الحوارات

الحوارات

الإنتباهة مع الخبير الإستراتيجي أبوصالح بعد الاستقالة

حوار: مريا سليمان
قضايا كثيرة تلك التي زحمت الساحة السياسية هذه الأيام, وكل منها يحتاج لملفات مختصة ليتسنى الوقوف على حلول جذرية نهائية لكل من القضايا الشائكة والمصيرية التي ظلت عالقة بالشأن السوداني لفترات طويلة، من أهمها جانب التخطيط الاستراتيجي الذي تبلور مؤخراً وبانت جوانبه عبر التخطيط الاستراتيجي الذي يقف على رأسه  الخبير الاستراتيجي بروفيسور محمد حسين سليمان أبو صالح  صاحب الإنتاج المعرفي والمهارات في علم التخطيط الاستراتيجي، معلما ومحترفا، استطاع أن يفسح المجال  لدراسة علم التخطيط الاستراتيجي القومي في مراكز البحوث والجامعات والمعاهد العليا. وقدم أنموذج الخرطوم الاستراتيجي، كما أنه كان أنموذجاً حينما قدم استقالته أخيراً عن إدارة التخطيط الاستراتيجي بولاية الخرطوم, فكان أيضاً أنموذجاً لأدب الاستقالة.. التقيناه ووضعنا على طاولته عدداً من التساؤلات حول الوطن والوطنية والأزمة الاقتصادية والموقف الاستراتيجي والتزام الحكومة بها، بجانب تداعيات الاستقالة التي تقدم بها للسيد عبدالرحيم محمد حسين والي ولاية الخرطوم... فإلى مضابط الحوار :
> هل تعتقد أن أنموذج استراتيجية الخرطوم جاء، متأخراً أم أن التخطيط يمكن أن يكون مجَدياً فيصلح  في كل الظروف الزمانية والمكانية؟
< ظل إيماني بأن تشكيل مستقبل السودان وتحقيق نهضته وأمنه القومي يتوقف على مدى قدراتنا على تطوير طريقة التفكير والتخطيط والتنفيذ بما يقود لبلورة ومن ثم تحقيق رؤية استراتيجية للدولة مدعومة بإرادة سياسية وسند فكري ومعرفي وتقني قوي، مؤمنة بوعي استراتيجي. وبحسب علمي ودراستي كخبير استراتيجي للنجاحات الباهرة التي حدثت في عشرات دول العالم خلال العقود الماضية، لا توجد تجربة تنموية ناجحة ومتميزة إلا وكان خلفها رؤية استراتيجية مسنودة بتنظيرعلمي متقن. لذلك عندما قبلت العمل بحكومة الخرطوم إنما كنت أهدف من وراء ذلك لإنتاج أنموذج للسودان وللخرطوم ولولايات السودان يعبرعن هذه الرؤيا.
> ما التغيير الذي تحقق في الولاية منذ قبولك التكليف الوزاري؟
< استطعنا في الولاية بعون الله تعالى, أن نؤسس لأفضل تنظير وممارسة حتى الآن لمنهج وآلية الإستراتيجية في السودان في فترة ما بعد الاستقلال. وعززنا ذلك بأول قانون للاستراتيجية وأول لائحة في السودان بل الإقليم، كما استطعنا إنتاج أول منهج للإدارة الاستراتيجية وأول لائحة في السودان بل الإقليم، كما استطعنا إنتاج أول منهج للإرادة الإستراتيجية في السودان, وجاء في ثلاثة كتب تقع في حوالي (700) صحفة، أسسنا من خلالها المسار الاستراتيجي للولاية بدءاً من التفكير الإستراتيجي والجمعي والإبداعي مرورا بالتنفيذ وانتهاءً بالقياس والتقييم. وبدأنا في تطبيق هذا المنهج الذي كان أولى ثمراته استراتيجية ولاية الخرطوم التي شكلت الإطار الفكري الذي يعبر عن المستقبل المنشود، والخطة الثالثة 2017 - 2020 والتي تشكل مرحلة تجاه الاستراتيجية. كما وضعنا خطتها التشغيلية للعام 2018م باحترافية عالية، حيث وصفها قرار المجلس التشريعي بالعمل غير المسبوق في الولاية، والتي تضمنت لأول مرة في تاريخ السودان المنظومات الإنتاجية المتكاملة، مثل منظومة الجيلي الصناعية ومنظومة الجلود ومنظومة السياحة النيلية وغيرها إضافة للمنظومات الاجتماعية وأهمها منظومة التنمية الاجتماعية ومنظومة الطب الوقائي ومنظومة مكافحة المخدرات وغيرها من المنظومات التي جاءت في إطار التفكير الاستراتيجي والجمعي المبني على النتائج، ليتم توجيه المال والمجتمع والقطاع الخاص بناء على ذلك في تحول نوعي مهم , وذلك من خلال استخراج منهج السياسات المعروفة بنظام  ( 3×4)، حيث تحولت هذه المنظومات من دائرة التنظير إلى واقع التنفيذ العملي على الأرض .
>  بعد أن تعلقت القلوب بحلم النيل ماهي الضمانات لتحقيقه بعد مغادرتك المنصب؟
< سعت الوزارة لتأسيس قاعدة داعمة لنجاح الاستراتيجية (حلم النيل) من خلال محاربة الهزيمة النفسية واللامبالاة والإحباط ببلورة منهج لزراعة الأمل في النفوس عبر إنتاج الأفلام والتدريب المجتمعي وغير ذلك، فالسودان أحوج ما يكون لزراعة الأمل. ولعل النتائج المبدئية المبهرة لهذا المنهج تُعد مؤشرا قويا للتوسع فيه بالولاية، كما يمكن استخدامه على المستوى القومي لتعزيز الروح المعنوية للشعب وتحقيق الالتحام حول حلم وطني واحد.. وبذا نكون قد تخطينا مرحلة التنظير بإنتاج النموذج، لنبدأ مرحلة نقله إلى الولايات والمركز . ولضمان استدامة المنهج استطعنا بفضل الله تحويل كل طاقم الوزارة إلى  ممارس محترف لهذا المنهج, ولأول مرة في السودان يصبح منسوبو وزارة بالكامل من حملة الماجستير والزمالة المهنية أو الدكتوراه في مجال المهنة، فضلا عن تأسيس نظام معلومات مستدام يوفر المعلومات الدقيقة وذات المصداقية وهو أفضل نظام معلومات الآن في السودان، فضلا عن إنتاج تطبيقات الاندرويد لنظام الحكومة الالكترونية لما يزيد عن الألف خدمة، لتبدأ العمل تدريجيا بحسب توفر البنى التحتية من الأجهزة والطابعات. وختمنا عملنا بإجازة منظومة القياس التي تشمل حوالي الألف وتسعمائة وخمسين مؤشرا تقع في مائتي صفحة من الحجم الكبير تمت حوسبتها تتم تلقائيا مع أي تغيير في البيانات والمعلومات.
> ألا تعتقد أن تعاقب الوزراء المتعدد على الوزارة لا يسمح بنضوج الفكرة لأن كلاً له بصمته الخاصة؟
< فضلا عن ما ذكر أعلاه فإن قانون الاستراتيجية نص على ترتيبات لاستدامة النظام منها حتمية خضوع الدستوريين وقيادات الولاية  لدورات تدريبية في منهج الإدارة الاستراتيجية، حيث جرى تطبيق ذلك عملياً ولإكمال حلقات تجربة الاستراتيجية قمنا بتأهيل نواب المجلس التشريعي عبرالحلقات التدريبية المتخصصة، كما تم استيعاب عدد كبير منهم ضمن برنامج الزمالة والماجستير في الاستراتيجية، لنؤسس بذلك شراكة وفق أسس استراتيجية هي الضامن الأول لتنفيذ الاستراتيجية كما تم التدريب لعدد(115905) من مجتمع ولاية الخرطوم ممثلا في اللجان الشعبية ومنطمات المجتمع المدني والمدارس والجامعات من خلال برنامج سفراء الاستراتيجية عبر أكبر عملية تدريب تشهدها ولاية الخرطوم  في السنوات الأخيرة، وبهذه التجربة الضخمة في التدريب باستخدام أحدث الوسائل والإنتاج الإعلامي للأفلام المتخصصة والموجهة نحو المجتمع نستطيع أن نقول إن ثقافة الاستراتيجية أصبحت واقعا معاشا يمشي بين الناس في ولاية الخرطوم، وقمنا بتوثيق كل ما يتصل بهذا المنهج في كتب، ولعل أفضل توثيق لمنهج الاستراتيجية هو تحويلها إلى عقول موظفينا لضمان استدامة النظام وحتى لا تتأثر الوزارة بذهاب وزير او مجيء آخر، حيث جرى ذلك عبرعمليات تدريب تخطت الألف وخمسمائة ساعة . وبالضرورة فان الضمانة الحقيقية ستحدث عند بلوغنا مرحلة تشكيل الثقافة الوطنية الداعمة وهذه تحتاح لوقت أطول.
> الظروف الاقتصادية المعقدة والتحديات التي تواجه البلاد تجعل من الصعب على المواطن الصبر وانتظار الحلول بعيدة الأمد، وبالتالي لجوء الحكومة لسياسة التكتيك والحلول السريعة فيما يعرف بإدارة الأزمة، هل يعتبر هذا أحد الأسباب لفشل الإستراتيجيات؟ 
< إن التحديات الوطنية والأوضاع والظروف الإقليمية والدولية باتت تهدد البلاد وأمنها بشكل كبير، حيث تجري محاولات لرسم واقع إقليمي جديد في إطار استراتيجيات أجنبية متقنة، وبرؤيتي الشخصية كخبير استراتيجي مهتم بالأمن القومي، فإن تشكيل مستقبل السودان وإدراة عمليات التنافس الدولي وصراع الاستراتيجيات المستمر منذ عقود  حول السودان، بلغ منحى لا يجدي معه التكتيكات ولا الحلول المجزأة، بل قد يكون من الخطورة بمكان الاستمرار في التكتيك ببلورة فكرة وطنية ذات عمق استراتيجي نستطيع التعامل عبرها ببلورة حلم وطني سوداني يعبرعن الوجدان ويحقق التوافق الوجداني من ناحية، كما يتم عبرها التعامل مع الظروف والتعقيدات الوطنية والإقليميةوالدولية مع بلورة إرادة سياسية للتطبيق الجاد والحازم لهذه الفكرة، حتى نبلور مساراً استراتيجياً يقود نحو غاياتنا الوطنية وتحقيق الأمن القومي والعبور الآمن نحو المستقبل. فالسودان يحتاج لجرأة في الطرح وفي مستوى التفكير وكذلك جرأة في الممارسة والتنفيذ. كما أن العبور فوق الأزمة الاقتصادية الراهنة يستدعي رؤية استراتيجية شاملة ولن تجدي الرؤية الاقتصادية التكتيكية، ولا اعتقد أن الأمر سيكون سهلا عند إعداد موازنة العام 2019م وكذلك يمثل جانباً من الموديل الذي تحدثت عنه .
> ما جدوى التخطيط لولاية الخرطوم إذا لم تعمم التجربة على الولايات؟ 
< إن نقل تجربة الخرطوم إلى ولايات السودان المختلفة أجدى من التركيز على الخرطوم فقط, باعتبار أن إحداث طفرة فيها  دون غيرها من  الولايات الأخرى يشكل تهديداً للسودان ليستمر النزوح نحو الخرطوم وتتغيرالتركيبة الديموغرافية للبلاد والنسيج الاجتماعي وتعطيل القدرات الإنتاجية للسودان ومن ثم إفراغ الولايات من السكان وجعلها عرضة للطمع في فصلها عن كيان الوطن بحسب منطق علم الجيوبوليتك. كما أن رؤية الخرطوم لن تؤتي أكلها بالمستوى المطلوب ولن نستطيع استدامتها إلا في ظل تطبيق منهج مماثل على المستوى الاتحادي مع التطبيق الأفقي في الولايات.
> هل أنت راضٍ عن نقل وتوصيل رسالتك في مجال التخطيط الإستراتيجي؟
< ظلت رسالتي في الحياة هي إنتاج وتطوير وتطبيق الفكر الاستراتيجي، من خلال البحث وتأليف المراجع في علوم الاستراتيجية وتأهيل المدربين والقيادات ...الخ, بغرض المساهمة  في خدمة السودان والأمة الإسلامية والإنسانية بشكل عام، وقد ظل اهتمامي الرئيس منذ حوالي (25) عاماً كأستاذ وباحث، هو إنتاج فكرة وطنية ذات عمق إستراتيجي كخطة للدولة السودانية، للتعامل مع الظروف والأوضاع والتعقيدات على الصعيد الداخلي والخارجي والمستقبلي مع توسيع دائرة الوعي الإستراتيجي وثقافة الأمن القومي على الصعيد الوطني والإسلامي. وقد استطعنا بعون الله من إنتاج هذا الموديل الذي بدأته من قبل في مستشارية الأمن القومي وذلك على مستوى الولاية. وكذلك الموديل على المستوى القومي والذي يهتم بالأمن القومي وأمن المستقبل وعمليات الهندسة الثقافية والاجتماعية والتربوية والنفسية واستراتيجيات البناء المعرفي، فضلاً عن الفكرة الاقتصادية وما يتصل بها من الرؤية الحكيمة لإدارة مواردنا الطبيعية وموقعنا الجيوستراتيجي وأسس تحقيق الارتباط بين الإستراتيجيات الاقتصادية والسياسية والعلاقات الخارجية في إطار الأمن القومي بما يحقق الجدوى الإنسانية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية وضمان حقوق ومصالح الأجيال القادمة، هذا بجانب الفكرة السياسية التي نحقق بها القوة السياسية بما في ذلك توفير المناخ السياسي المطلوب لتحقيق النهضة والتأسيس لسيادة نظام الدولة ومنع الفساد عبر فلسفة ورؤية استراتيجية، فضلا عن الترتيبات الاستراتيجية الخارجية والمطلوبة لتحقيق مصالحنا الوطنية وأمننا القومي.
 

تواصل معنا

Who's Online

627 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search