اجتماعي و ثقافي

للفراق دمامل فى القلب لا يشفيها الزمن قصة ما قبل النوم

هل جربت يوماً ان تعتصر قلبك الذكريات وان لا تجد منها فكاكاً؟ تضيق عليك غرف المنزل ومساحاته ، تهرب الى الطرقات والشوارع فتضيق عليك حتى البلد. وتهرب من رأسك وقلبك فلا تجد لهم مكاناً تضعهم فيه، فيقودونك هم رغماً عنك الى حدائق الذكريات فلا تجد فيها سوى مقعد بالٍ يطل على صور من احببت يوماً ما، ضحكاته وحركاته تلك التى كانت تسعدك بالامس هى التى تشقيك اليوم، صورته الى كنت تتمنى مشاهدتها هى من تهرب منها.. ان للفراق دمامل فى القلب لا يشفيها الزمن. ونفترق بسبب الموت فنكرهه، نفترق بسبب الطلاق فنكرهه، نفترق بسبب السفر فتلهينا للحظة حداثة الاماكن ثم نعود الى حدائق ذكرياتنا على نفس المقعد البالى وتلك الغرف والطرقات لتضيق بنا حتى هذه البلاد البعيدة والواسعة.
ان للفراق ابواباً سيفتحها القدر قسراً لنا: اول تلك الابواب صدمة تعمل على تجميد مشاعرنا وتخديرها ثم ما تلبس تلك المشاعر ان تتحرك ببطء معلنة فى كل لحظة موعد الحزن.
وثانى ابواب الفراق احساس بفقد.. احساس بفراغ كبير كان يملأه فى نفسنا من احببناه قبلاً وفارقناه تالياً.. خواء لا يولد الا اعاصير هوجاء من الذكريات تحمل فى طياتها ذرات حزن لزجة كلما التصقت احداها بقلبنا ساعدتها اختها الاخرى على الالتصاق اكثر.
ليفتح القدر قسراً فى وجهنا باباً للانكار ندخل منه مسرعين هروباً من تلك الاعاصير، فنقفله خلفنا ونوهم أنفسنا بالنسيان ونغطى جمرات فراقنا واحزاننا برماد الحياة ومشكلاتها ونمضى.. نمضى ليس ببعيد حتى نشتاق لمن نحب. وهو باب رابع يفتح ونحن نتناول طبقاً من شيء ما فنتذكر انه كان يحبه فنشتاق له، نتناول كوباً من قهوة فلا يكون طعمها هو طعمها بدونه فنشتاق. حتى اصوات ارجلنا على ارصفة الطرقات ليست هى بدونه فنشتاق، عندها ندرك ان الحياة بدونه اصبحت شيئاً ما لا ندرى كنهه نحن كما كنا ولا تعود الحياة جميلة..عندها يفتح لنا القدر قسراً باباً خامساً فنتمنى ان نعود نحن او يعود هو نشتاق ونحن نبكى كما لم نبك من قبل، لا نأكل ولا نجوع، لا نشرب ولا نعطش.. فقط نتنفس وحتى هذه تكون ثقيلة علينا. واسوأ ابواب الفراق هو بابه السادس وهو باب الحزن عندما يتملكنا، ولا تستطيع حتى اعيننا ان تنفتح على الحياة كما كانت، ثقيلة اجفاننا وكأنها كسرت من البكاء.. ثقيل صدرنا، وكيف لا يثقل! الم يسأل احدكم نفسه اين تخزن الدموع؟ انها تجف نعم.. ولكن تتشربها وجناتنا لتصل الى اعماق صدورنا، وهناك فى عمقه تستقر فى ما يسمى القلب، فينحنى الجسد للأمام لذلك الثقل. الم يسأل احدكم نفسه لماذا يكرسنا الحزن؟ ببساطة: لشدة انحنائنا وثقل دموعنا.
ثم يرحمنا القدر ويحن لنداءاتنا وشوقنا لمن نحن، فحتى القدر احياناً لا يتحمل الفراق.. فيدخلنا قسراً من باب الزمن علنا ننسى وتمضى بنا الأيام والشهور والسنين ويمضى بنا الفراق وتمضى بنا الاحزان وتتجدد الحياة. ولكن رغم كل ذلك هناك عميقاً فى صدورنا مازالت تلك الغرف والطرقات ضيقة لم تتسع بعد، ومازال ذلك المقعد البالى خالياً ينتظر ان نعود لنجلس فوقه وتمارس فينا الذكريات العابها المحببة، بينما نكتفى نحن بالمشاهدة او الحزن او البكاء.. لتكون هذه قصتنا نحن وحدنا التى نرويها لانفسنا سراً كل يوم قبل النوم .
 فللفراق فى القلب دمامل لا يشفيها حتى الزمن.. حفظكم الله منها .
واتذكروا نحن ما هينين.