إقتصاد

الراهـــن الاقتصــادي.. الطـوفــان القــريــب

السبت الحادي عشر من أبريل المنصرم كانت لحظات فاصلة وحاسمة لوضع استمر 30 عاماً جثم فيه النظام السابق على صدور الناس، لذا كان الترقب الحذر أحد سمات ذلك اليوم، وفي اللحظة المعنية ارتفع سقف الأمل والقراءة للمستقبل الآتي بين الكل بعد إعلان خلع الرئيس السابق وإزالة نظامه، ولعل أولى التوقعات كانت تصب في جانب تحسن الوضع الاقتصادي الذي كان الشرارة الأولى لانطلاق الثورة الشعبية في ديسمبر نهاية العام السابق .
واليوم يكمل السقوط شهره الأول في ميدان الحياة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، إلا أن تراكم الأزمات من أبرز السمات التي تتضح للعيان في كافة النواحي..
الدولار .. «البوت» يتحكم
وحملت أولى البشريات انخفاض سوق الدولار الموازية بسرعة البرق الى ان وصل سعراً عائماً مع خوف العديد من التجار من التعامل في بداية الشهر ، فانخفض الى 50 جنيهاً امام العملة المحلية ، وسرعان ما عاد للصعود مجدداً دون مبررات واضحة -وفقاً لمتعاملين فيه - وانهم تفاجأوا بارتفاع اسعار العملات خاصة الدولار والريال السعودي حيث بلغ سعر شراء الدولار 62 جنيهاً والبيع 68 جنيهاً "إن وجد" بينما بلغ سعر الشيك 85 جنيهاً بينما حدد البنك المركزي سعره التأشيري ب 45 جنيهاً، ووصل سعر الريال السعودي 17 جنيهاً وكشفوا ان جهات غير معروفة دخلت السوق لشراء الدولار ليعاود الارتفاع مجدداً مع اختفاء الشركات والافراد المتعاملين فيه ، وان الشراء يتم حسب الطلب والسوق اصابتها حالة ركود تام وانعدام حركتي البيع والشراء.
السوق .. ملامح الركود
في الوقت الذي لم تتطرق فيه السلطة العسكرية إلى قضية الزيادات الهائلة في أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية التي تشهدها الأسواق حالياً والممتدة منذ أكثر من عام ، جعلت السوق تنتابها حالة من الركود المفاجئ في ظل المتغيرات السياسية الاخيرة واستمرار ارتفاع اسعار بعض السلع الاستهلاكية خاصة السكر والزيت واللبن  ،وعزا  التجار ذلك الى عدم وضوح الرؤية ، واشتكى المواطنون من ظهور سعر جديد في كل رأس ساعة واصبح السوق" جايط شديد "حسب تعبيرهم ، لافتين الى ان انعدام السيولة له اثر كبير على الامر.
ولم يسلم جانب مواد البناء من التغيير ، فقد ظهرت مضاربات فيه ادت لرفع سعر الطن الى 9.500 جنيه مع احتكار جهات غير معروفة له ، إلى جانب انخفاض طفيف في سعر الحديد.
وأكد تجار ان انخفاض الدولار لم يؤثر على سوق مواد البناء مشتكين من ضعف القوة الشرائية رغم الانخفاض.
وشهدت اسعار اللحوم البيضاء ارتفاعاً ملحوظاً مع ركود حاد في حركتي البيع والشراء خاصة مع دخول شهر رمضان ، فبلغ كيلو الفراخ 165 جنيهاً فيما بلغت قيمة طبق البيض 110 جنيهات، وتعود أسباب الركود لارتفاع تكاليف مدخلات الانتاج من علف ودواء انتاج التكاليف ، فيما بقي  كيلو الضأن على 300 جنيه للكيلو وكيلو الصافي 300 جنيه وكذلك المفروم ، وارجع التجار حالة الاستقرار الى خروج بعض الشركات التابعة للنظام من غرفة اللحوم.
وفي زاوية الأدوات الكهربائية كان الشلل هو أبرز سماته ، بعد انخفاض الدولار رغماً عن توفر المعروض وقلة اسعاره. وقاد الوضع الشركات المنتجة إلى التحفظ لعدم استقرار سعر الدولار ، و لجأ تجار القطاعي الى تخفيض الادوات الكهربائية بنسبة تصل الى 10% من قيمة المنتج خوفاً من الخسارة.
وأوضح تجار ان الموسم الصيفي للادوات لهذا العام تأثر كثيراً بانعدام السيولة والاحداث السياسية الاخيرة وانخفاض قيمة الدولار فادت الى ركودها مع ترقب المستهلك للانخفاض اكثر.
الذهب .. خفض البريق
ولم تسلم سوق الذهب من الانخفاض لارتباطه المباشر بالدولار ، ويحذر التجار من عدم استقرار سعر الذهب بالرغم من انخفاض سعره وان سبب هلع الناس انتشار الإشاعات ما بين  الصعود والانخفاض ووصفت بغير الحقيقية وفتح الأمر الباب للتجار للشراء والبيع بدون رقابة و(كل زول يبيع بكيفه).
الوقود..أزمة وعودة
بعد ان شهدت محطات الوقود انفراجاً بيناً الا انها عادت لتطفو من جديد عليها فشكل الازدحام ابرز الوان لوحة الوقود ،  وشهدت العاصمة منذ أكثر من نصف الشهر ازمة خانقة في المواصلات بسبب شح الوقود بشقيه الجازولين والبنزين ، لا سيما وانها أحد الأسباب الرئيسة في اندلاع الاحتجاجات الشعبية ، وصارت تتجدد على فترات متكررة ، تصل أحياناً إلى امتدادات طوابير السيارات أمام محطات التزود بالوقود، كما ان بعض المحطات تغلق أبوابها لعدم وصول إمدادات إليها ، فيمتد الاصطفاف لساعات تصل مرحلة المبيت بالمحطات, نهاية الاسبوع الماضي بدات الامور في الانفراج تدريجياً لكن وسط مخاوف من عودة الازمة مجدداً.عودة الأزمة ارجعها كثيرون من ذوي الاختصاص لتذبذب سعر حركة النقد الاجنبي قاطعين في ذات الاثناء ان الازمة ادارية وسياسية قبل أن تكون اقتصادية لعدم التخطيط ، رغماً عن التطمينات التي بثها المجلس العسكري باستقرار انسياب الوقود مع اضافة الدعم الخارجي من الامارات العربية والمملكة العربية السعودية ، كما ان مصفاة الخرطوم قد قطعت بانسياب عملها وانتاجها للنسبة المطلوبة منها للولاية بالتعاون مع وزارة النفط.وأكدت وزارة النفط ان المتوفر يكفي لشهر قادم .
المواصلات .. (الجشع و»الكداري»
قادت ازمة الوقود إلى انعدام تام للمواصلات وتعطل حركة النقل للركاب ، فازدحمت الطرق بالمواطنين مع اختفاء وسائل المواصلات ، والتي ان توفرت فان الجشع هو سيد الموقف بين السائقين وليس أمام المواطن سوى الرضوخ للامر مما قاد العديد لقطع مئات الكيلومترات للوصول إلى منازلهم.
الكهرباء والمياه .. أزمات في انتظار المحاسبة
وشكل انقطاع التيار الكهربائي أبرز ما اكتنفت به الثلاثون يوماً والتي ارجعتها الوزارة إلى ترتيبات استقرار التيار في رمضان ، فتحمل المواطن البرمجة القاسية لأجل ترطيبة رمضان ، ومن أكثر ما ارتبط بها توقف العديد من مصانع الحديد عن العمل بسبب الانقطاع والذي استمر لايام قاد لتسريح العديد من العمالة وإيقاف الإنتاج.
ولم يبعد الأمر عن الإمداد المائي الذي عانت العديد من المناطق من انقطاع المياه عنها لأسباب غير معروفة تستدعي التحقيق والمحاسبة ، ولايام طويلة ، فارتفع سعر الجوز إلى 15 جنيهاً أو يزيد حسب موقع المنطقة وبعدها من النيل أو الآبار الجوفية ، وقد أدت لخروج العديد من سكان الاحياء للشوارع الرئيسة استنكاراً للوضع وما زالت أخرى تعاني من نقص الإمداد رغماً عن إعلان هيئة المياه للمعالجات ورفع المسببات.
الخبز .. أزمة تكعيب
خلال جولة (الانتباهة) عادت الصفوف على منافذ المخابز بشكل واضح جداً في معظم مناطق الخرطوم ، وشكا مواطنون للصحيفة من رحلة البحث عن الرغيف خلال اليوم بالعديد من المخابز دون معرفة الاسباب ، وقال المواطن مجدي محمد انه كان وقف بصف المخبز الى ان اقترب من النافذة وعندها اخبره العامل ان الخبز انتهى وليس هناك خبزة جديدة وعليه ان يبحث عن (فرن تاني).
وذكر اصحاب مخابز ان من اهم اسباب الازمة قلة العمالة بالمخابز ، مشيرين الى ان العديد منهم ترك العمل وذهب لمناطق الذهب والبترول او الزراعة لقلة العائد ، ايضاً انقطاع التيار الكهربائي يعد من احد اسباب الازمة ، موضحين ان الدقيق يأتيهم بشكل راتب من الوكلاء.
ومن ثم أكدت لجنة تسيير اتحاد المخابز توفر الدقيق من كافة المطاحن ولا أزمة فيه ، مقرة بأن انقطاع التيار الكهربائي وانعدام الغاز أحد أسباب الأزمة.
الكاش .. الكارثة المتطاولة
كمات ان أزمة السيولة تشكلت فعلياً بعد أن وجه البنك المركزي بعض المصارف بعدم تغذية صرافاتها وإيقاف خدمة تحويل الرصيد الهاتفي  من الصراف منذ الثالث عشر من مارس الماضي   فانحسرت صفوف المواطنين أمام الصرافات الآلية بعد خلوها من الكاش.
ومن ثم لاحت البشريات بعد ان قام المركزي بتسليم المصارف احتياجاتها من السيولة النقدية بتوفير 200 مليون جنيه يومياً ، لمواجهة أزمة نقص السيولة بالبنوك والصرافات ، بتوجيه صارم من اللجنة الاقتصادية بالمجلس العسكري بتوفير احتياجات المواطنين من السيولة النقدية عبر الصرافات الآلية ، لتلبية احتياجاتهم خلال شهر رمضان.
الا ان الامر تفاقم بالصفوف امام الصرافات بالعاصمة منذ الصباح  حتى ساعات متأخرة من الليل مع حالات من المشادات الكلامية والتلاسن والاحتكاكات والتوترات بين المواطنين فهي كارثة متطاولة فشل المركزي في حلها.
وجدد المواطنون استياءهم من رجوع صفوف الحصول على الاموال من الصرافات الالية ، مطالبين بضرورة ان تتوفر المبالغ بشكل اكبر  بكل يسر وسهولة للمواطن خاصة وان الدولة اعلنت  عن  وصول وديعة وضخ مبالغ مقدرة منها لبنك السودان المركزي ما يجعل  عدم توفر السيولة غير مبرر وغير منطقي  .
 الا ان عدداً من  المواطنين استحسنوا رفع سقف السحب الى ثلاثة الاف جنيه بالرغم من صعوبة الحصول ، مؤكدين على ان المواطن بالرغم من العناء والصفوف لكنه بالاصرار يستطيع السحب ، مطالبين بضرورة ان تتسهل  البنوك والصرافات وبنك السودان المركزي مع المواطنين بخاصة وان هنالك مواسم كبيرة  على الابواب منها بعد دخول ( رمضان)  الاعياد  والمدارس) وضرورة التحوط لها وتوفير السيولة .
30 يوماً .. اقتصاد مأزوم
وفي تعليقه على الذكرى قال الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي طارق مختار ان الامر انعكس على القطاع الزراعي في عمليات التحضير والتمويل
، بالاضافة الى التأثير على قطاع التموين من خبز ووقود ومواد استهلاكية مثل الخضر والفواكه والحليب وزيت الطعام
كما تأزم قطاع الكهرباء والمياه ومدى انتظام تزويد المواطنين بالخدمة ، اضافة الى ارتباك عمل ادارات الدولة على قطاع الصادرات والواردات وقطاع النقل والمواصلات.
واضاف: لم تسلم ايرادات الدولة والضرائب ومداخيل الشركات الحكومية من الاهتزاز ونفقات الدولة النفقات السياسية والادارية والنفقات على الامن والجيش ، وتساءل هل  ميزانية 2019م لا تزال صالحة ام تحتاج لتعديلات.وفيما يتعلق بجانب الدولار فقد كان لطارق رؤيته القاطعة بضرورة تعزيز انخفاضه المؤقت بعد التغيير مقابل الجنيه السوداني وهو انخفاض يعد مفاجأة غير متوقعة في بلد يعيش ظاهرة الارتفاع المستمر والمستدام للدولار، ويرجع ذلك الى خوف تجار العملة وتوقفهم عن البيع والشراء في الايام الاولى ، ومن جهة اخرى وجود
انخفاض ملحوظ في الطلب على الدولار بسبب توقف الشركات الحكومية عن الشراء بسبب ايقاف انشطتها وتجميد معظمها ، وتوقف الواردات بسبب عدم الاستقرار ، انخفاض السفر للخارج و بالتالي انخفاض الطلب على الدولار ، وجود مخزون سابق من السلع والوقود ، وتعهدات السعودية والإمارات بمساعدات مادية ووديعة لبنك السودان التي ان تم تنفيذها فهذا يعني انخفاضاً كبيرا للطلب الحكومي على الدولار مما يعزز من قيمة الجنيه ويفترض ان يخفض ايضاً من جماح التضخم.
ويقترح طارق ضرورة تعزيز جانب العرض وزيادة وارد النقد الاجنبي وذلك بالاهتمام بزيادة الصادرات من الخضر والفواكه الى دول الخليج والدول الاوروبية والاستفادة من المميزات النسبية في الجودة واختلاف المناخ اضافة الى احكام سلاسل تصدير المنتجات التقليدية مثل السمسم والفول السوداني والصمغ والماشية.
ايضاً احكام السيطرة على تصدير الذهب ومنع تهريبه ، وتيسير الاجراءات المصرفية لتحويلات المغتربين وتنسيق الجهود مع دول المنبع خاصة السعودية والامارات ، واحكام السيطرة على عائدات الصادر ومنع تسربها خارج النظام المصرفي ، وايلاء اهتمام اكبر لموضوع رفع الحظر الاقتصادي الذي من شأن رفعه اعطاء دفعة معنوية كبيرة للاقتصاد.
طريق الثورة .. (اقتصاد نبنيهو ليك)
ويرى مصرفيون ومحللون اقتصاديون أن الطريق ما زالت طويلة لاستقرار أسعار السلع والعملة المحلية ، فما زالت خزائن بنك السودان خالية من احتياطات كافية من النقد الأجنبي للإيفاء بمتطلبات المستوردين، الذين يضطرون لشراء الدولار من السوق السوداء.
ورغم توريد أموال بالعملات المحلية والأجنبية إلى بنك السودان المركزي، خلال الشهر الماضي وتدفقات من المغتربين إلا أن المشهد العام لحركة التجارة في البلاد تبدو عليه ملامح الركود ، وما زال التجار ورجال الأعمال متوجسين من التذبذب في سعر الدولار وأدى هذا الوضع إلى ركود عام في حركة التجارة الداخلية والخارجية
وهذا يجعل المجلس العسكري في محك وامتحان عسير خاصة وأنه لم يتوقف عن بث التطمينات بموقف الوقود وبقية السلع الاستراتيجية الاخرى كالدواء والقمح  ، ولعل الازمة الحالية في انعدام الوقود واغلاق عدد من محطات الخدمة لانعدام الوقود فضلاً عن  حالة الازدحام  واصطفاف كثير من العربات امام بعض المحطات في سبيل التزود بالوقود  وما نتج عنه من  ازمة حادة في المواصلات  مؤشر خطير وينذر  بوجود خلل ما في مكان ما  لجهة أن  المجلس العسكري تارة يعلن عن تأمين موقف امداد المشتقات النفطية  وتارة يملأ يده  بما تعهدت به السعودية والامارات من  تقديم مساعدات في الوقود  لفترة ستة اشهر مجاناً ، لكن الواقع يدحض ذلك وهذا لا يحتاج لدليل او مبررات.