mlogo

الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

مع المستشرق الإيطالي ( ألفونسو آركيه)

حوار : د.مصطفى عبد الفتاح
البروفيسور أولفونس جالبيرتو أر كيه، مستشرق إيطالي، وعالم مسماريات يحمل دكتوراه في اللغات القديمة منذ عام 1964م، وأصبح عضواً في بعثة (تل مرديخ) كمترجم للغة (الإبلوية)، وله العديد من المؤلفات والأبحاث عن إيبلا واللغة الإبلوية قدمها في المؤتمرات وفي المراكز الثقافية في الوطن العربي وأوربا، بالإضافة لنشره ترجماته لنصوص الرقم ضمن مجلدات باللغة الإيطالية تدعى الآريتات.
بعد سبع سنوات من مغادرته سوريا، كان الوقت مساءً حين رحب بي الرجل الهادئ المستشرق وعالم المسماريات الإيطالي أولفونس آر كيه، وهو رجل علم مثابر، لا يحب التلوث بالضجيج، ويقدس الوقت إلى درجة أنه يعتبر أي أمر يبعده عن بحوثه في ترجمة الرقم الطينية هو أمر مزعج، حتى لو كان لقاءً صحافياً، وقد ابتعد عن حياة الرفاه التي تؤمنها له ثروة عائلته الغنية ليتفرغ للعلم، قليل الكلام، يقضي وقت استراحته في التأمل، وله ساعة قراءة يومية قبل النوم، يتصف بلطفه ومزاحه، وقد أصبح يعرج على قدمه اليمنى في السنوات الأخيرة، لم يعد إلى سوريا منذ عام 2011.
> يقول يوجين نيدا في كتابه (نحو علم للترجمة): (إن مهمة المترجم مهمة صعبة في الأساس، ومهمة لا يشكر عليها في أغلب الأحيان، فإذا ما ارتكب غلطة انتقد عليها بشدة)، هل تتعاملون مع اللغة ـ عندما تمارسون الترجمة ـ باعتبارها مجرد وسيط أو أداة للتعبير، أم باعتبارها وعاءً للثقافة التي تنتمي إليها هذه اللغة؟
< تنطوي عملية الترجمة الناجحة على صعوبات كبيرة، فما إتقان اللغتين سوى ركيزة واحدة من ركائزها، فنظراً لاختلاف هندسة الجملة من لغة لأخرى يضطر المترجم إلى التقديم والتأخير، وإلى عمليات تنظيمية لتتناسق ترجمته مع النهج المألوف في اللغة المترجم إليها، ناهيك عما يصادفه المترجم من مشكلة جمال اللفظ وموسيقاه، فإذا أضفنا إلى كل ذلك المحسنات اللفظية، وحرص المترجم على عدم مخالفة المشهور من القواعد التقليدية يتبين لنا دقة موقفه، ثم يأتي بعد ذلك الوعاء التاريخي الذي وجد فيه النص، إذ يجب على المترجم مراعاة الثقافة التي أنتجت النص، والشروط التاريخية الخاصة بزمن كتابته، وغيرها، من هنا نجد أن المسألة فيها أكثر من مجرد اعتبار اللغة وسيطاً، ومن ذلك ما يذهب إليه البروفيسور آربري الذي قام بترجمة القرآن الكريم في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، من أن الترجمة الخلاقة هي للمعنى والروح لا للكلم والحروف، وبالتالي يجب اعتبار الثقافة التي تنتمي إليها اللغة، مع اشتراط الأمانة المتناهية للنص.
>  هل تؤيد ـ كباحث متخصص في اللغة ـ ما يذهب إليه أصحاب علم الخطوط أو ما يدعى علم الكتابة عن الدلالة السيكولوجية للكتابة؟
< لاحظ الصينيون منذ القرن الحادي عشر العلاقة بين الكتابة والطبع، إن حركة الكتابة وشكلها يعكسان الحالة الذهنية لمن يكتب واستعداده الداخلي.
>  هل الثقافة كَمٌّ أم كَيْفٌ مما تنتجه أمة من الأمم؟
< الفعاليات الإنسانية التي صنعت الحضارات على مسرح الحياة كتبها وأخرجها الإنسان ثم قام بتمثيلها، وكما لا يمكننا أن نتصور حضارة بلا إنسان، كذلك لا يمكن لنا أن نتصور تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي فقد ثقافته فقد حتماً تاريخه، والثقافة ـ بما تتضمنه من فكرة دينية نظمت الملحمة الإنسانية في جميع أدوارها ـ لا ينبغي أن تعتبر علماً يتعلمه الإنسان، بل هي محيط يحيط به، وإطار يتحرك داخله، يغذي الحضارة في أحشائه، فهي الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وتتشكل فيه كل جزئية من جزئياته، تبعاً للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بما في ذلك الحداد والفنان والعالم والراعي ورجل الدين، هكذا يتركب التاريخ، فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها، بما تتضمنه من عادات متجانسة وعبقريات متقاربة، وتقاليد متناسبة وعواطف متشابهة، وبعبارة جامعة؛ هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قُطْبَيْها، من عقلية ديكارت وروحانية جان دارك مثلاً.
> عقلية ابن خلدون وروحانية الغزالي مثلاً؟
<- تماماً، هذا هو معنى الثقافة في التاريخ.
>  تساءلتم في ندوة إيبلا الثقافية منذ سنوات: "لماذا يخاف العرب من العالمية؟" وقد أجاب أحد المفكرين من الحضور: إن العرب لا يرفضون العالمية إلا إذا عَنَتْ طغيان الثقافة الواحدة؛ الثقافة التي عَناها بعض المستشرقين، والتي تجعل ثقافة الشرق تدور في فلك الغرب، لكن العالمية الصِّحِيَّة التي تقبلها الشعوب هي عالمية الحوار الحضاري، فهل مازال رأيكم بهذا الصدد كما كان؟
< أنا معك في أن النمط الجمالي الغربي أصبح سائداً، وذلك بسيادة اللغة البصرية ذات التقنية العالية عبر الأقمار الصناعية، والتي كرست سيادة النمط الغربي من خلال اللباس، والوجبات السريعة، ومن خلال نمط الحياة وطريقة المعيشة والتفكير، لكن الغرب ليس واحداً، فالغرب الأوروبي يختلف عن الغرب الأمريكي في القيم والأهداف، نحن ـ مثلاً ـ لا نُفَضِّل الحلم الأمريكي الذي حاولت أمريكا فرضه على العالم، وقد قرأنا قول روزفلت في الأربعينيّات من القرن العشرين: (إنّ قَدَرَنا هو أمركة العالم)، وقول نكسون في الستينيات: (يجب على أمريكا أن تقود العالم)، وقول جورج بوش الأب في أوائل التّسعينيّات: (إنّ القرن القادم ينبغي أن يكون أمريكيّاً).
>  إذاً ليس الغرب واحداً وليس الشرق واحداً سواء في المسائل الدينية أو الإنسانية أو في قضايا حقوق الإنسان أو في مسألة الحريات، وفي المسائل السياسية في الديمقراطية والدكتاتورية والاشتراكية وما إلى ذلك!
< نعم.... ليس هناك غرب مطلق وليس هناك شرق مطلق، المشكلة التي يعيشها الشرق، هي أنه عندما يتحدث عن الغرب فهو يتحدث عن الإدارات الغربية، وإذا أراد الشرق أن يتجاوز هذه الأزمة فعليه أن يكون في صورة هذا الأمر، لأن مصطلح حوار الحضارات يتجاوز حدود السياسة إلى أبعادٍ لغوية وثقافيةٍ وأيديولوجية واقتصادية، وعليه؛ فإن المقصود بالحضارة العالمية هو الثقافة التي تتجاوز المواقف المجتمعاتية إلى الفكر الراقي والحس النقدي والجمالي والأخلاقي، وبذلك فالثقافة هي الحضارة الخاصة بكل أمةٍ من الأمم، تحملُ سماتَها ونَهْجَها الروحي والفكري والأخلاقي والاجتماعي، وتنشر إشعاعها على الأمم الأخرى، وهذا ما أعنيه اليوم في مفهوم العالمية، إنها التكامل الذي تنشده الأرض في الحضارات التي تُطَرِّزُها.
>  كيف اكتسبت الحضارة الغربية المزيد من القوة والهُوية بوضع نفسها موضع تضاد مع الشرق باعتباره ذاتاً بديلة؟
< في عالمنا الغربي تمت أحداث النهضة والإصلاح ثم الثورتان العلمية والفكرية في أواخر القرن السابع عشر، ثم الثورتان الفرنسية والصناعية، كل واحدة منهما خلال جيل كامل، وأصبحت فيما بعد إلزامية بحكم القانون، وتصاعُدُ قوةِ الغرب ترافق مع تراجع قوة الشرق وحضارته، وبتنا الآن نرى الشرق أجزاءً متفرقة بالرغم من أن جميع الكتب والصحف الصادرة في القاهرة ودمشق وبيروت تُقْرَأ في المنطقة الشاسعة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي باللغة ذاتها.
>  هل ينتهي مفهوم الثقافة دائماً إلى أن ينشبك في تهنئة الذات حين يناقش الغربُ ثقافته، أو في العدائية حين يناقش ثقافة الآخر؟ ألا يعترف الغرب ببعض المسؤولية عن تراجع الشرق؟
< ربما تساءل الغرب بعد فوات الأوان: هل من الضروري أن يُجَزَّأ هذا العالم العربي إلى ما يزيد على عشرين دولة تعيش بعزلة تامة عن بعضها البعض؟ وهل من الضروري ـ لنهضة الغرب حقيقةً ـ أن نرى العالم العربي يتفكك ويتجزأ، كما حصل مع الأسف للإمبراطورية الإسبانية الأمريكية؟ إن التجزئة تعتبر من أخطر نقائص حضارتنا الغربية، ومن المؤسف أننا رأينا الشعوب العربية تنسج على منوالنا، مما سبب فقداً للكثير من استقرار البشرية، لأن الوحدة السياسية والاجتماعية على مستوى ونطاق عالميين هما ضرورتان لسلامة الإنسانية، ولسلامة الحضارة واستمرارها، ولا نستطيع أن نتحمل في الغرب كل المسؤولية، لكن لابد من الاعتراف ببعضها، ويبشر هذا الربيع العربي باستيعاب رائع لدروس التاريخ.
>  ما أهم العوامل التي تستمر بها الحضارات؟ وهل يمكن اعتبار الدروس التاريخية مستندات من الماضي تتكئ عليها الشعوب في حركاتها الحاضرة لتُنشئ حضاراتٍ يكتب لها الاستمرار؟
< الحضارة التي تتطور تبعاً لأفكار مجردة تعانق الضمير الشعبي، وتلتزم المبادئ والمقاييس والقواعد التي تتحكم في سيرها، تحمل في طبيعتها مبدأ التعديل الذاتي الذي يفرض عليها رقابة من نفسها، معدلاً بذلك حركتها واتجاهها عند الحاجة، وكل حركة من حركاتها تتطلب كأي عملية حسابية، تعقيباً على نتيجتها، وتصحيحاً تابعاً لها، فالحضارة الصحيحة تُراجِع دائماً نتائجها، وهذه المراجعة تحميها من تدخل أي عامل أجنبي يحاول تغيير مرساها ومجراها، وتضمن بذلك استمرارها، أما في البلاد التي لم تبلغ درجة معينة من التطور، أو التي سببت لها بعض الظروف وعواصف التاريخ نكسة في التطور، وحركة تقهقر شامل كما حدث لألمانيا في عهد هتلر، فإن الفكرة المجردة تحل في شخص لتنشئ صورة سياسية خاصة، وهذه بحكم شذوذها عن مقاييس العقل، تتشبث بفرد تتجسد في ذاته فتتطور وتنمو وتنتظم طبقاً لمصالحه الشخصية، بحيث تصبح هذه المصالح تلقائياً، هي المبررات والدوافع والمقاييس لسياسة تقود في النهاية إلى الدمار، ومثال ألمانيا الهتلرية يمكن أن نراه في عدد من الأقطار العربية التي شهدت حراك التغيير، وأود الإشارة إلى أن الحركات الحاضرة في العالم العربي ليست بحاجة إلى سند من الماضي لتجد مشروعية لما تفعله الآن.
>  يشد انتباهي القرار الغربي بالتوقف عن استخدام مصطلح استشراق، أو كما قال أحد العلماء: "إن هذا المصطلح قد ألقي به في حاويات نفايات التاريخ"، هل رأى الغرب أن هذا المصطلح لم يعد يفي بوصف الباحثين المتخصصين في مجال الدراسات الشرقية؟ أم أنه ينطوي على حمولات تاريخية ودلالات سلبية ،فكان التخلي عنه أمر لا بد منه؟
< الاستغناء عن مصطلح الاستشراق كان من قرارات منظمة المؤتمرات العالمية في مؤتمرها الذي عقد في باريس عام 1973، وأطلق على هذه المنظمة اسم: (المؤتمرات العالمية للدراسات الإنسانية حول آسيا وشمال أفريقيا)، وعقدت المنظمة مؤتمرين تحت هذا العنوان إلى أن تم تغييره مرة ثانية إلى: (المؤتمرات العالمية للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية)، وقد عارضت هذا القرار دول الكتلة الشرقية؛ روسيا والدول التي كانت تدور في فلكها، ومع ذلك ففي المؤتمر الدولي الخامس والثلاثين للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية الذي عقد في بودابست بالمجر كان مصطلح استشراق ومستشرقين يستخدم دون أي تحفظات.
  > هذا يعني أن الأوروبيين الغربيين والأمريكيين هم الأكثر اعتراضاً على هذا المصطلح؟
< لعل هذا يفيد المغايرة، بحيث يتحدثون عن المستشرقين ليثبتوا أنهم غير ذلك بل هم مستعربون، أو باحثون في العلوم الإنسانية، أو متخصصون في الدراسات الإقليمية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي تختص ببلد معين أو منطقة جغرافية معينة، لكن مع ذلك أود الإشارة إلى أن العديد من المستشرقين وضعوا هذا المصطلح والعاملين تحت لوائه في حيز من الدلالات السلبية، لكن مما لا شك فيه أيضاً أن لمستشرقين آخَرين فضل كبير في إخراج الكثير من كتب التراث ونشرها محققة مفهرسة مبوبة، ولا شك أن الكثير منهم يملكون منهجية علمية تعينهم على البحث، ولا ريب في أن لدى بعضهم صبر ودأب وجلد في التحقيق والتمحيص وتتبع المسائل، وأظن أن الكثيرين لا يختلفون مع الفكرة التي تقول: إن أجمل ما كتب عن الحضارة العربية هو ما خطته أقلام المستشرقين كالألمانية زيغريد هونكة، وغوستاف لوبون، الذي نبه الغرب في ذروة استعباده للشعوب إلى أن التاريخ لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب، وكذلك الفرنسي سيديو الذي وضع كتاب (تاريخ العرب)، ولفت انتباه أوروبا إلى الآثار الجليلة للأمة العربية، وعلو شأنها، وتفرد جمال أخلاقها.
> يقول الكاتب البلغاري نيكولا خايتوف: "الشعراء ينضجون كتفاح الصيف، أما تفاح الروائيين فينضج في الخريف"، ماذا يقول البروفيسور أولفونس أر كيه عن نفسه؟
< (يضحك متأملاً الكتاب الذي أمامه فوق المنضدة) أقول: إن كرومنا لا تنضج حتى تستهلك العمر كله.

تواصل معنا

Who's Online

869 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search