mlogo

الاقتصاد

إقتصاد

قطن الـ(آر آر) المُحوّر..مــــن أدخـــــــل (الموت) لبيوتنا

تحقيق: رباب علي
تحقيق: رباب علي
ما زال الجدل مستمراً حول المحاصيل المُحوّرة وراثياً لما تحوي من مخاطر وأمراض وآثار سالبة على الإنسان والحيوان والبيئة ، وفرضت قضية القطن المُعالج بالهندسة الوراثية نفسها من جديد على الساحة، بعد أن كشف مجلس السلامة الأحيائية القومي عن شروعه في مراجعة قرار إجازة زراعة القطن المُحوّر في السودان ، وتكوينه لجنة مراجعة القرار الممنوح لوزارة الزراعة والخاص بإجازة زراعة قطن مُعدّل وراثياً بعد انتشار زراعة أصناف غير مجازة بالقطاعين المروي والمطري ، حتى أصبحت مُهدِّداً لتقانة مكافحة دودة لوز القطن، والتي من أجلها أُدخل القطن المُحوّر للسودان ، وأثار الأمر مخاوف العديد من خبراء البيئة والزراعة، لما للقضية من أبعاد صحية وبيئية على الإنسان والحيوان والأرض على حد سواء ، على الرغم من أن السودان من الدول الموقّعة على اتفاقية «قرطاجنة» للسلامة الحيوية للدول العربية، بجانب إصداره قانون السلامة الحيوية في العام 2010.
مخاطر التحوّر
وبحسب خبراء الأبحاث الزراعية فإن للتحوّر مخاطر جمة أهمها المخاطر الصحية واحتمالات الإصابة بالسُمية والحساسية سواء من الكائنات الميكروبية الدقيقة أو الحاصلات الزراعية واللحوم والدواجن، بالإضافة إلى احتمال اكتساب الميكروبات المُمرضة للإنسان، وفيما يتعلق بالبيئة توجد مخاوف من النتائج التي يمكن أن تترتب على نقل الجينات الوراثية من كائن إلى آخر ومدى ثبات هذه الموروثات ومخاطر ذلك عند انتقالها إلى الكائنات غير المستهدفة واحتمال اضمحلال الموروثات واكتساب الآفات.
قرار سياسي
في منتصف العام 2102م كان اتخاذ قرار ادخال القطن المُحوّر الى السودان بعهد وزير الزراعة الاسبق عبد الحليم المتعافي ، ووُصف القرار حينها بـ(السياسي) حتى لا ترتفع اصوات المعترضين على الامر ، وطرحت الفكرة عملياً في الموسم الزراعي للعام 2013م وحينها تبسم المتعافي فرحاً بنجاح تجربته التي كانت في ولايتي جنوب كردفان ومنطقة أقدي بالنيل الأزرق ، تحدياً لكافة الجهات التي سجلت اعتراضاً بان لا يقدم السودان على هذه الخطوة لما فيها من مخاطر واثار مستقبلية سالبة ، لجهة أن إجازة أي صنف مُحوّر وراثياً يجب أن تتم وفق قانون السلامة الحيوية وأن يجاز الصنف من المجلس القومي للسلامة الحيوية إيفاءً للاتفاقات الدولية، وأن الصنف بعد اكتمال إجازته يراقب لعدة سنوات في مزارع هيئة البحوث الزراعية للتأكد من ملاءمته للبيئة السودانية وعدم حدوث أية مخاطر بيئية أو حيوية تهدد الإنسان أو الحيوان.
دفوعات الوزارة 
وأكدت وزارة الزراعة في بيان لها عقب إجازة القطن الصيني المُحوّر من قبل اللجنة الوطنية لإجازة الأصناف ، أن التجارب الخاصة بالقطن الصيني المُحوّر، أُجريت في الفترة 2010 – 2012م، وشملت دراسات حقلية ومعملية في 12 بيئة مختلفة، وقد تبين من التجارب أن المداخيل المُحوّرة وراثياً تزيد الإنتاج بنسب تتراوح بين 2-5 أضعاف، وأن هناك زيادة في صافي حليج القطن وصلت 9% مقارنة بالمحلي، بالإضافة إلى تقليل تكلفة الرش لمكافحة الحشرات التي تصل 40% من تكلفة الإنتاج، مما يقلل التلوث البيئي والصحي الناتج من رش المبيدات، كما أكد البيان  حينها عدم وجود أي آثار ضارة بالحيوان أو الكائنات الدقيقة بالتربة جراء زراعة المداخيل المُحوّرة وراثياً والغذاء على منتجاتها.
أصناف خطيرة
ظهرت خطورة القطن المُحوّر وراثياً رغم المعالجات العلمية من خلال اعلان مجلس السلامة الاحيائية بكشفه عن  زراعة حوالي 14 الف فدان بمشروع الجزيرة تتبع لشركة (السمر الداني) لمستثمر سوري ، مؤكداً عدم توفر اي معلومات عن هذه الاصناف مجهولة الهُوية ومن ادخلها وكيف اُدخلت ، وقال رئيس المجلس د.ابوبكر ابراهيم حسين لـ(الانتباهة)، إن العديد من الشكاوى اتت للمجلس من المزارعين بارتفاع مساحة الاراضي المزروعة بالقطن المُحوّر بشكل مفاجئ وسريع ، وكثرت المطالبات من منظمات المجتمع المدني بولاية الجزيرة ، فسارع المجلس بعقد اجتماع بخصوص القطن البرازيلي المُحوّر (الآر اند آر) بمشروع الجزيرة وبعض المناطق الاخرى بهذا الموسم الزراعي ، بحضور الهيئة الاستشارية للمشروع والاتحاد المهني للمهندسين الزراعيين السودانيين ومجلس سلعة القطن والبحوث الزراعية.
ولفت ابوبكر الى  تكوين لجنة لمراجعة القرار الممنوح لوزارة الزراعة والخاص باجازة زراعة قطن مُعدّل وراثياً بعد انتشار زراعة اصناف غير مجازة بالقطاعين المروي والمطري، واعتبرها مُهدِّداً  لتقانة مكافحة دودة لوز القطن، اضافة للتهديد المباشر وغير المباشر على صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
تمدّد المساحات
بالمقابل اكد المنسق القومي لبحوث القطن بمشروع الجزيرة واحد المزارعين بروفيسور احمد التجاني لـ(الانتباهة) ان القطن البرازيلي غير مجاز من مجلس السلامة الأحيائية لا سيما وانها المسؤولة عن ادخال المادة المُعدّلة وراثياً للزراعة ، فهي التي تقوم بفحصها وتعطي الضوء الاخضر بالزراعة من عدمها. واشار الى ان وزارة الزراعة هي الجهة الوحيدة المستفيدة بمعنى انه بعد دخولها واجازتها من قبل السلامة للانسان والحيوان بعدها تُجاز للاستخدام التجاري ، وقال بعد استلامنا لها يأتي دورنا ويتم توزيعها على المزارعين والمؤسسات. واكد التجاني ان القطن البرازيلي المُحوّر المعروف بـ(الآر آند آر) غير مجاز ولم يمر عبر البوابة الرسمية وهو المجلس القومي للسلامة الأحيائية ، واشار الى ان هذه المادة بعد ان تصبح بايدي المزارعين لن يتركوها والدولة لم ولن تستطيع السيطرة عليها ، وقد استفادت من هذا النوع شركات وطنية واجنبية وهي تعلم ان هذا القطن غير مجاز وتمددوا في زيادة المساحات المزروعة.
 ولفت التجاني الى ان الظاهرة كانت محصورة على القطاع المطري فقط بسبب ان مادة القطن تُرش بمبيد يقتل الحشائش ويعيش ويسمى (قاتل الحشائش) ، ويتم استخدامه للمساحات المليئة بالقش ولا توجد عمالة تعمل على اقتلاعها وان وُجدت فانها تحتاج لاموال ضخمة نظير عملها.
زراعة «بالدس»
وأرجع المنسق القومي التجاني اسباب انتشارها في الاونة الاخيرة لعدم توفر ارقام واحصائيات رقمية عن المساحات المزروعة بـ(الآر آند آر) ، والمزارعون مستفيدون ظاهرياً وفي الباطن لا يدرون سلبياته وهنا تكمن المشكلة ، وقد ظهرت زراعته بكثافة لدخول شركات وتمت تعاقدات كبيرة على مرأى ومسمع من اقسام المشروع المختلفة بعد ان كان المزارعون يقومون بزراعته سراً  بـ(الدس) في مساحات صغيرة.
وطالب التجاني السلامة الأحيائية بمعرفة كيفية دخول هذا النوع الى السودان وتسيطر على البذور وتتخلص منها ومحاكمة الفاعلين ، والقانون العالمي يُجرّم اي انسان يتداول هذه المادة المُعدّلة وراثياً وعدم التعامل معها الا عبر الجهات المعنية بذلك وعقوبتها السجن لمدة سبع سنوات.
وقال بعد اكتشافنا للكمية المزروعة من (الآر آند آر) ابلغنا المجلس وتم الاجتماع مع محافظ مشروع الجزيرة والمزارعين ومن ينوب عن الشركة السورية واعترفوا بانه الآر آر ولكنهم لم يقروا من اين اتوا به ، وزاد :ليس القطن المُحوّر المعني فقط مسبب الاضرار ولكن المبيد المستخدم أيضاً غير مجاز من مجلس المبيدات لاستخدامه على القطن ، بل يستخدم لقنوات الري والاراضي البور ذات الحشائش والقنوات المليئة بالقش وهنا اصبحت القضية مركبة ما بين القطن المُحوّر والمبيد غير المجازين بعد ان اصبحت التفلتات كثيرة.
ضعف إمكانيات
وحملت "الانتباهة" العديد من الاستفهامات لتضعها امام الامين العام لمجلس السلامة الأحيائية القومي، بروفيسور عاصم ابو السارة، ليحدثنا عن ملابسات الامر تحدث اولاً عن اصناف القطن المحور وقال ان الصنف الصيني اجيز عام 2012، منبهاً الى ان الهدف من الاصناف المُحوّرة زيادة الانتاجية، وموضحاً انه رفع خطاب لوكلاء الزراعة بيّن فيه ان المجلس لا يغطي كل السودان، ولكن جهود المهندسين الزراعيين فيه مُكمّلة لعمله، وكشف ابو السارة انه رفع مذكرة لمجلس الوزراء ووزيري البيئة والزراعة والامن الاقتصادي واجتمع مع مزارعين الجزيرة قبل ثلاثة اشهر، وكتب لمدير مشروع الجزيرة، انه يتم تخطي القوانين الخاصة بزراعة الاقطان المُحوّرة، وقال خاطبت الوزارة بان صنف القطن البرازيلي (آر آند آر) غير مجاز والمبيد المستخدم فيه لمكافحة الحشائش غير مجاز أيضاً، واشار الى زيادة نسبة الاصابة بالسرطان بولاية الجزيرة وصلت الى (1000) مواطن سنوياً، وان الاقطان المُحوّرة بها سموم تصل الى (700) نوع وان معظم المزارعين لا يعلمون الضرر الناتج عنها ، وان الصنف البرازيلي سيصبح غير مقاوم للآفات.
مصدر مجهول
وكشف ابو السارة ان الصنف المزروع مجهول المصدر من حيث التقاوى والمقاومة والمزايا الواضحة ،وقال   اتصلنا بالجهات الحكومية ولم تفدنا بشيء وعلمنا ان شركة (السمر الداني) لمستثمر سوري هي من ادخلت بذور القطن البرازيلي (الآر آر) منذ العام 2012 في (اقدي) والذي يعمل بالقطن الصيني المجاز، ومن ثم ظهر في العام السابق في ولاية القضارف وحاول المجلس تجنب انتشاره من خلال التحكم في التقاوى الا ان ضعف الامكانيات حال دون ذلك ، وتم تكوين لجنة للنظر في القضية ، واكد ان هناك جهات تعيق عمل المجلس في محاربة بذور (الآر آر) كاشفاً عن القبض على تقاوى في العام الماضي ولكنها لم تتم ابادتها نتيجة لتراخي الجهات المنفذة ووصل الامر لمجلس الوزراء السابق.
وفي ذات السياق اوضح رئيس جمعية الجزيرة الزراعية الاستشارية د.بابكر حمد احمد، انه تم الاتصال بمنظمة الصحة العالمية وابانت ان المضار التي سجلت في مناطق زراعة هذا الصنف ومنتجات القطن المنتوج شملت (سرطان الثدي ـ تساقط الأجنة ـ تليّف المبايض ـ تليّف الرحم ـ سرطان الجلد).
توصيات مُشدّدة
وكشفت أضابير الاجتماع الذي عقده المجلس عن توصيات مشدّدة بالتأكد من تسجيل الشركة السورية بالمجلس الزراعي السوداني ، والاسراع بابادة القطن الذي تمت زراعته هذا الموسم، وإلزام الشركة بتعويض المزارعين نتيجة الضرر الذي لحق بهم ، اضافة الى محاسبة ادارة المشروع لسماحهم بدخول هذه العينة من الاصناف غير المجازة والضارة بالبيئة والصحة ، وعدم السماح بزراعة اي اصناف مُحوّرة الا بعد اجازتها من الجهات ذات الاختصاص ومتابعة ذلك عبر البحوث والحجر الزراعي والسلامة الأحيائية ووزارة الصحة والمجلس الزراعي، واجراء بحوث لتحديد الآثار الضارة المترتبة على زراعة الاصناف غير المجازة.

تواصل معنا

Who's Online

870 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search