mlogo

الاقتصاد

إقتصاد

أزمات (وقود، خبز، كاش)..(الثالوث) الذي أطاح بإمبراطورية الإنقاذ

تحقيق: رباب علي
تحقيق: رباب علي
شكل الثالوث الخطير لأزمات الوقود والسيولة والخبز احد أهم الركائز التي ادت الى انتفاضة 6 أبريل والإطاحة بامبراطورية (ثورة الإنقاذ الوطني) رغم أنف حراسها ، ومن ثم اتت التداعيات باقتراب الحل الجذري والنهائي لهذه المثلث من قبل المجلس العسكري من خلال القرارات والترتيبات الصارمة لها اضافة الى الدعم الخارجي ومساهمته في استقرار الوضع الاقتصادي بالسودان.
الا انه يبدو كانت مجرد شعارات تخديرية لاحتواء الموقف خاصة وان الاصطفاف عاد في كل من المخابز وطلمبات الوقود والبنوك والصرافات الآلية بشكل اكبر واعمق من ذي قبل واستشرت الأزمات من جديد ..
الخبز (أزمة مستمرة)
خلال جولة (الإنتباهة) رأت ان الصفوف على منافذ المخابز عادت بشكل واضح جدا في معظم مناطق الخرطوم ، وشكا مواطنون للصحيفة من رحلة البحث عن الرغيف خلال اليوم بالعديد من المخابز دون معرفة الاسباب ، وقال المواطن مجدي محمد انه وقف بالصف في المخبز الى ان اقترب من النافذة وعندها اخبره العامل ان الخبز انتهى وليس هناك خبزة جديدة وعليه ان يبحث عن (فرن تاني).
وذكر صاحب مخبز بالحلة الجديدة خالد بابكر لـ(الإنتباهة) ان من أهم أسباب الازمة قلة العمالة بالمخابز ، واشار الى ان العديد منهم ترك العمل وذهب لمناطق الذهب والبترول او الزراعة لقلة العائد ، ايضا انقطاع التيار الكهربائي يعد من احد اسباب الأزمة ، موضحا ان الدقيق يأتيهم بشكل راتب من الوكلاء.
واكد صاحب مخبز بالخرطوم (2) احمد عبد المجيد الى ان عودة الصفوف لم تتضح اسبابها حتى الآن ، مؤكدا توفر الدقيق بشكل منتظم من مطحني سين وويتا. ويشتكي بعض اصحاب المخازن من انعدام الدقيق ايضا من المطاحن الاخرى ، واضاف: اعتقد ان زيادة الطلب على الرغيف هي اسباب الازدحام بعد ان كنا في حالة ركود خلال الشهور الاخيرة.
وكان اتحاد المخابز "قبل ان يتم تجميد عمله" قد اشار الى مشكلة غاز المخابز والتي قادت الى حالة الازدحام في منتصف النهار ، لافتا الى ان حصص الدقيق تنساب للمخابز بشكل طبيعي رغما عن الصعوبات بتأخر الدقيق في الوصول ، وتوقع انخفاض مدخلات الانتاج خلال الفترة القادمة بعد ان بدأ الدولار في الانخفاض ، وأوضح ان الاتحاد وجه كل المخابز بانتاج الخبز الموزون في ظل الأوضاع الحالية ولم نحدد وزنا معينا، وأضاف: لا يوجد تفاوت كبير في الأوزان.
الوقود(اشتعال الصفوف)
كما عادت مظاهر اصطفاف السيارات بطلمبات الوقود تتشكل من جديد، وشهدت العاصمة منذ الأسبوع الماضي ازمة خانقة في المواصلات بسبب شح الوقود بشقيه الجازولين والبنزين ، لا سيما وانها أحد الأسباب الرئيسة في اندلاع الاحتجاجات الشعبية ، وصارت تتجدد على فترات متكررة ، تصل أحياناً إلى امتدادات طوابير السيارات أمام محطات التزود بالوقود، التي تشهد ندرة في الجازولين والبنزين معاً، كما ان بعض المحطات تغلق أبوابها لعدم وصول إمدادات إليها.
وشهدت الصحيفة ازدحام الكثير من الطلمبات بالسيارات تمتد لساعات طوال تصل لمرحلة "المبيت".
وأرجع خبراء معاودة ازمة الوقود  لتذبذب سعر حركة النقد الاجنبي مؤكدين في ذات الاثناء ان الازمة ادارية وسياسية قبل أن تكون اقتصادية لعدم التخطيط ، رغما عن التطمينات التي بثها المجلس العسكري باستقرار انسياب الوقود مع اضافة الدعم الخارجي من الامارات العربية والمملكة العربية السعودية ، كما ان مصفاة الخرطوم قد قطعت بانسياب عملها وانتاجها للنسبة المطلوبة منها للولاية بالتعاون مع وزارة النفط.
ورغما عن ذلك فقد اكد مصدر بوزارة النفط في حديثه للصحيفة ان موقف البنزين مطمئن مستنكرا حالة الاصطفاف بالطلمبات واسبابها غير معروفة ، وقال ان مصفاة الخرطوم تنتج 80% منه ويتم استيراد 20 % من الخارج ، قاطعا بان المتوفر حاليا يكفي لمدة 39 يوما ، مشيرا الى انها تنتج ما بين 4 ـ 4.200 طن في اليوم بينما الاستهلاك 9 آلاف طن. وزاد:قبل اربعة ايام كانت الازمة بسبب قطع بعض المتظاهرين للطريق فأعاقت حركة الشاحنات ، ولكن الآن الامر يسير بشكل سلس.
وفيما يتعلق بالجازولين أقر بانه ليس بالكثير معلنا عن وصول باخرة ببورتسودان منه ، واضاف: لا توجد ازمة حقيقية بالمعنى الفعلي ، فكل المحطات تحصل على حصصها دون انتقاص حتى في وجود الازمة فان الخرطوم لا تتأثر بل الولايات.
واعترفت وزارة النفط السودانية في وقت سابق بحدوث عجز في البنزين يبلغ 800 طن متري تتم تغطيته باستيراد باخرتين كل ثلاثة أشهر، بينما يعادل الإنتاج اليومي 3200 طن متري فيما يبلغ الاستهلاك اليومي 4000 طن متري.
ولم تفلح تعهدات كل من السعودية والإمارات بإمداد السودان بالوقود في حل الأزمة التي واصلت تفاقمها.
السيولة(تتمدد)
بدأت أزمة السيولة تتشكل فعليا بعد أن وجه البنك المركزي بعض المصارف  بعدم تغذية صرافاتها وإيقاف خدمة تحويل الرصيد الهاتفي  من الصراف منذ الثالث عشر من مارس الماضي ،  فانحسرت صفوف المواطنين أمام الصرافات الآلية بعد خلوها من الكاش.
ومن ثم لاحت البشريات بعد الانتفاضة بان قام المركزي بتسليم المصارف احتياجاتها من السيولة النقدية بتوفير ٢٠٠ مليون جنيه يوميا  ، لمواجهة أزمة نقص السيولة بالبنوك والصرافات ، بتوجيه صارم من اللجنة الاقتصادية بالمجلس العسكري بتوفير احتياجات المواطنين من السيولة النقدية عبر الصرافات الآلية ، لتلبية احتياجاتهم خلال شهر رمضان.
تغذية غير مناسبة
في تعليقه على تجدد الأزمات أكد مدير إدارة الالتزام ببنك تنمية الصادرات العباس علي يحيى  وجود تغذية يومية لبعض الصرافات الآلية ، ولكن زادت الحاجة بدخول شهر رمضان مما أدى ذلك بحس السيولة ، وزاد: التغذية لا تتناسب والأوضاع الحالية.
وقال العباس ان ما زاد الأمر سوءا ظهور سعرين للبضائع ما بين الكاش والشيك بهدف الانتفاع وهذا جعل الكثيرين يلجأون لها فآثرت على نسبة السيولة .كما أن من الإفرازات الطبيعية _والحديث العباس _ سحب البعض للأموال من الصرافات لشراء بضائع بالكاش وبيعها بالشيك مما حد من الأزمة في الوقت الحالي.
ولفت العباس إلى أن حل الأزمة لن يتم إلا بإعادة الثقة في الجهاز المصرفي حتى تتحسن العلاقة ويطمئن العميل بإعادة النقود للبنوك وتحسين سياسة التمويل،  وأردف: البنوك ليست خزن لحفظ أموال العملاء بل توردها المركزي وتترك مبالغ محددة مؤمن عليها لتسيير البنك المعني.
تطاول الأزمات
وشرح الباحث في الشأن الاقتصادي سر الختم حمزة الأمر بقوله إنه ومنذ إقرار ميزانية العام 2018 م والشروع في تنفيذها بدأت أزمات هذا البلد المنكوب تطل برأسها الى حين الانتفاضة التي اطاحت بامبراطورية الانقاذ ، حيث بدأت بمشكلة السيولة مع تحديد سعر الدولار الجمركي بـ18 جنيهاً وسحب المودعون ما لديهم من أموال بالبنوك بمساعدة نافذين من العهد السابق وتحول نشاطهم الى شراء العملات الأجنبية للحفاظ على مدخراتهم من التبخر هذا الوضع أدى الى تدهور سريع في العملة الوطنية.
كما ان الوضع المالي للدولة تأثر لعدم وجود احتياطي استراتيجي من العملات الأجنبية في بنك السودان المركزي الشيء الذي صعب على الدولة عملية استيراد المشتقات النفطية.
ومشكلة السيولة والوضع المالي للدولة جعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المطاحن لضمان انسياب الدقيق المدعوم بالكميات التي توازي الاستهلاك.
هامش ربح مهرب
وفي حديثه أبان الخبير الاقتصادي ببرنامج الامم المتحدة الانمائي د. أبوبكر التجاني الحاج محمد ان حاجة البلاد الفعلية من المواد البترولية تقدر بحمولة باخرتين ونصف (شهريا).
بينما -في الواقع- يتم استيراد خمس بواخر ونصف من هذه المواد ، وهذا يعني ان باقي  حمولة هذه البواخر يتم  تهريبها لدول الجوار  بعد تفريغها وشرائها بالسعر المدعوم.
وواضح ان الدعم يوفر هامش ربح كبير لمن يقوم بعملية التهريب وبذلك يكون هذا الدعم لا أرضا قطع- توفير مواد بترولية بقيمة منخفضة للمواطنين وانتاج السلع والخدمات ونقل المنتجات بتكلفة منخفضة مما يخفض اسعارها للمستهلك- ولا ظهراً أبقي-قيمة المواد البترولية  وهي تمثل جزءا كبيرا من حجم وعجز الميزان التجاري الذي يقدر بخمسة مليارات دولار- لذلك، يصبح موضوع رفع الدعم عن السلعة هو المانع الفعلي لهذه الممارسة الضارة جدا بالاقتصاد الوطني وتقديم الدعم للمواطن المستهلك مباشرة باية طريقة تكون مناسبة ويسهل تطبيقها. 
وقدم التجاني بعض اقتراحات الحلول للأزمة الاقتصادية أولاها رفع الدعم بالكامل عن البنزين وبيعه بالسعر العالمي صعودا وهبوطا كما يحدث في معظم دول العالم ، وسيؤدي ذلك لوقف تهريبه بالكامل وبيعه للأجانب الذين يستهلكونه بسعره الحقيقي وليس المدعوم من الضرائب ومن ثم تقل الحصة التي تستهلكها البلاد منه، وتنخفض فاتورة استيراده او ما تدفعه الدولة للشركات المحلية لشرائه منها.
ايضا رفع الدعم بالكامل عن الدقيق وبيعه للأجانب وأغنياء المواطنين بسعر استيراده، وبيعه بسعر مدعوم لمتوسطي الدخل والفئات الفقيرة من المواطنين
من خلال دعم مبيعات الرغيف للمواطنين ، اضافة الى دعم المواطن بمبلغ محدد شهريا في حسابه أو عن طريق لجان الأحياء و منظمات المجتمع المدني ، وسيؤدي رفع الدعم عن الدقيق إلى انتفاء هدف ودافع القيام بعملية تهريبه( الربح).
أما مشكلة النقد في البنوك فيرى التجاني أنها يمكن حلها من خلال تشجيع الشركات التي لديها سيولة نقدية يومية كبيرة مثل شركات الاتصالات والبترول ومطاحن الدقيق  للمساهمة في تمويل قروض شراء السيارات وقروض بناء او شراء العقارات، من خلال تقديم نسبة ربح لهذه الشركات في هذه المضاربات لا تقل عن( 70%) من الأرباح التي يتم جنيها في هذه العمليات.
تأجيل الانفجار
وقطع الخبير الاقتصادي د.الفاتح عثمان محجوب بأن الإخلال بالوعود الدولية نحو السودان أدى إلى تفاقم الوضع أكثر ، وأكد أن مجرد الإعلان عنه أدى إلى انخفاض سعر الدولار وانهياره ووفرت السيولة النقدية ولكن عدم الايفاء بها أدى لعودة الأزمات الثلاث إلى ما كانت عليه وأكثر قسوة، وهذا يتطلب معالجات جوهرية للاقتصاد لإعادته لوضعه السليم والابتعاد عن الحلول التي تؤجل الانفجار ليس إلا.

تواصل معنا

Who's Online

613 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search