الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

معضلة علم النفس في السودان

في آخر عام لنا في الجامعة وتحديداً في الفصل قبل الأخير ويسمى بالتدريب العملي او (التربية العملية) كان مطلوباً منا كخريجين من قسم علم النفس أن نتدرب في أربع مؤسسات صحية وتربوية وهي (مستشفى نفسي ومركز ذوي احتياجات خاصة ومدرسة ثانوية وروضة أطفال) ونقضي في هذه المؤسسات فترة زمنية تدريبية حسب مطلوبات القسم للتخرج وكان لزاماً أن نقوم بواجبات معينة في كل مؤسسة فيما يلي تخصصنا.
ما لفت انتباهنا هي فترة المدرسة الثانوية وكانت مواجهة معلنة بيننا وبين مجتمعنا لدراستنا (علم النفس).
في اليوم الأول لنا في المدرسة دهشنا لإبلاغ المديرة لنا - بعد معرفة تخصصنا - بأنه لاتوجد في المدرسة حصص خالية حتى يتم توزيعنا عليها للقيام بواجباتنا المطلوبة ولا يمكن أن يوضع لنا جدول محدد. وتم توجيهنا للدخول للحصص التي يتغيب فيها أستاذ المادة لأي ظرف يحدث. استطعنا أن نجد حصص النشاط خالية فتوزعنا عليها على طول الأسبوع، بالإضافة للحصص الخالية.
وعند دخولنا للحصص وكان السؤال الأول الذي طرحناه على الطلاب:
(ماذا تعرفون عن علم النفس؟)
تنوعت الإجابات بين أنه علم علاج المجانين والجهل به إطلاقاً وفي بعض الأحيان علم مرتبط بالغيبيات. سردت هذه القصة لكي أدلل على الجهل الكبير بعلم النفس في مجتمعنا وعدم المعرفة بأهميته في مختلف مجالات حياتنا اليومية. تم ربط علم النفس بصورة مشوهة بـ(المستشفى النفسي) والمرض النفسي مطلقاً، رغم أن علم نفس المرضي (psychopathology) يمثل فرعاً من فروع كثيرة لعلم النفس قاربت على الـ300 فرع تغطي جميع الأنشطة الحياتية للإنسان. والجهل بأهمية العلم يسبب شرخاً متعاظماً في المجتمع يزداد مع كل يوم ويزيد من المشكلات النفسية المختلفة في الأنشطة الإنسانية. فعلم النفس لديه المنهج الذي يعالج المشكلات النفسية قبل وقوعها (المنهج الوقائي) ولديه الفرع الذي يعالج المشكلات النفسية التي تطرأ في مجال العمل والاهتمام بالإنتاج (علم النفس الصناعي والتنظيمي) ولديه القدرة على توجيه المقبلين على الزواح ومعالجة الخلافات الزوجية والأسرية (الإرشاد الزواجي والأسري) وكذلك الاهتمام بمراحل تنشئة الأطفال (علم نفس النمو) والمراهقين (سايكلوجية المراهقة) وكذلك الرياضة (علم النفس الرياضي) والكثير وما ذكر على سبيل المثال لا الحصر. إذن.. فعلم النفس مرتبط بكل أنشطة حياة الإنسان.. ربما نرى أن هنالك طفرة في الاهتمام بعلم النفس بنشأة كليات وأقسام متخصصة في هذا العلم، ولكن ذلك لا يكفي اذا لم يكن منذ المدرسة، فيجب إدخال مادة علم النفس في المدارس الإساسية والثانوية على حد سواء، وعلى الطلاب أخذ جرعات تعليمية وتربوية في هذا العلم، فهو من الأهمية بمكان ألا يكون قاصراً على الدراسة الجامعية فقط. كذلك من معضلات هذ العلم في السودان وهي تواجه الكثير من الدارسين والمتخرجين منه هو الانتقاد من أسرهم ومعارفهم بأنها دراسة غير ذات جدوى مادية رغم ارتباطها الوثيق بالتقدم الحضاري والاجتماعي والمادي في كل مناحي الحياة. فشخص غير صحيح نفسياً قد يكون سبباً في تعطل عجلة الإنتاج والتدمير في كثير من المؤسسات.. كما يستعان بعلم النفس لفهم الإنسان وتحليل سلوكه والتنبؤ بمستقبل هذا السلوك ليتمكن من رسم السياسات الاقتصادية في مجال الإنتاج والتبادل والاستهلاك. فهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد وحركة الإنتاج والاستهلاك.. الجدير بالذكر أن الجهل بهذا العلم يترك البعض عرضة للدجالين والمشعوذين وهي ممارسات منتشرة في مجتمعنا. إن الاهتمام بهذا العلم يجنبنا الكثير من المعضلات التي تواجهنا وتقف في طريق حياتنا اليومية. فعلم النفس يتصف بوضع الدراسات وتحليل الظواهر والتنبؤ بالسوك ووضع الحلول الملائمة للمشكلات النفسية حتى قبل وقوعها. قياساً على ذلك يجب أن يكون في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة ومرافقها متخصصون في علم النفس ولا يرتبط وجودهم في المستشفيات فقط حيث يعتبر وجودهم في المستشفيات دليلاً على عدم الاهتمام بالصحة النفسية بعد، والوقوع المرض النفسي الذي كان يمكن أن يتم تلافيه في المؤسسة التي يعمل بها او يدرس فيها الفرد او يتعامل معها(المنهج النمائي).  والمعلوم أن الجميع يخشى الذهاب للعيادة النفسية او المستشفى النفسي خشية وصفة بالجنون او العله النفسية. والمعلوم أن الكبت يسبب ضغوطاً نفسية وبالتالي أمراض نفسية قد لاتظهر مباشرة وكل ما امتدت فترة كبتها تزداد حدتها وصعوبة علاجها (المنهج العلاجي).. إن حاجة مجتمعنا لعلم النفس هي حاجة ملحة وضرورية فهو (علم الحياة) ولكي ننعم بالرفاهية في حياتنا يجب الانتباه لهذ العلم بقدر العلوم الأخرى ووضعة في الأولوية لأهميته البالغة في بناء الإنسان الذي يبني الأمة.
خالص تحياتي
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search