mlogo

الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

سبع سنوات على الرحيل..محمد وردي2

د. صلاح الرشيد حمد

قرية (صواردا) فى شمال السودان والمجاورة (لجزيرة صاى مسقط رأس الشاعر والمُغنّى الشهير خليل فرح أو خليل العازة كما يحْلو لأهل السودان أن يُسموه) هى قرية ذات طابع خاص تقع فى منطقة المَحس والسكّوت، وما يميزها أنها قرية مدينة ومدينة قرية، حيث كونها (عُمودية) مكوّنة من تسع مشايخ وبها تلك الجزيرة الساحرة التى تسمّى (واوسّى) صواردا قرية ككل القرى فى بلادى الطيبة ... أهلها طيبون ... نسماتها عليلة ... خضرتها زاهية ... إلا أن بساطتها وكثرة طنبارتها هو ما ميزها أكثر عن غيرها.  
تمرد:
فى أواخر عام 1962م (تمرّد) وردى على مدرسة إسماعيل حسن وخليل أحمد واختلف معهما فى (النمطية) فى الغناء والألحان - حسب وجهة نظره - فكان أول خروج له عن المدرسة التى قدمته للمستمع السودانى هى أغنية الشاعر الكبير (كجراى) (مافى داعى) ثم تلتها ... يقظة شعب لمرسى صالح سراج ... الاستقلال لعبد الواحد عبد الله ... ثم أتى الشاعر الكبير (شاعر الشعب) كما يُسمّى ... محجوب شريف ... ثم التجانى سعيد ... عمر الدوش ... صديق مدثر ... وآخرون ... فظهر واضحاً التحول من النمطية للواقعية ... أما التحول الكبير والنقلة الكبيرة للموضوعية فى الغناء كان فى الأغنية الكبيرة والعظيمة عظمة شاعرها (صلاح أحمد إبراهيم) (الطير المهاجر) الذى لم يلتقه حينها ... صادف أن كان وردى عائداً بالباخرة من رحلة فنية بمدينة كوستى ومعه على ميرغنى وأحمد بريس – عازفان – وفى مدينة الدويم رست الباخرة فخرج وردى لشراء مجلة هنا أمدرمان التى كانت ذائعة الصيت ويحرص على متابعتها كبار الشخصيات والصفوة والمثقفون فوجد بها قصيدة (الطير المهاجر) تلك ... فقام بتلحينها وصارت من أجمل الأغنيات للفنان (الصاروخى) كما أطلق عليه فى فترة سباقه ومنافسته مع الفنان (الذرى) بتلك الحصيلة الوافرة من الأغنيات الجميلة فى فترة الستينيات أصبح وردى أحد المساهمين الكبار فى الطفرة الغنائية التى حدثت آنذاك بجانب الكثير من الأغنيات العظيمة لكبار الفنانين مثل : شجن لعثمان حسين ... حبيبة عمرى للكابلى ... حُسنك أمر لابن البادية وأخريات ... وكان الفنان الكبير محمد الأمين مُغنّى ومُلحن وعازف عود ماهر لا يُشق له غبار ... وأيضاً كان هنالك مُلحنون عظماء أمثال : برعى محمد دفع الله وعبد الله عربى وعلاء الدين حمزة وناجى القدسى ... وآخرون أسهموا بصورة كبيرة وواضحة فى تطوير الأغنية فى تلك المرحلة من ناحية الألحان و (السمكرة) سمكرة الغناء كما يسمونها ... فى عام 1963م أيضاً كان هنالك تحوّل فى الأداء الموسيقى لوردى فى أغنية (الحبيب العائد) لصديق مدثر ... حيث قام بإدخال الجيتار الكهربائى فى الأوركسترا لأول مرة.  
دهشة رايدر :
فى عام 1969م سافر وردى لقاهرة المعز مرة أخرى ولكن ليس كالمرة الأولى الطالب المغلوب على أمره ولزيارة جَده بل محمد وردى الفنان والملحن الكبير وكان يحمل معه النوتة الموسيقية لأغنية (الوُد) فعرضها على الموسيقار الكبير (أندريّا رايدر) الذى قام بتوزيعها موسيقياً فيما بعد ، فسأله أندريا عن هذه النوتة التى تتكون من (12) صفحة وعن ملحنها فقال له وردى: أنا الذى قمت بذلك وكانت دهشة أندريا عندما علم بأن وردى لم يَدْرس الموسيقى كبيرة جداً مما جعله يتصل بصديقه الملحن (المُوجى) ليخبره بأن لديه شخص مؤلف نوته موسيقية تتكون من 12 صفحة وهو لم يَدْرس الموسيقى ...
فن وثورة :
 بعدها عاد وردى للخرطوم ليواصل مسيرته الفنية الحافلة فجاب كل أرجاء السودان مُغنياً وناشراً للفرح بين الناس ... وكانت فى حياته الكثير من المنعرجات التاريخية التى لا يتسع المجال لذكرها ولكن ما يهمنا هنا هو اشتراكه فى المظاهرات التى نظمها النوبيون ضد الترحيل والهجرة من مناطقهم وكان فى تلك الفترة أن ظهرت أغنية (نور العين) فأوقفت الإذاعة بث أغنياته نسبة لخروجه فى المظاهرة وعندما أعادت بثها مرة أخرى كانت أول أغنية تُبث هى – نور العين – مما جعلها الأغنية المُحببة له ولأهل السودان قاطبة ... إلى جانب ذلك تركه لمهنة التدريس حُباً فى الغناء وتركه للمعهد العالى للموسيقى والمسرح فى السنة الثانية لأسباب سياسية لا أود الخوض فى تفاصيلها لأن صولاته وجولاته السياسية الكُل يعلمها وأنا لست بالسياسى المُحنك لأُبحر فى عُبابها ولكن لابد لى من الإشارة إلى بعضها لأنه مرتبط بكلامى هنا ... نستطيع أن نقول بأن وردى هو الذى جعل أصحاب انقلاب 17 نوفمبر يغيّرون اسم انقلابهم من حركة إلى ثورة من خلال نشيده (أفرح يا وطنى هلل وكبّر فى يوم الحرية) وبعد نجاح ثورة أكتوبر غنّى (أصبح الصبح) (ثوار أكتوبر) (أكتوبر الأخضر) (شعبك يا بلادى) واستمر عُرس الحرية زمناً إلى أن حدث ذلك الخلاف التاريخى حيث حُل الحزب الشيوعى مما أدى إلى قيام حركة الجيش فى 25 مايو وغنّى لها وردى (فى شعاراتنا مايو) وتلك الأنشودة الرائعة التى غناها مع الفنان الكبير والصديق (محمد ميرغنى) (يا حارسنا ويا فارسنا لينا زمن نفتش ليك جيتنا الليلة كايسنا) ثم اختلاف اليسار الذى كان متضامناً معه وردى مع ثورة مايو وقيام حركة هاشم العطا التصحيحية عام 1971م فكان نصيبه السجن والمعتقل لزمن طويل بسجن (كوبر) الشهير خصوصاً وأنه كان قد تغنّى لنميرى (يرحمه الله) بأغنية (راكب هنتر وعامل عنتر) فربط أغلب الناس كلمات الأغنيتين مع بعض ... أما (انعراجاته) الفنية ... ففى عام 1958م فى الإذاعة الجديدة فهو أول من غنّى فيها ... وأول فنان يصعد ويغنّى على خشبة المسرح القومى بأم درمان عند افتتاحه ... وأول فنان يظهر فى التلفزيون الملون عند بدئه ... وفى عام 1972م كتب الشاعر الكبير التجانى سعيد كلمات أغنية (قلت أرحل) وكان وقتها وردى بسجن كوبر فوصل إليه النص وقام بتلحينه وتسربت الأغنية إلى الشارع وبعد خروجه من السجن قدّمها إلى الجمهور فاعتبرها الكثيرون أنها أغنية وطنية ذات طابع سياسى فسببت له الكثير من المضايقات الأمنية من رجال أمن السلطة المايوية ... وفى عام 1976م غنّى (سواة العاصفة) لأبوقطاطى وصادف ذلك هبوط الجنيه السودانى فثار الكثيرون وشنوا عليه هجوماً كاسحاً على غنائه لتلك الكلمات التى صنفوها (هابطة) كهبوط الجنيه بالرغم من بساطتها وقوتها والبعض سيّسها وربطها بهبوط الجنيه.

تواصل معنا

Who's Online

508 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search