التحقيقات

حوادث-و-قضايا

سياسة تركيا الخارجية في المجال الإنساني

اجتمع سفراء تركيا المعتمدون في كافة أنحاء العالم في الفترة ما بين الثاني عشر إلى الثامن عشر من أغسطس 2018 في مدينتي أنقرا وكونيا في النسخة العاشرة من مؤتمر السفراء السنوي والذي جاء بعنوان: السياسة الخارجية الإنسانية وريادة الأعمال.
كان مؤتمر هذا العام من الأهمية بمكان إذ شارك فيه وزير خارجية جمهورية السودان صاحب السعادة السيد الدرديري محمد أحمد متحدثاً رسمياً وذلك بدعوة من وزير الخارجية التركي صاحب السعادة السيد ميلود جاويش اوغلو. وبمناسبة زيارة الوزير الدرديري إلى تركيا عقد وزيرا الخارجية الاجتماع الأول للمجموعة المشتركة للتخطيط الإستراتيجي وهي آلية تنسيق وزارية تشكلت تحت اشراف المجلس الإستراتيجي عالي المستوى والذي تم إنشاؤه خلال زيارة رئيس جمهورية تركيا فخامة الرئيس رجب طيب إردوغان لجمهورية السودان في ديسمبر عام 2107. حدد اجتماع المجموعة المشتركة للتخطيط الإستراتيجي خطوات ملموسة وهامة نحو توطيد العلاقات الثنائية وبطريقة مؤسسية.
أود في هذا المقال التطرق إلى نظرة تركيا "للسياسة الخارجية في المجال الإنساني" ونؤكد على العديد من الإجراءات الملموسة التي اتخذتها في هذا المجال في جميع أنحاء العالم وفي السودان.
تتبع تركيا سياسة خارجية نشطة مع التركيز بشكل كبير على البعد الإنساني من أجل بناء عالم أكثر أمنا  وإنقاذ الأرواح وحماية البيئة وذلك من خلال استراتيجية مستدامة وجماعية. تستضيف تركيا ما يقرب من 5 ملايين لاجئ سوري فروا من الحرب الداخلية في سوريا. وعلاوة على ذلك ، فإن حكومتنا ، والمؤسسات العامة والخاصة ، وكذلك المنظمات غير الحكومية ، تقدم المساعدات الإنسانية للمحتاجين ، بغض النظر عن دينهم أو أصلهم العرقي.
تم تنويع المساعدات الإنسانية التي قدمتها تركيا وتزايدت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ووفقًا لما ورد في تقرير المساعدات الإنسانية العالمية الصادر في عام 2017، تحتل تركيا موقع أكبر دولة مانحة في العالم من خلال مساعداتها الإنسانية البالغة 8 مليارات دولار أمريكي ، في حين أنها تحتل المرتبة الأولى عندما ننظر إلى نسبة المساعدات الإنسانية الرسمية مقارنة بالدخل القومي. ومن ناحية أخرى ، فإن هذا الرقم أعلى حتى عندما يتم النظر إلى التبرعات الطوعية من مواطنينا ومنظماتنا الخيرية والمنظمات غير الحكومية ، والتي لا يتم تضمينها في التبرعات الرسمية.
لا تقتصر مساهماتنا الإنسانية على مشاريع المساعدة الثنائية أو الحكومية ، بل على العكس ، تسهم جمعية الهلال الأحمر التركي والعديد من المنظمات غير الحكومية التركية بنشاط في المشاريع الإنسانية العالمية.
علاوة على ذلك ، تعزز تركيا دعمها السياسي والمالي للمنظمات الدولية ، على سبيل المثال ، لمزيد من المساعدة للجهود الإنسانية للأمم المتحدة ، أصبحت تركيا عضواً في مجموعة دعم المانحين التابعة لمنظمة أوشا ، والتي تضم كبار المانحين في المجال الإنساني.
استضافت تركيا القمة الإنسانية العالمية الأولى على الإطلاق في إسطنبول في 23-24 مايو 2016. بحضور 9000 مشارك من 180 دولة عضواً ، بما في ذلك 55 من رؤساء الدول والحكومات. كان أحد الإنجازات الرئيسة لمؤتمر قمة اسطنبول هو الاعتراف بأن المناقشات القديمة حول الفجوة الإنسانية والتنموية يجب أن يتم تجاوزها من خلال طريقة عمل جديدة. وفي هذا السياق ، يجب على جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة أن تعمل معاً ليس فقط لتلبية الاحتياجات ، بل للحد بشكل فعال من المخاطر ومواطن الضعف مع مرور الوقت. كما توفر خطة التنمية المستدامة لعام 2030 أساسا متينا لهذا الإطار الجديد. وفي هذا الصدد ، وبمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لمؤتمر القمة ، استضافت تركيا مؤخراً حدثاً رفيع المستوى وحدثت أيضاً حلقة عمل اسطنبول حول طريقة العمل الجديدة التي تعتبر من أهم النتائج الملموسة لمؤتمر القمة وتهدف إلى تنفيذ العمل الإنساني والتنموي وتقديم المساعدة التنموية عند الضرورة.
دعوني أسلط الضوء باختصار على الطريقة التي تتعامل بها تركيا مع مفهوم السياسة الخارجية الإنسانية والتخلف وتدهور البيئة ، والصراعات / المصادمات المسلحة ، والفقر ، ونقص الهياكل الأساسية ، والأمراض الامر الذي يؤدي إلى أزمات إنسانية. في حالات كثيرة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نلاحظ للأسف حلقة خبيثة تنطوي على كل هذه المشاكل المترابطة في جوهرها. مثل هذه الدوائر الخبيثة قد تؤدي إلى حدوث أو نشوب نزاعات تؤدي كذلك إلى أزمات بسبب تدفق اللاجئين.
من أجل كسر مثل هذه الدوائر الخبيثة يجب على المرء أن يخطو خطوات واعية وراسخة. أولا ، في رأينا ، من الضروري اتخاذ إجراءات بناء على طلب البلد المضيف بمساعدة إنسانية للإغاثة الإنسانية في حالات الطوارئ. ثانياً ، يتبين أن الاستخدام المشترك للأدوات الإنسانية والإنمائية يكون فعالا من حيث التكلفة بالنسبة للمانحين على المدى الأطول حيث تصبح البلدان المتأثرة أكثر مرونة في زيادة مستوى تنميتها  بفضل المساعدات الإنمائية المقدمة على البنية التحتية الأساسية وبناء القدرات البشرية والمؤسسية. وتمكن هذه المساعدة الإنمائية البلدان المتضررة من مقاومة هذه الصدمات الإنسانية ، مما سيقلل بدوره حاجتها إلى المساعدات الإنسانية في المستقبل.
كان هذا النهج ناجحًا جدًا في إفريقيا جنوب الصحراء. يمكن اعتبار سياسة تركيا لمساعدة الصومال حالة مثالية إذ تم حشد جميع شرائح المجتمع التركي من المؤسسات العامة إلى المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص لمساعدة شعب الصومال بعد أن تعرضت البلاد لمجاعة شديدة في عام 2011. وقد أدت هذه العملية تدريجيا إلى سياسة شاملة ، تشمل الجهود لإنسانية والإنمائية باعتبارها جهوداً لتحقيق الاستقرار في استراتيجية متكاملة. في عام 2016 ، تبرع الهلال الأحمر التركي ورئاسة إدارة الكوارث والطوارئ (AFAD) بـ 20 ألف طن من المساعدات الغذائية للصومال بسبب معاناته من الجفاف.
بالإشارة إلى علاقاتنا مع السودان الشقيق ، تشكل المساعدات الإنسانية جانبا هاما في هذا الصدد. إن حكومتنا ، ووزاراتنا ، ومؤسساتنا العامة (مثل الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (TİKA) ، ومؤسسة الشؤون الدينية التركية ، رئاسة إدارة الطوارئ والكوارث والهلال الأحمر التركي ، والمنظمات غير الحكومية ، تساهم في تلبية الاحتياجات الإنسانية في السودان. على سبيل المثال ، بناء على طلب السلطات السودانية ، تبرعت تركيا بـ 10 آلاف طن من القمح و 15 ألف طن من البنزين إلى السودان في يونيو الماضي ، بالإضافة إلى هذه التبرعات ، قامت العديد من المنظمات غير الحكومية التركية ، الموجودة في تركيا والسودان ، بحملات مساعدات إنسانية في مساحة شاسعة في السودان امتدت من الفاشر إلى كسلا ومن بورتسودان إلى نيالا.
علاوة على ذلك ، تقدم تركيا كل عام العلاج الطبي المجاني إلى 100 مريض سوداني في المستشفيات في تركيا في إطار البروتوكول الموقع مع وزارة الصحة. يتم اختيار المرضى الذين يتم إرسالهم إلى تركيا لتلقي العلاج الطبي من قبل وزارة الصحة السودانية. إضافة إلى ذلك ، يقوم الهلال الأحمر التركي والعديد من المنظمات غير الحكومية التركية بإجراء عمليات طبية في السودان بالتعاون مع وزارة الصحة التركية. في هذا الصدد ، تم إجراء الآلاف من عمليات إزالة المياه البيضاء بنجاح في السودان. وأخيرا في مارس ، تم إجراء عدد من العمليات في مجال طب الأسنان في الخرطوم.
ومن الإجراءات العملية الأخرى التي نقوم بها في مجال الصحة هي إنشاء مستشفى الأبحاث التركية -السودانية في نيالا ، والتي تعمل كمركز تشخيص وعلاج طبي ليس فقط للمواطنين السودانيين الذين يعيشون في دارفور ، ولكن أيضاً تستقبل مرضى من تشاد  ووسط أفريقيا وجنوب السودان. علاوة على ذلك ، افتتحنا مدرسة التدريب المهني للطب في نيالا. كما أن مبادراتنا لفتح معهد للعلوم الطبية في الخرطوم لا تزال جارية.
إضافة إلى تلك الجهود ، تقوم تركيا أيضًا بتنفيذ مشاريع التنمية الزراعية في جميع أنحاء السودان. ويتمثل ذلك في حفر الآبار وشق قنوات المياه وتوزيع البذور والمعدات الزراعية في المناطق الريفية وهي واحدة من العديد من مشاريع المساعدة التي تقوم بها منظمة التعاون والتنسيق التركية والتي تقدم ايضاً دورات تدريبية مهنية للمواطنين السودانيين من خلال مركز التدريب التابع لها في بحري ، حيث يتلقى الطلاب تدريباً تقنياً في مجموعة واسعة من المواد مثل كيفية استخدام الآلات الصناعية ، وكيفية إجراء عمليات المخرطة والأعمال الخشبية ، وتقنيات الكمبيوتر ، والمنسوجات والسياحة.
وعلاوة على ذلك ، فإن المنظمات غير الحكومية التركية لديها حضور نشط في السودان لتوفير التعليم من مرحلة رياض الأطفال إلى سن 12 سنة وكذلك توفير الإعاشة ، والتبرع بالوجبات اليومية ، والفحوصات الطبية ، والمساعدات والمعونات المتعلقة بعطلة عيد الفطر وعيد الأضحى.
في الختام ، أود أن أؤكد على أن المساعدات الإنسانية ستستمر وتظل أحد العناصر الأساسية للسياسة الخارجية لتركيا ، حيث أنها تهدف إلى توفير حلول دائمة لمجابهة التحديات الحالية التي يواجهها عالمنا. ستتبع تركيا ، التي تعتبر السودان وكل الدول الأفريقية كإخوة شركاء في التعاون بين دول الجنوب ، لتدعم احتياجاتهم الإنسانية سواء على المستوى الحكومي أو المجتمع المدني.
سفير جمهورية تركيا

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

802 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search