الحوارات

الحوارات

د. شريف التهامي: بسبب استعجال الصادق المهدي دفعت الديمقراطيات الثمن في السودان

أجراه: مزمل عبد الغفار
لقد تشكلت ملامح الأفق السياسي السوداني قبل استقلاله بفعل خارجي ربما, ولكن ليس بإرادة وطنية خالصة, فتكوين الأحزاب السياسية تم بإشارة من الاستعمار ربما استجابة لرغبة وطنية أو لمحاولة الإبقاء على روح الاستعمار في جسد وطني بعد العام 1947م, فالتشكيل المؤسسي الأول ولد وفي داخله الاختلاف ثم كانت محاولة التحكم عبر الطوائف في تجربة تكوين الأحزاب (الحزب الوطني الاتحادي والأمة), هذه الملامح التي شكلت الأفق السياسي ولدت معها حالة من عدم الاستقرار السياسي لتجارب الحكم الوطني التي استمرت من بعد ذلك والتي لم يحالفها التوفيق في أن تبقى أو أن تستقر هي نفسها أو أن تستقر بالبلاد, فأضحت هذه الدائرة الشريرة متلازمة (انقسامات ــ تمرد ــ انتفاضات ــ انقلابات) هكذا في تجربة الحكم العسكري الأول, والتي نُسبت إلى حزب سياسي بعينه ثم التجربة العسكرية الثانية في مايو 1969م, والتي قدمت ثلاثة أنواع من التجارب السياسية حُسبت على اليسار في بدايتها, ومضت نحو الوسطية في مرحلتها الثانية, ثم انتهت يمينية في أواخر عهدها. فلازم عدم الاستقرار كل تلك الحقب والفترات وما بين التجربة الديمقراطية الثانية والثالثة كان الصراع السياسي على أشده, ومن ثم جاءت الإنقاذ وما زال السودان يمر بمطبات ومحطات شاقة من حيث جمع كلمة القوى السياسية والتأسيس للثوابت الوطنية.. عدد من الأسئلة والاستفسارات كانت حاضرة في حوار المراجعات الفكرية والتاريخية الذي أجريناه مع الدكتور شريف التهامي قطب حزب الأمة الوزير الأسبق للطاقة والري في مايو والإنقاذ, فبدأنا هذه الحلقة الثانية بالسؤال:
> لقد دخلتم في الأنظمة العسكرية بدايةً عبر المصالحة الوطنية مع نظام مايو تلك المصالحة التي كان يتقدمها الصادق المهدي والذي كانت تجربته مع مايو أقل ما توصف بالكر والفر والتردد، تلك الحالة أعادت للأذهان بعض الشيء ذلك عندما نقلّب واقع اليوم والأمس، فالصادق المهدي كان من أول المؤيدين للحوار الوطني مع الحكومة وهو في قلب الحوار غير أنه الآن وبعد زمن وجيز صار معارضاً بنسبة كبيرة، فهل ذاك التناقض والتردد مع جعفر نميري ومايو يتكرر الآن مع البشير والإنقاذ؟
< هذا سؤال صعب وشخصي جداً، فأنا كنت الظهير الثاني مع الصادق المهدي في الحوار والمصالحة مع مايو في وجود د. عبد الحميد صالح ود. عمر نور الدائم، وأنا كنت من أقرب الناس للصادق المهدي في ذاك الحوار وتلك المصالحة التي تمت مع جعفر نميري، وكنا وقتها مع الشخصيات التي ذكرتها نمثل العناصر المعنية بالمصالحة وقتذاك، وبالفعل تفاوضنا في هذا الشأن وبنفس الطريقة التي فشلت بها المصالحة في مايو من عدم إتيانها بنتائج مرجوة بدأ يتضح ذلك أيضاً في الحوار الذي جرى من حيث السمات، فالمصالحة مع مايو كانت مبنية على أسس واضحة جداً، ونحن كمعارضين قبلنا بالحوار وذلك بعد فشل الحركة العسكرية في العام 1976م فالصادق المهدي وقتها كان راغباً في الحوار ولكن في الآخر لم يستطع أن يمضي في الحوار مع مايو للأمام، ودخلنا في المشاركة مع النظام وكان أكبر همنا وشغلنا الشاغل هو ألا ينفلت الأمر من الأيادي، أي أن الأمور بقدر الإمكان يجب أن تسير إلى الأمام، إلى أن جاء خطاب الصادق المهدي في خطبة العيد الشهيرة وقتذاك والتي سمى فيها القوانين الإسلامية بقوانين سبتمبر أي تاريخ إعلانها، تلك الخطبة التي أغضبت جعفر نميري كثيراً وأدت إلى اعتقالات، ومن سخرية القدر أنه عندما سقط نظام مايو وجاء الصادق المهدي رئيساً للوزراء استمر يحكم بنفس هذه القوانين طيلة فترة حكمه.
> كيف هي علاقتك الأنصارية إبتداءً؟
< نحن منذ النشأة عشنا في كنف الأنصارية التقليدية، وبالتالي لم يتم تجنيدنا لذلك، والعلاقة إذا اُحتسبت وفقاً للحسب والنسب والأسر أو إذا احتسبت بالالتزام للكيان الأنصاري وعطائه في الفترة الماضية فنحن ملتزمون، ولكن نحن لنا في الجانب الآخر تجربة مع السيد الصادق المهدي فاشلة وليست ناجحة، فأصبح بالتالي ليس في استطاعتنا ترك حزب الأمة، وحتى إخواننا الجبهجية هؤلاء يعلمون ذلك، فلم نخلع عباءة حزب الأمة ومازلنا قيادات أنصارية ومتمسكين بأنصاريتنا وحزب الأمة ، ولكننا لسنا مع الصادق المهدي ولا نقف مع جناح حزب الأمة الذي يقوده ولن نذهب إليه ولا معنيين به.
> طموحات الصادق المهدي واستعجاله هل هي التي أضاعت الديمقراطيات في السودان على الأقل الديمقراطيتين الثانية والثالثة؟
< بالطبع لا يوجد هناك مانع في أن يكون للإنسان طموحات، ولكن الاستعجال في تنفيذ الطموحات هو السبب في كل ذلك، فانقسام حزب الأمة وسقوط حكومة محمد أحمد المحجوب كان هو السبب الأساس في سقوط الديمقراطية الثانية، كل ذلك من أجل أن يكون الصادق رئيساً للوزراء في وقت مبكر.
> إذن الديمقراطيات في السودان دفعت الثمن لأجل ذلك؟
< من أجل أن يحقق الصادق المهدي طموحاته في رئاسة الوزراء دفعت الديمقراطيات الثمن في السودان، ولذلك فإن سقوط محمد أحمد المحجوب ومجيء الصادق المهدي بديلاً له لم يكن إشارة مشرقة في تاريخ حزب الأمة السياسي، وللحقيقة والتاريخ نقول إن الإمام عبد الرحمن هو المؤسس لكيان الأنصار في عهده الجديد، وحتى قبل الانتفاضة التي اقتلعت حكم مايو بشهر أنا أسهمت إسهاماً كبيراً في إطلاق سراح الصادق المهدي من الاعتقال، ولكنه عندما جاء رئيساً للوزراء في فترة الديمقراطية الثالثة تنكر لنا وكانت المكافأة أن تم اعتقالنا في الفترة الانتقالية ولم يسجل لنا زيارة في السجن البتة، فالصادق المهدي حسب تجربتنا معه ليس له وفاء.
> الصادق المهدي ظل يتحدث عن الديمقراطية على الدوام وينادي بها، فهل لمست ذلك ترجمة على أرض الواقع؟
< كما ذكرت، فإن الحكومات التي تولى مهامها الصادق المهدي كانت فاشلة ولم تنجز أو تنجح، فأداؤه السياسي بائس، وإذا عدنا وتحدثنا عن الديمقراطية الثالثة فنرى أن حكومة الديمقراطية الثالثة كانت من أفشل الحكومات والتي لم تنجز شيئاً وأفضت إلى انقلاب الإسلاميين.
> كيف يمكن أن ينصلح حال الممارسة السياسية في السودان؟
< بالانضباط والالتزام بالخطوط القومية وليس الخطوط الحزبية الضيقة، ولا بد من المراجعات هنا في كل شيء، فالأوضاع الآن هناك أزمة اقتصادية عميقة تتطلب جهوداً قومية كبرى ووفاقاً حتى نخرج بالسودان من الوضع الذي فيه، فالإنقاذ إلى الآن هي في الحكم ولكن الخلافات التي دارت بين الإسلاميين أدت إلى التصدع، وانقسام الإسلاميين لم يجعل الأوضاع تسير للأمام.
> بوصفك وزيراً أسبق للطاقة والتعدين ولعل البترول قد تفجر في عهدك إبان فترة مايو، فلماذا صار ذاك الحدث نقمة على أهل السودان بدلاً من أن يكون نعمة فأورث الشقاء، ولماذا كانت هي فرحة لم تكتمل؟
< البترول ليس نقمة بل هو نعمة، لكن التحولات السياسية جعلت هناك مشكلات غير مريحة لشعب السودان الشمالي، فالبترول كان هو عملنا من ناحية فنية وإدارية وناحية سياسية، فنحن ذهبنا في هذا الطريق وهذا المضمار إلى أن سلمنا جعفر نميري قارورة البترول وذهبنا به إلى بئر أبو جابرة وأنا حينها كنت أعتقد أننا قد وصلنا، وما كنت أتصور أن الجنوب سيذهب بخروج البترول لأنني كنت أعتقد أن هذه النعمة مشتركة ولمصلحة الناس كلهم، ونحن كما قلت لك ملتزمون للسودان وبكل التقاليد، وملتزمون أيضاً بأنصع ما جاء به الإمام المهدي. وعندما شاركت في مايو كان نميري كثير الاهتمام في أن أكون قريباً منه خاصة في موضوع البترول، وفي تلك الأثناء أعلنت شركة شيفرون عن بئر أبو جابرة (1) والتي أنتجت وقتذاك خمسمائة برميل في اليوم، وكان يعتبر وقتها ذاك الإنتاج من المتوسط، بعدها جاءت بئر الوحدة (2) والتي أنتجت أكثر من عشرين ألف برميل في اليوم، فأصبح جعفر نميري كثير الاهتمام بالاكتشافات البترولية إلى أن جاءت المشكلات الخاصة بنا ككيان أنصار باعتبار أنني نابع من هذا الكيان أي من الخلفية الأنصارية، فتعامل معي جعفر نميري بجدية شديدة وتم حل الكثير من المشكلات الأنصارية الكبيرة والمستعصية، أيضاً من إنجازاتنا منجم أرياب للذهب، حيث أعجب نميري كثيراً بالجهود التي تمت على صعيد البترول والذهب.
> لماذا لم تسع لتكوين حزب؟
< مع احترامنا لكل الشخصيات التي تضطلع بالدور السياسي، ولكن مضى الزمن بالنسبة لجيلي هذا على القيام بمثل هذا الدور (تكوين حزب)، فلقد عملنا كثيراً وعبر مسيرة طويلة في مجال السياسة والعطاء العام بما فيه الكفاية، والآن تبقى لنا الهدوء والنظرة المستقبلية للدفع بالشباب لما فيه استقرار السودان ووحدته.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

580 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search