الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

فتيات يركضنّ خلف سراب عـمليــات التجـميـــل

هادية قاسم المهدي
كثير من الفتيات لا يتوقعنّ أن عملية البحث عن الجمال والوصول اليه بطرق صناعية غير سليمة قد تكلفهنّ حياتهن بأكملها ، وأنهنّ قد يفقدنّ بين عشية وضحاها ملامحهنّ بفعل التشويه .غير ذلك فقد راجت كثير من الأخبار التي توكد تشوّه عدد من الفتيات تشويهاً بليغاً وفقاً لاستخدامهن لمستحضرات تجميل غير مطابقة للمواصفات أو إخضاعهن لعمليات تجميلية بأيادي غير متخصصة الأمر الذي أدى الى هذا التشويه أو الموت الحتمي .وكانت الوسائل الإعلامية قد سلطت الضوء عن خطورة الأمر ، لكن لا يفوتنا هنا أن نتناول الموضوع من جانبه الاجتماعي عبر طرح العديد من الأسئلة على أصحاب التجارب وأهل الاختصاص : ما السبب وراء إقدام الفتيات على هذه الخطوة ؟ - ماذا تريد الفتيات أن تثبت ولصالح من ؟ - كيف ينظر المجتمع لضحايا الجمال المزيّف خاصة وأن الفتاة قد تتغير تغييراً كلياً في فترات وجيزة ؟ أين أولياء الأمور وهل غابت عنهم المتابعة الدقيقة ؟ هل لصديقات السوء يد في الأمر وهل غاب العقل الناصح فيما بينهم ؟
 موت مع سبق الإصرار
لم تكن الفتاة السمراء ممشوقة القوام ( س – ف ) والتي لم تبلغ العشرين ربيعاً تتوقّع أن الخطوة التي اتخذتها وهي تحاول تغيير شكلها للأفضل ستدفع ثمنها غالياً ، وأنها ستفقد على ضوئها حياتها بأكملها ،لذا لم تتردد في محاولاتها للبحث عن الجمال بطرق غير سليمة .كما أنها ووفقاً لصغر سنها لم تتخير الأساليب الصحيحة ولم تستشر أصحاب التجارب ،ما دعاها إلى أن تخطو خطوة غير موفقة . وكانت قد ذهبت الى إحدى مراكز التجميل الشهيرة بالخرطوم ودفعت مقابل معالجات شكلية كثيرة مبالغ طائلة تُقدّر بأكثر من ثلاثين ألفاً ، وخلال فترة لا تزيد عن الثلاثة شهور تغيرت ملامح الفتاة السمراء وأصبحت شخص آخر بمواصفات مغايرة لشخصيتها المعروفة .كانت هي سعيدة غاية السعادة خاصة وأن حلمها بأن تحصل على بشرة بيضاء وقوام محدد قد تحقق ،لكن سرعان ما تحول حلمها الى كابوس مزعج هدد حياتها .فقد شعرت الفتاة العشرينية بتغيرات طرأت على جسدها الذي أصبح مجعّداً ،وكانت تبدو عليه آثار غريبة ،هذا غير الإرهاق الذي أنهك قواها حتى باتت لا تقوى على بذل أي مجهود ،حيث قامت أسرتها بعرضها على الطبيب الذي أعلن أنها تعرضت لحقن في مواضع عديدة بجسدها وأن العمليات التجميلية التي أجرتها الصغيرة قد أدت الى مضاعفات كبيرة .حاولت أسرتها إنقاذها لكن وبعد مضي شهور عديدة تراجعت صحتها للأسوأ .لم تجدِ كل محاولات إنقاذها فانتقلت الى المثوى الأخير نتيجة قرار غير موفق .
جهل
وإن كانت الفتاة العشرينية قد لقت حتفها بهذه الطريقة إلا أن ( ف – ع ) والتي تناهز الأربعين عاماً  قد واجهت نفس المشاق وكادت أن تلقى ذات المصير لولا قدرة الله التي انقذتها قبل أن تكمل ما بدأت من عمليات تجميلية وتجارب حتى تغير شكلها أيضاً . وبالرغم من الفارق العمري الكبير بينها وبين الفتاة العشرينية إلا أنها لم تحكّم عقلها وتعاملت مع تجربتها بعدم وعي – وفقاً لحديثها لـ(الانتباهة ) الذي اعترفت من خلاله بأنها كانت قد تناولت كميات محدودة من حبوب زيادة الوزن، وخلال أسبوعين فقط لاحظت هذه السيدة بأن هنالك اضطرابات قد حدثت لها وأصبحت عصبية بصورة مزعجة . لم تتوانِ في أن تسرع الى الطبيب وكشفت له عما تعانيه ولم تُخفِ عنه موضوع (حبوب زيادة الوزن ) ليأتي تقرير الطبيب صادماً إذ أنه أخبرها بأن جسدها قد استقبل مواداً كيماوية وأن الجرعات التي أخذتها كفيلة بأن تسبب لها عاهات مستديمة ولم يستبعد الوفاة .تقول محدثتي : أصابني الخوف وصارحت أسرتي بالموضوع وبدأت رحلة علاج طويلة ، وكم ؟أنا نادمة على كل شيء فعلته عن جهل مني .
غير جديرة بالاحترام :
ابتهاج عبد الله قالت في حديثها لـ( الانتباهة ) إن الفتاة التي تحاول تغيير شكلها لأي سبب من الأسباب هي غير جديرة بالاحترام لكونها لم تحترم نفسها في المقام الأول . وأضافت أن المجتمع لا ينظر لها بنظرة رضا وإنما يشمئز منها .وألقت اللوم على الأسر التي قالت بأنها لا تتابع أبناءها وبناتها متابعة دقيقة الأمر الذي يؤدي الى عقبات وخيمة .
فيما حمّلت سهام المجتمع مسؤولية الفتيات اللاتي أصبحن يبحثن عن الجمال بسبل غير مشروعة – وفقاً لتعبيرها – موضحة أن المجتمع أصبح ينظر لهذه الأمور وأن الشباب تحديداً لديهم مواصفات محددة الأمر الذي جعل معظم الفتيات خاصةً صغيرات السن لأن يشرعنّ في ما أسمته ( تغيير خلقتهنّ ) .
 يرى أبو بكر - شاب في عقده الرابع – أن معظم الشباب لا ينظرون الى الفتاة بنظرة شكلية وأن كثير من الفتيات يُخيّل إليهنّ أن المظهر المبالغ فيه ، هو الأساس في الاختيار ، معتبراً الجوهر والشكل المقبول هو معيار الواعين من الشباب .
كورس فقط
( ش) خبيرة تجميل ولها مركز معروف بالخرطوم بحري أكدت في حديثها لـ( الانتباهة ) أنها تستقبل عدداً كبيراً من الفتيات والسيدات واللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 18 – 40 ) عاماً ، موضحة أنها تقوم بعملية زراعة الشعر عن طريق الحقن ،بجانب توفر ( حقن ) لتبييض البشرة وحبوب لزيادة الوزن .وقالت إنها اكتفت بكورس تدريبي في إحدى الدول العربية ما أهلها لأن تجري مثل هذه العمليات .وأضافت أن بعض الفتيات يتناولنّ الحبوب مثلاً أو الحقن لتفتيح البشرة بدون وصفة ومن تلقاء أنفسهنّ .
نظرة متدنية
وأوضحت د. فاطمة  محمد عثمان – اختصاصية علم النفس العلاجي – في حديثها لـ(الانتباهة) – أن اللجوء الى عمليات التجميل بالنسبة للفتيات صغار السن حالة من حالات الهوس النفسي يكتنفها نوع من عدم الرضا بالمظهر الخارجي للحالة . وتعدّ واحدة من أعراض الهوس الذي يكتنف الشاب أو الشابة ويظل يؤكد أن شكله غير متناسق وأنه في حاجة الى تغيير الشكل . وأضافت أن كثيراً من الحالات يكون فيها الطبيب مقتنع أن هذه الحالة ليست بها أي مشكلة ويقدم النصح إلا أن الشخص يصر على إجرائها . وقالت إن في هذه الحال يجب أن يصحب جلسات التجميل برنامج قبلي مع الاختصاصي النفسي لمعرفة الهدف من عملية التجميل . فيما كشفت عن أن عدم قبول الفرد لذاته والنظرة المتدنية للفرد لنفسه أحد أسباب اللجوء لعمليات التجميل ، بجانب الهوس بالموضة والإعلام وتشكيل الصورة الذهنية عن الجمال من خلال الإعلانات المتكررة وآليات الجذب المكثفة عبر الوسائط والتي تعدُّ واحدة من أسباب ذلك الهوس .

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

479 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search