mlogo

الاقتصاد

إقتصاد

مصنع أسماك حلفا..(هنا كان يوجد مشروع ) (2 ــ 2)

النذير دفع الله
أول ما دخلت الى بوابة (مصنع أسماك حلفا)، انتابتني مشاعر عديدة ومتناقضة حول هذا الصرح الكبير، والذي تهدم وتحوَّل الى (ذكرى) مكان او ذكرى مشروع او ذكرى نجاح كان او كان يتوقع أن يكون ناجحاً في يوم ما.  مياه كثيرة جرت الجسر في هذا الصرح، فلا هو تحول لمصنع بمقوماته المعروفة ولا تمت إزالته و بيعه كغيره من المنشآت..
(الإنتباهة) ذهبت الى هناك للتقصي ولمعرفة حقيقة ما حدث وما سيحدث، بحثاً عن (الجاني) في هذه الجريمة المرتكبة والتي بسببها تم إهدار ملايين الدولارات وثروات ضخمة من الأسماك تنهب الآن من البحيرة.
1976م كان تاريخ الميلاد للمصنع الذي أهدته الصين لأهالي حلفا ليغذي أسواق المدينة ويباع فائضه في مدن أخرى او يصدر، ولكن يبدو أن ضعف الرقابة والمحاسبة، تعتبر آفة لكل السودان، فتدهور المصنع وتعطلت الآليات، وتناقلته الأيدي الحكومية من شركة لأخرى بحثاً عن من يبث فيه الروح من جديد ولكن، الكل جاء لـ(يقضم) جزءاً من كيكة المصنع السائبة، فجزء يستولي على الآليات، وآخر دخل في الاستثمار كمدخل لأشياء أخرى. (الإنتباهة) تقصت ووجدت ما سيتم تناوله عبر حلقتين في هذا التحقيق، حلقة أولى (صورية) توضح بجلاء ما حدث دون شرح، وأخرى (تشرح )..
مصنع مديون
ويقول مدير شؤون العمال مبارك أحمد لـ(الإنتباهة)، إن المصنع توقف عن العمل لأسباب مالية عبارة عن مديونية للكهرباء بلغت 70 ألف جنيه، ما أدى لقطع التيار الكهربائي. وأضاف أن المصنع كان ينتج (5) أطنان من الأسماك يومياً، ومع توسيع البحيرة يمكن للمصنع أن ينتج 15 طناً. وأشار مبارك أن تدهور المصنع كان بصورة سريعة حتى وصل لهذه المرحلة من الدمار والخراب وتعطلت الحركة، بجانب تعطل مصنع الثلج الذي كان يعمل لسد جزء من مال التسيير، توقف للأعطال المتلاحقة وارتفعت أسعار الصيانة وشُرِّد العاملون البالغ عددهم 51 عاملاً، ولفت الى أنهم تقدموا لوزارة المالية بتصور يشمل الصيانة وكل ما يحتاجه المصنع حتى يعمل بصورة جيدة وبتكلفة قدرت وقتها بحوالي 1500 ألف جنيه، ولكن ارتفعت التكلفة الآن والتي ربما تصل لسبعة مليارات، مشيراً الى أن المصنع به ورشة كبيرة للخراطة والصيانة، وكانت تستغل في تنفيذ بعض الأعمال لصالح المصنع، وأضاف قائلاً: بعد تأزم الوضع عجزنا حتى عن تشغيل الورشة، وكشف مبارك أن المصنع يحتاج أسطوانات للغار تكلفتها 145 الف جنيه وموتور سعة 18 حصاناً وعدد من جوالات الملح حتى يعمل مصنع الثلج فقط ومن ثم الشروع في صيانة المصنع المتعلق بالأسماك من صيانة لثلاجات التبريد والتجميد وغرفة النظافة، بينما تظل الطاحونة عبارة عن هيكل حديدي وكسارة الثلج التي تكسرت هي الأخرى أيضاً. وقال مبارك، سابقاً كان المصنع ينتج أسماكاً ذات جودة عالية، ويقوم بتصديرها لمصر بأسعار أقل نافست المنتج المصري سعراً وجودة، حيث رفضت الخرطوم قبول منتجاتنا وطالب مبارك بتسوية حقوق العاملين بالتعيين او التحويل لوحدات أخرى حال منح المصنع لمستثمر آخر، منبهاً أن علاوات العاملين وحوافزهم وترقياتهم مجمدة منذ العام 2013م ، وقال كل المنح التي أعطيت للعمال لم تصلهم .
تدمير ممنهج
ويكشف مدير المصنع عبد الحليم عبد الغفور لـ(الإنتباهة)، أن شركة (مدد) استثمرت في المصنع وهي ما ألحقت به الدمار ، دمروا ماكينات الثلج والتبريد وقاموا بترحيل ماكينة للتبريد لصيانتها في (اسوان) وجاءت معطلة أسوأ مما كانت عليه، موضحاً أن في العام 2016 م جاءت لجنة من وزارة المالية لاستلام المصنع من شركة (مدد) وتم فسخ العقد المبرم بينها والوزارة دون النظر للشروط الجزائية في العقد مما أدى لتسلط تلك الشركات على المصنع فأصبح خاوياً متهالكاً بهذه الصورة دون أن تقدم شركة (مدد) لأية مسألة حسب العقد المتفق عليه .
عقود ضعيفة
فيما يشير رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس التشريعي للولاية الشمالية ورئيس اللجنة الميدانية المخصصة للمصنع هارون محمد سعيد خلال جولة اللجنة داخل المصنع، الى وجود شركات كثيرة استثمرت في هذا المصنع منها (أسماكو، سنابل، شريان الشمال ومدد). وقال تم فسخ العقد مع الأخيرة، التي تعتبر آخر الشركات المستثمرة في المصنع والتي استهلكت المصنع استهلاكاً كبيراً دون عائد في إشارة واضحة لضعف العقود المبرمة، مما أدى الى تضرر المصنع خلال فترة الشركة. وكشف هارون لـ(الإنتباهة) عن محاولات لمنح المصنع كأحد أوجه الاستثمار لشركة دال التي أبدت رغبتها للاستثمار فيه، موضحاً أن وزارة المالية تدفع شهرياً ما يزيد عن مبلغ 37 ألف جنيه كمرتبات للعمالين بالمصنع دون قيامهم بالعمل نتيجة لتوقف المصنع عن العمل، وأشار أن المصنع سابقاً كان يعمل بصورة جيدة وبعائد مالي كبير، بالإضافة لكل الأقسام الأخرى التي كانت تعمل بصورة جيدة. وقال هارون إن الورشة التي تعمل في مجال الخراطة، يتم استغلالها أحياناً في أعمال لا علاقة لها بالمصنع، وهو ما يوفر عائد مادي يجب أن يصب في صيانة وتأهيل جزء من المصنع حتى يعود لحالته الأولى، مشدداً أن الولاية واللجنة الاقتصادية بالمجلس التشريعي لن تتقيد في صيانة وعمل المصنع بشركة دال او غيرها. وقال ما يهمنا هوعودة المصنع للعمل كما كان .
تغيير كوادر
ويقول نائب رئيس اللجنة الزراعية بالمجلس التشريعي صلاح عثمان لـ(الإنتباهة)، إن المصنع يحتاج لتغيير الكادر الموجود فيه ويحتاج لإدارة حقيقية سيما وأن العمالة الموجودة أصبحت تعرف كل الثغرات وبواطن الخلل ووجود المصنع من غير رقابة أدى لاستغلال هذه الفئة بصورة سيئة أدت لتعطيل هذا المصنع وأصبحت جزءاً من هذا الخلل، مضيفاً أن حديث الموجودين في المصنع حديث للتضليل والتعقيد. وأشار الى أنه خلال زيارة اللجنة الاقتصادية للمصنع والنظر في احتياجاته ورفع تقرير بذلك، قال لم نعلم عدد القوالب والمعدات الموجودة فيه ولا يوجد جرد حقيقي يكشف أساس الخلل والمعالجة، مبيناً أن الشخص الذي يريد حلاً لأية أزمة يكون جزءاً من الحل وليس جزءاً من التعقيد. متسائلاً كم حجم المبالغ جراء استغلال مصنع الثلج والورشة ومراكب الصيد، والى من كان يتم توريد تلك المبالغ؟. وتابع يفترض أن تقدم مستندات توضح التحصيل والصرف والفواتير المتعلقة بالصيانات مع مراعاة التاريخ والزمان. وتساءل عن دور وزارة المالية ومعرفتها حول المبالغ التي صرفت للمصنع، واستطرد قائلاً نحن نعلم أن هنالك أبرياء يجب البقاء عليهم وأوضح أن الذين استثمروا فترات قليلة في المصنع، لم يكونوا صادقين ولم تكن نواياهم سليمة. وأرجع فشل المصنع لعدم المصداقية والشفافية، وطالب صلاح بتحويل ونقل كل العاملين الموجودين لجهات أخرى حتى ينجح المصنع، كاشفاً أن حكومة الولاية تجاهلته وأضاف أن الوزير السابق للمالية كان رجلاً جامداً يأخذ ولا يعطي، وليس لديه نظرة او رؤية مستقبلية، وكان يقدم أداء وزارته قبل كل الوزراء وسبق أن تم اعترضنا عليه لأن وزير المالية هو آخر من يقوم بما عليه من أدوار حتى يتسنى لنا سؤاله عن كل النواقص والثغرات .
فرص للعمل
وضعت (الإنتباهة) إشكالات المصنع أمام معتمد محلية حلفا مبارك للحصول على إفادات أكثر تعمقاً، ويمكن أن يجد لها إجابات وحلول حتى تتم نهضة المصنع من جديد. وقال المعتمد لـ(الإنتباهة) إن المصنع يعتبر من الأهمية بمكان بالنسبة لسكان مدينة حلفا، وهو من أكبر المشاريع وواحداً من عناصر الاقتصاد في الولاية الشمالية بعد مسطح بحيرة النوبة ومروي. وأشار مبارك أن كمية الأسماك التي تورد لولاية الخرطوم، تأتي من مدينة حلفا وبالإضافة الى أسماك التصدير. وكشف مبارك أن المصنع ارتبط عند الناس في هذه المحلية بالبلد مما يوفره لفرص كبيرة تتعلق بالعمالة واعتماد مئات الأسر عليه في دخلها ومعيشتها وهو مصدر رزق لأهل البلد، موضحاً أن حركته من الجوانب المهمة للحركة التنموية والاجتماعية، وأضاف مبارك نستبشر خيراً بأن شركة (دال) أبدت رغبتها للاستثمار في المصنع، سيما وأن أسامة داؤود يعتبر من أهل المنطقة لذا نتوقع أن يعود المصنع كالسابق، بل وأفضل، حيث أكدت شركة (دال) أن البنية التحتية للمصنع مدمرة بالكامل أي بنسة 90% وتحتاج لإعادة إعمار وتأهيل للبنية التحتية. وأشار مبارك أن المصنع سيكون شراكة بين الولاية والشركة المستثمرة على أن تلعب المحلية دور المراقب والمتابع وعضو أساسي وجزء أصيل من مجلس الإدارة ومشارك من حيث السياسات، ووجودنا في المنطقة، مبيناً أن مصلحة المواطن هي الأولى والمهمة. وشدد مبارك أن الشركات التي استثمرت في المصنع سابقاً لم تكن موفقة ودمرت البني التحتية للمصنع .
حسناً..ما سبق مجرد جرد مبدئي لما يحدث في مصنع أسماك ويتضح من خلال ما سبق أن هناك خللاً وفساداً في مكان ما، لابد من معالجته، ويبدو أن أمر تشغيل المصنع وتجواله بين الشركات المستثمرة المشغلة كـ(اليتيم) يحتاج لوقفة حقيقة من الجهات المسؤولة والتي يجب أن تبدأ أولاً بالمحاسبة لمن كل تعدى على مال المصنع إدارياً او فنياً او أخطأ خطأ تسبب في إشكالات لا يزال المصنع يعاني منها، وفي اعتقادي أن الأمر أكبر من هذا التحقيق ويحتاج لتقصي أكثر عمقاً في البحث .

تواصل معنا

Who's Online

528 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search