثر العمل وتوقف حتى جاءت شركة الجنيد للطرق والجسور واستلمت الطريق وباشرت العمل فيه وانطلقت أعمالها. ومن المتوقع أن تنتهي خلال عامين من هذا الطريق الحيوي المهم الذي تعبره مئات السيارات الصغيرة والشاحنات يومياً متجهة إلى جنوب ووسط وغرب دارفور وتشاد وأفريقيا الوسطى ..
جبل سِقرا ودُمة والجُرف
في الطريق مررنا بمناطق جنوب دارفور العامرة خاصة شمال نيالا، الطبيعة ساحرة والخريف كسا الأرض بسندس أخضر لامع، مررنا أولاً بجبل (سِقرا ) المكون من جبلين أحدهما على شكل الإصبع، وهي منطقة عالية تطل على الوديان، كانت تعقد فيها معسكرات المقدومية في نيالا ومؤتمراتها، وعندما كنا طلاباً في الثانويات بنيالا, كنا نذهب إليها في الرحلات المدرسية، توقفنا بمنطقة ( دُمة ) وهي من قرى قبيلة البرقد الكبيرة اشتهرت بسوقها ومدارسها وضخامة حجمها، بها حياة عامرة مقاهيها وناسها وواديها العريض, وقد رسمت إطارات السيارات على رماله خطوطها المميزة، ودمة ببساتينها تمثل لوحة من الجمال الطبيعي الفريد، في منطقة الجرف توجد آثار قديمة لشركات الطرق التي كانت تعمل على هذا الطريق، لكن شركة الجنيد، شيدت مقرين أحدهما في الجرف على مقربة من الطريق، والآخر في مكان الخلاط الأسفلتي والكسارة عند مقرن جبلين وواديين صغيرين أعلى المنطقة غرباً، توقف الموكب هناك، وقابلنا عدداً من قيادات المنطقة ورموزها وإداراتها الأهلية, وأقيم برنامج خطابي تحدث فيه سعود البرير ويوسف أحمد يوسف ومحمد صالح الأمين بركة وعمر أحمد عطا المنان عن شركة الجنيد للطرق، وعدد من أعضاء الوفد .. ثم تحركنا إلى منطقة منواشي العريقة ..
منواشي نابضة
  أطلت علينا مدينة منواشي الشهيرة، كانت مئذنتها ومبانيها وأشجارها العالية تلوح من بعيد، قطعنا الوادي وكانت فيه بقية من ماء يجري، ووصلنا سوقها الكبير، وهي مشهورة بصناعاتها السعفية من طباق ( براتيل ) و ( مندولات )  و ( طواقي ) و ( بروش )  وأيقونات زينة، تنتشر المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية ومتاجر بيع المشغولات التقليدية، وأثناء تجوالنا في سوق منواشي اتصل شيخ العرب يوسف أحمد يوسف بالمهندس الصافي نور الدين المقيم بالخرطوم، وهو أحد أبناء نيالا وتمتد أصوله إلى منطقة منواشي موطن أهله . وتحدث المهندس الصافي لعدد من أعضاء الوفد مرحباً بهم في منواشي، وكان سعيداً جداً بالاتصال، ومن أشهر أبناء المنطقة الدكتور علي الحاج والمهندس الصافي نور الدين ود . النجيب قمر الدين وآخرون .
مدينة منواشي نابضة بالحياة، توسعت خلال السنوات الماضية واحتفظت برونقها وجمالها وتجارتها ومطاعم لحم المناصيص والدجاج البلدي والطيور والحبار. ازدانت المدينة بعد انتشار خدمات الاتصالات بمراكز خدمية متنوعة ويوجد عدد من خريجي الجامعات لديهم محلات في السوق، وظهر أثر التعدين الأهلي والمنتجات الزراعية على الأهالي، ومن الملاحظ ازدياد عدد المرافق في مجالات التنمية الاجتماعية مثل المدارس والمراكز الصحية وصهاريج المياه والمساجد  ودور تحفيظ القرآن الكريم ..
أبو حمرا ومُوسكُو
عندما انتهي الطريق المسفلت حوالي مائة كيلو- تنتهي عند حدود منواشي الشمالية، نزلنا في طريق ترابي وعر تكثر فيه الحفر والمطبات والخيران الصغيرة وسط مزارع قصب الدخن، ثم دخلنا منطقة مراعي طبيعية واسعة كان الرعاة ينتشرون بأغنامهم وأبقارهم وإبلهم في المنطقة ذات التربة الخليط ما بين الطين والرمل، الأخ سلمان سليمان الصافي الوزير والوالي الأسبق كان مندهشاً لجودة المراعي وقطعان الضأن التي شبعت وامتلأت أجسامها وزادت شحماً ولحماً، وتحدث بلغة الخبير عن الفروقات بين الضأن في دارفور والضأن الحمري والكباشي والبطانة وأنواع أخرى موجودة في كردفان, خاصة الجزء الجنوبي الشرقي .. توقف الموكب طويلاً عند أحد القطعان في منطقة تشبه سبخة المياه، دار فيها حديث طويل بين الأهالي الرعاة ووفدنا الكبير خاصة رجال الأعمال المهتمين بالثروة الحيوانية، جبل موسكو كان شاخصاً وشامخاً في تلك الظهيرة يحكي تاريخ المنطقة وقبائلها ويمثل منطقته الحد الفاصل بين جنوب وشمال دارفور، كانت هناك وديان وخيران عميقة تعبرها ردمية الطريق التي تنتظر السفلتة، ومستوى الزراعة والمساحات المزروعة تحكي عن مستوى خريف هذا العام الذي يبشر بإنتاج زراعي وفير ..
شنقلي طوباي تلقى لي دهباي
تغيرت البيئة ونوع التربة وصارت أقرب للقيزان والكثبان الرملية، ونحن بموكبنا الذي يتكون من حوالي عشرين سيارة نقترب من منطقة ( شنقل طوباية ) وهي حاضرة مشهورة ومعروفة، رقص السودانيون على أنغام أغنيتها المشهورة التي صارت مثلاً في المسلسل الإذاعي والتلفازي الكبير ( الدهابية ) وجزءاً من الأهازيج الشعبية والأغنيات حول هذه المنطقة التي تعتبر من أكثر المناطق ثراء بتراثها الشعبي واختلاط قبائلها وتصاهرهم في شمال دارفور ..
طبيعة المنطقة الزراعية وثروتها الحيوانية يكثر فيها صيد الحيوانات والطيور خاصة الغزلان والحبار والقطا، كانت المدينة بمسجدها العتيق تجسد صمودها طيلة سنوات الحرب الماضية في دارفور، وقد كان عصياً على التمرد تفتيت وحدة أهلها وتجانسهم .
ومن بعيد لاح لنا جبل (حريز) وبجانبه الجبل الصغير ( أوقاي ) وتذكرنا المثل الدارفوري الشهير ( شايل جبل حريز بلا أوقاي.  ) وتحاورنا فيه سلمان وأنا ويوسف عبد المنان, وعقدنا مقارنات بين الأمثال الشعبية في دارفور وما يقابلها في البيئات السودانية الأخرى في مناطق البلاد المختلفة وأوجه الشبه بينها، وما كتبه الرحالة الأوروبيون عن دارفور .. أهلها وتاريخهم .
قوز أبو زريقة
لم تشهد منطقة قوز أبو زريقة خريفاً مثل خريف هذا العام منذ عشرات السنوات، لقد اكتسى القوز الرملي بغطاء زراعي من الدخن والذرة والفول السوداني، غطى الرمال، وامتلأت البرك والسدود وخزانات المياه.. الرهد الكبير في المنطقة حتى فاضت، وفي بلدة قوز أبو زريقة وجدنا السوق عامراً والبهائم شبعت وارتوت والأهالي في غاية الطمأنينة والارتياح. المدارس القديمة ومركز الشرطة والشفخانة العتيقة والأشجار العالية، أعطت البلدة بعداً جمالياً ساحراً وهي محاصرة بأعشاب الخريف العالية واخضرار الأشجار والنباتات في البلدة، وكانت السيارات العابرة والشاحنات متوقفة داخل السوق أو تغسل من طين الخريف في الرهد الكبير وطيور الخريف وسط الماء تتقافز ولهى .
زمزم ووادي شقرا ... ثم الفاشر
 عند مشارف منطقة زمزم, أيقنا أننا دخلنا مدينة الفاشر ,لأنك تجد عربات التاكسي وشارع الأسفلت، وزمزم التي كان يوجد بها معسكر للنازحين تحولت إلى مدينة كاملة يسكنها الآلاف من المواطنين، وبها سوق ومدارس ومقر لبعثة اليوناميد وكافة المرافق الحكومية، في القديم كان اسمها ( خسار مريسة) لكنها تحولت في عهد الإنقاذ إلى زمزم، وإذا وصلت زمزم تكون قد وصلت إلى مدينة الفاشر، كان وادي شقرا ومزارع التمباك أمامنا عندما عبرناها مع مغيب الشمس, والفاشر أضواؤها تلوح من بعيد، وحكومة الولاية خرجت لاستقبال الوفد عند مدخل المدينة .
 في مقر إقامتنا في المنزل الرئاسي بالفاشر، كان الوالي الشريف عباد في استقبال الوفد، وأقيم مساء نفس اليوم احتفال كبير بمنزل الوالي قدمت فيه فرق مسرحية وغنائية من شمال دارفور، فقرات غنائية ومسرحية تجسد الواقع المحلي وتراث الولاية، بينما قدم الشعراء الشعبيون ود إدريس وود أب سبح، قصائد من الدوبيت والشعر الشعبي ألهب الحماس، وغنى الفنان محجوب كبوشية فقرة غنائية من أغانيه التي تملأ النفس فخراً بالسودان وأهله ، ثم تحدث أعضاء الوفد منهم محمد صالح الأمين بركة وسعود البرير رئيس اتحاد أصحاب العمل ويوسف أحمد يوسف رئيس اتحاد الغرف التجارية, تناولوا الزيارة ودواعيها وأسبابها واستعدادهم للاستثمار في الولاية، وطالبوا حكومة الولاية بتوفير المعلومات وإطلاعهم على الدراسات الفنية , توطئة لاطلاعهم عليها ومعرفتهم لمجالات العمل الاستثماري والدخول فيها، وتحدث والي الولاية الشريف عباد الذي قدم شرحاً عن الأوضاع الأمنية والسياسية وفرص الاستثمار، وحث رجال المال والأعمال على التعرف على كل المجالات والفرص المتاحة, وحيا وجودهم في ولايتهم, وترحيبها بهم .. ونامت الفاشر تلك الليلة وهي تحلم بالجديد بوجود هذا الوفد الكبير ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

609 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search