الثقافة والفنون

اجتماعي و ثقافي

نجم (أمير الشعراء) ضياء الكيلاني في ضيافة (نجوع)

حاورته: هادية قاسم المهدي
إبان فترة (أمير الشعراء) لمع نجمه، خاصةً بعد أن نال اللقب واستحقه بجدارة لقوة النص الذي شارك به، كما نال أيضاً لقب (شاعر الحرية) في المسابقة التي نظمتها قناة (الجزيرة )في عام2011م أيام ثورة الربيع العربي .فهو سليل أحد علماء الأزهر، لذا استطاع أن يتأثر بوالده لغةً وعلماً ومهارة .ويجيد فن الموسيقى باعتباره عازف أورغ متمكن وكذلك ملحن معروف. (نجوع) تواصلت مع الشاعر والملحن المصري ضياء الكيلاني، وأجرت حواراً أدبياً تطرقت عبره الى محاور عديدة توضح الكثير.
> جمعت ما بين الشعر والتلحين والعزف على الأورغ،  كيف التقت عندك كل هذه الضروب الإبداعية؟
< الإبداع طاقة عقلية فطرية اجتماعية وقدرة على حل المشكلات بأساليب جديدة بينما (أدوات الإبداع) هي التي تحتاج إلى جهد وصقل وعمل، وإن في اللغة ما يكفي من الفنون التي تدفع المتأمل لها لاكتشاف عوالم الفن الأخرى فيها، فالموسيقى الهائلة التي تزخر بها اللغة العربية كانت تدفعني دفعاً لاكتشاف ذلك العالم والغوص في تفاصيله، والصور التي ينتجها الكاتب في تركيب عباراته قادرة على فتح أبواب الخيال والعيش داخل عالم من الألوان وهكذا، فما في اللغة العربية من فنون أغنت العرب لقرون عديدة عن الانشغال بصنع الموسيقى حين كانت تكفيهم جرعة واحدة من الشعر لإشباع هذا الجانب، وأرى أن تراجع الاهتمام باللغة هو الذي حفز هذا الجانب فبرز الاهتمام بالموسيقى، ولكنني أخذت على عاتقي الأمرين معاً واعتبرتهما مكملين لبعضهما، وأحاول تقديمهما معاً في أعمال شعرية موسيقية.
> البيئة في كتابات الكيلاني ومدى ارتباطك بها؟
< البيئة المدهشة في إنسانيتها وفي توحشها أحياناً، والعالم الذي نعيش فيه جميعاً والمليء بالمشاهد والصور التي تطرح الكثير من الأسئلة أو تفرض عليَّ أن أطرحها في كتاباتي تارة أو أحاول الإجابة عنها تارة أخرى من هنا من عالمي الصغير بيت أمي التي مازالت تحملني وترعاني وعملي الذي يزخر بالموسيقى والأصدقاء المبدعين.
>  أنت سليل أحد علماء الأزهر.. ما الذي أضافه لك هذا الوصف ومدى تأثرك بعلوم اللغة؟
< لا أعرف مدى تأثير ذلك عليَّ، ولكن بيتاً فيه أبي لا بد أن يخرج منه شاعر أو موسيقيٌّ، فقد كان أبي رحمه الله  شاعراً وكان حسن الصوت في قراءته للقرآن، أما الوصف فقد أعطاني شعوراً بالزهو والامتنان لهذا الصرح الذي هو منارة لعلوم الدين واللغة، وأبي وجدي كانا خطيبين، وكانت خطبة أبي على المنبر قصيدة نثر رائعة سرعان ما تجذبك بموسيقاها العذبة وأسلوبها الرشيق، وحلمت منذ الخطبة الأولى التي سمعتها لأبي وأنا صغير بأن أكتب شيئا يحمل هذه البلاغة وهذا الجمال.
> (أمير الشعراء) واحدة من المحطات المهمة في حياتك.. صف لنا تلك التجربة وما الذي تركته في نفسك؟
< (أمير الشعراء) كانت المحطة الأكثر اشتهاراً بين المحطات التي مررت بها في مشواري الشعري، ومازلت أقول إنها التجربة الأهم في حياتي والتي عرفتني بأصوات شعرية مهمة وعرفتهم بي، فاستطعت أن أنقل تجاربهم إلى أصدقائي وأن ينقلوا تجربتي إلى أصدقائهم، مما جعل الدائرة تتسع والصوت يصل إلى أبعد مما كان يستطيع، واللافت إصرار إمارة (أبو ظبي) على إعادة الشعر إلى المكانة التي يستحقها، وهو ما يؤكد أن إعادةَ الشعر والأدب والثقافة إلى طليعةِ اهتماماتِ الجمهور أمرٌ ممكنٌ إذا كانت وراءَهُ إرادةٌ حقيقية وخطة إعلامية مُحكمة. وربما يكون وقوفي أمام لجنة (أمير الشعراء) قد تكرر لتعدد مرات المشاركة في المسابقة إلا أن الشعور برهبة هذا اللقاء لم يتغير، وأعرف أنني وضعت بين أيديهم وجبة شعرية تفتح شهيتهم على ممارسة النقد، وعنوان النص الذي قدمته في الحلقة الأولى من البث المباشر كان (أغنيات موقوتة)، فهذا العنوانُ هو عقدُ الاتفاق بيني وبين القارئ على المُعجمَين اللذيْنِ أشار لهما الدكتور على بن تميم عندما قال إن النص انشطر بين مُعجَمَي الحبِّ والعنف، وأصعب ما واجهتُهُ في المسابقة هو اختصارُ النصِّ الذي أعدَدتُه لحلقةِ البث المباشر إلى أربعةَ عشرَ بيتاً، حيث اضطررت إلى حذفِ بعضِ المقاطع ـ ربما هي الأكثر شعرية ـ في مقابل الحفاظ على البناء الدراميِّ للنص.
> حصلت على لقب (شاعر الحرية) في المسابقة التي نظَّمَتها قناة (الجزيرة) عام 2011م بمناسبة الربيع العربي، حدثني عن هذه المشاركة؟
<  كنت واحداً من اثني عشر شاعراً تم اختيارهم من أكثر من (500) شاعر شاركوا في تظاهرة (شاعر الحرية)، ويقول محمد المري مدير الفعالية: (ليست مسابقة ولم تدخل على خط التنافس مع أية مسابقة أخرى، ولكنها  أمسية شعرية عبر فيها الشعراء عن الحرية بمفهومها الواسع)، وتوِّجت بلقبِها الذي أعتزُّ بهِ كثيراً، وتوج معي الشاعران الكبيران هزبر محمود وياسر الأطرش، والألقاب تعني للشاعر أنه على الطريق الصحيح وأنه متصل مع واقع الأدب والشعر غير منفصل عنهم، ولقب (شاعر الحرية) الذي حصلت عليه كان أولى محطاتي الشعرية المهمة على ذلك الطريق الذي حملني بمسؤولية تجاه الجمهور فيما أكتبه أو أقدمه لهم.
>  كم بلغ إنتاجك الإبداعي؟
< عدد من القصائد التي تدخل ضمن مشروع شعري موسيقي غنائي، وعدد أكبر مازال خارج المشروع، ومئات القصائد بين التفعيلة والعمود والنثر، وأكثر من ألف من الألحان.
>  تجربتك اللحنية والأغاني التي خرجت للجمهور؟
< تجربتي اللحنية ولأنها وظيفتي وعملي الذي أعتاش منه، فقد بلغت كما قلت أكثر من ألف لحن معظمها للدراما المسرحية، وتتنوع بين الأغنية والقطعة الموسيقية والموسيقى التصويرية، وكل قطعة من هذه القطع اللحنية كنت أتعامل معها على أنها قطعتي الأهم التي كنت أشاهد تلقي الجمهور لها وتفاعلهم معها بشكل مباشر، ومدى ملاءمتها للمشهد المسرحي والدراما التي كتبها المؤلف ورسمها المخرج وأداها الممثلون، ومدى رضائهم عن تلك الأغنية وهذه الموسيقى.
> هل كان لك نصيب في المشاركات الخارجية والتنقل بين البلدان المختلفة؟
< نعم .. تنقلت بين عدد من العواصم والمدن العربية والأوروبية، وشاركت في العديد من الندوات والأمسيات الشعرية والفنية داخل وخارج مصر.
> كتبت بالعامية وبالفصحى.. أيهما أكثر وقعاً على نفسك؟
< سأستعير عبارة لا أعرف قائلها (كل لغة سهلة لمن يتكلمها صعبة لمن يتكلفها)، وسأضيف أن كل حالة يعيشها الشاعر كل تساؤل وكل رؤية هي التي تفرض الإطار الذي تدخل فيه.
> هل يمكن القول ان الشعر بخير؟
< بل في ألف خير، بل أقول إن الشعراء في عصرنا اجترحوا عوالم مدهشة، وابتكروا ابتكارات رائعة، ومشاركتي في مسابقة (أمير الشعراء) كانت سبيلي لإقناع مسؤولي التربية والتعليم في بلادنا العربية بذلك الحلم الذي كان ومازال يراودني، وهو جعْلُ الإبداعِ والابتكار مُقرراً في مدارسِ أطفالِنا، وأن تذللُ لهُ العقباتُ ويؤتَى لهُ بالمبدعين الذين يستطيعون وضع أبنائنا على طريقه .. ولم يكن بوسعي ذلك إلا من خلال منبر إعلاميٍّ كبيرٍ له وزنه وثقلُهُ كمسابقة (أمير الشعراء) أثبت من خلالِهِ أولاً جدارتي بتبني هذا الحلم، وثانياَ قدرتي على تحقيقِهِ ووضعِ المنهج المناسِبِ له، بمساعدة الجماهيرية التي يحققها البرنامج للشاعر.
وقد اتجهت إلى تدريس الموسيقى حتى أتمكن من وضع بذرة هذا الحلم وتحريض البراعم الصغيرة على ابتكار عطرها،  والعنادل الصغيرة على ابتكار لحنها من خلال إعطائهم النماذج في الشعر والموسيقى وشرح الصورة التي استطاع الشعر أن يرسمها واللحن أن يعبر عنها،  والجميل أن هؤلاء الأطفال لم يقلدوا شيئاً مما أسمعتهم، وإنما كانت لهم إبداعاتهم الخاصة والعصرية والبريئة، ويتمايزون في جودة ما يقدمونه عن بعضهم البعض بحسب العمر والثقافة، ولكن مواهبهم كانت تتطور شيئاً فشيئاً.. وأحلم بتعميم هذه التجربة في المؤسسات التعليمية والالتفات إلى أهمية تحفيز أبنائنا على الإبداع منذ الصغر.
> ما الذي ينتقص من الشعر بصفة عامة؟
< أولاً تراجع الجمهور.. ففي كثير من البلدان العربية ترتفع كلفة الحياة نفسها عن الحد الذي يسمح بأخذ قسط من الثقافة، وينشغل الناس بالبحث عن لقمة العيش، وثانياً الإعلام الذي لا يتحدث بلغته ولا يزنه بالميزان اللائق به، فلا يسلط الضوء إلا استثماراً لنجاحٍ جماهيريٍّ حققهُ شاعرٌ بجهدِهِ وحدَه وليس دعماً له إن لم يكن يملكُ أو يعرف آليات تسويق نفسه كشاعر له مشروعُهُ، ومازال الشعرُ في مصر يُنظرُ إليه كرفاهيةٍ لا تتسق مع حاجات الناس، وقلةٌ هم من يؤمنون بدور الشعر والثقافة في رفع الوعي والذوق اللذين بالضرورة يساهمان في رفع الإنتاجية والجودة  و.. و.
وبقي أن يحذو الإعلام في كل بلداننا العربية حذو التجارب الناجحة التي سبق وقدمتها (أبو ظبي).
>  الى أي مدى يسهم الإعلام في تمجيد الشعراء بغض النظر عن أوزانهم؟
< الشعر غريبٌ يسير في شوارع يعرفها أكثر من أهلها، والشاعر هو ساكن ذلك الحي الذي ينظر الناسُ في عينيه فيعرفون أنه قادر على قراءتهم، والشاعر الذي يعمل في الإعلام هو من يستطيع وضع نفسه في بؤرة الضوء وجمع بعض الأصوات حوله، وهنا أقول (الشاعر)، أما المدعون فيتساقطون سريعاً وإن توفرت لديهم أسباب الشهرة ونوافذ الوصول إلى الجماهير. وقليلاً ما يستطيع شاعر بجهوده الخاصة أن يحفر اسمه إلا من خلال الجوائز التي أصبحت هاجساً لدى كثير من الشعراء، ذلك لأنهم فطنوا لأهميتها على المستويين الأدبي والمادي،  ولكن شروط بعض المسابقاتِ الأدبيةِ تعملُ على قولبةِ الأدب كتحديد موضوع المسابقةِ أو القالبِ أو عددِ الأسطرِ في النص، وحتى بعض الشروط العامة كالسن التي تغفل حق شاعرٍ بدأ تجربته في سن متأخرة في المنافسة.
> ما الذي يؤرقكم كشعراء؟
< ارتفاع أسعار الورق ومستلزمات الطباعة التي تفرض نفسها على كم المنتوج من الكتب، ومازالت الأزمة الحقيقية في تراجع القراء الذين لم يعودوا شغوفين بالقراءة أو انقسامهم بين القراءة (الإلكترونية) والورقية، وعدم تناميهم اللازم لمواكبة تنامي عدد الشعراء وتنامي عدد الكتب المطبوعة والمطلوبِ طباعتها.
> هل للنقد حضور بينكم؟
< يستطيع الشاعر أن يبث إلى الجمهور ثقافته وإبداعه، فإن كان موفقاً في التواصل معهم انصتوا إليه وصدقوه، وهنا يتركز الشعور بالمسؤولية، إذ لا بد أن يكون الاستعداد لهذا اللقاء بين الشاعر والجمهور على أفضل نحوٍ ممكن لما لهذا اللقاء من تأثير في الشاعر وفي الجمهور،  ولا يتوقف القلق حتى يصل الشاعر إلى حالة من الرضاء عما سيقدمه في هذا اللقاء، فالقلق لا يتوقف حتى ينتهي اللقاء ويرى الشاعر أصداء حسنة لما قدمه.
وأرى أن النقد ناشط بقدر ما الشعر ناشط، وأينما برز نص أو أسلوب إبداعي برز ناقد، وأينما برز أسلوب نقدي تكالبت بعض التجارب الشعرية على التماهي معه أو تحديه، وببساطة يمكن القول أن الحقل الثقافي لا بد أن ينتج زهوراً كثيرة، وأساتذة النقد هم من يرتبون هذه الزهور، وليس طبيعيا أن تقاس المسألة بالكَم، بل إن كثيراً من الشعراء أغراهم النقد فجعلوا له نصيباً كبيراً من وقتهم.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

743 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search