الحوارات

د. محمد الهاشمي الحامدي لـلإنتباهة

حوار: عبد الرؤوف طه
ظهر مدير قناة المستقلة اللندنية التونسي محمد الهاشمي الحامدي بشكل لافت في احتجاجات السودان الأخيرة منافحاً عن الحكومة السودانية ومهاجماً لتجمع المهنيين السودانيين..(الإنتباهة) استنطقته لمعرفة سر هذا الهجوم، فخرجت بالمحصلة التالية:
> ظهرت بشكل لافت في احتجاجات السودان مدافعاً ومرافعاً عن الحكومة.. ماسر هذا الدفاع؟
< صفحتي في تويتر قديمة من صيف 2014م يتابعها أكثر من 200 ألف قارئ وقناة المستقلة أقدم منها ولي أيضا بحمد الله صفحة رسمية في فيسبوك يتابعها حوالي 800 ألف شخص. وفي هذه المنابر أعلق على أهم الأخبار والأحداث في العالم العربي لكن من الواضح أن جمهورا أوسع في السودان اهتم هذه المرة بما أنشره فيها عن السودان وإلا فإن مواقفي في الشأن السوداني قديمة ولم تتغير
> تتدوال مجالس المدينة السودانية بان الحكومة دعمتك مالياً سابقآ وساهمت في انشاء قناة المستقلة دفاعك هذا يعتبر رد جميل للحكومة ؟
< المستقلة، كصحيفة، ثم كقناة فضائية، حصلت على اشتراكات وإعلانات من عدة دول، مثل السودان والسعودية والإمارات وقطر. السودان أول من أعلن في المستقلة. لكنني لا أتخذ مواقفي السياسية كرد جميل لهذه الدول المُعلِنة. على سبيل المثال، قيمة إعلان واحد حصلت عليه قناة المستقلة من شركة اتصالات سعودية، ولمدة سنة واحدة، اثنين مليون دولار أمريكي. مبلغ كبير ومع ذلك أنا اليوم أنتقد السياسات السعودية بشدة. عندي ميزان أفضل وأعدل من المال، هو ميزان الحق، ميزان الشرع. في كل مسألة أعلق عليه أحاول أن أتخذ الموقف الذي أظنه أنه يقربني إلى الله زلفى وينفعني يوم القيامة. هذا ما أحرص عليه .
> الشاهد ان قيادة الحكومة الحالية هي التي فاصلت الترابي وهو الشخص الذي دعمك معنويا لماذا لم تناصره بقوة ابان المفاصلة وناصرت جناح القصر؟
< أحب الدكتور حسن الترابي رضي الله عنه وأعتبره مجددا فذا في الفكر الإسلامي المعاصر، ومناضلا صلبا من أجل الإحياء الديني في العالم كله. عندما صوّت المجلس التأسيسي في تونس مطلع 2014 بأغلبية كاسحة ضد مقترحي باعتماد الإسلام المصدر الأساسي للتشريع في الدستور التونسي الجديد، وصوّت ضده أيضا نواب حركة النهضة الإسلامية خوفاً من تبعات التصويت له أو تودداً للغرب ولليساريين، أدركت كم كانت مهمة الدكتور الترابي صعبة وشاقة وعظيمة في السودان، وفريدة واستثنائية. السودان اليوم من الدول القليلة جداً في العالم الإسلامي التي يمنع دستورها ونظامها سنّ أي قانون يعارض أحكام القرءان الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهذا أمر عظيم جداً، وضخم جداً في عصر الازدراء بالأديان والإعراض عن شرائعها وهذا قطعاً، الفضل الأكبر فيه بعد الله عز وجل للحركة الإسلامية الحديثة في السودان، ولمناضليها ومناضلاتها الصادقين، بقيادة الدكتور الترابي رضي الله عنه ورحمه وغفر له وعندي رأي آخر، هو أن الرئيس عمر البشير من أنجب تلاميذ المدرسة الفكرية والسياسية للدكتور حسن الترابي الخلاف الذي صار بينهما لم أكن طرفا فيه، وقد أحزنني، لكني راقبته من بعيد، أصبّر نفسي دائما عندما يأتيني خبر متصل به بقول الله تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمون"
> كيف تنظر لمستوى الحريات في السودان؟
< عندما أرى قادة المعارضة السودانية، يلتقون في الخارج بقادة حركات مسلحة تقاتل الجيش السوداني، ثم يعودون إلى الخرطوم آمنين، وأحزابهم مسجلة، ودور أحزابهم مفتوحة، وعائلاتهم لا تضام بسبب أنشطتهم الحزبية، أقول إن كل منصف في العالم سيشهد للسودان بأن الحريات السياسية المتاحة فيه لا يوجد مثلها في 99% من الدول العربية الأخرى. لا أريد إحراج صحيفتكم، وإلا فإن بوسعي أن أقارن الوضع في السودان بدول عربية أخرى كثيرة يعرفها السودانيون جيداً وضع الحريات السياسية فيها تحت الصفر تقريباً. ولعلمك، لو حكم الشيوعيون السودان غداً لكرروا ما فعلوه بعد انقلاب مايو 1969 من عسف وقمع وبطش دموي ولتبنوا سياسة استئصالية فاشية تجاه عموم الإسلاميين والمحافظين في السودان. أسأل الله أن يحفظ السودان العزيز من فكرهم وسياساتهم.
> كيف ينظر العالم الخارجي للتظاهرات في السودان خاصه بريطانيا ومؤسساتها الإعلامية؟
< في الإعلام البريطاني المحلي، الذي يتابعه الجمهور البريطاني، لا يوجد اهتمام يذكر بالمظاهرات في السودان. وفي الأوساط السياسية، أظن أن الأوروبيين يعرفون من سفرائهم في الخرطوم أن ما تحاول بعض القنوات العربية الخليجية توصيفه بثورة، ليس بثورة، ولا يحظى بتأييد السودانيين، أقصد أغلبية السودانيين.
> ألا تخشى أن تخسر وُد الشعب السوداني لك مقابل كسب علاقات متينة مع حكومة السودانية؟
< أنا متأكد أنني أبث على موجة الشعب السوداني وأدافع بصدق ومحبة عن مصالحه، وأنا أفعل ذلك لأنه واجبي الشرعي والأخلاقي تجاه بلد أحبه وأعشق أهله كنت في الخرطوم في مطلع يناير الماضي وتنقلت الى عطبرة وشندي ومدني وحضرت مظاهرة 9 يناير في الساحة الخضراء، فأنا متأكد أن الأغلبية الساحقة من السودانيين لو دُعيت لاستفتاء شفاف تُشرف عليه الأمم المتحدة، لفضلت النظام القائم على تجمع المهنيين والشيوعيين والحركات المسلحة. السودانيون يرون كيف أصبحت الدولة اليمنية خبراً ماضياً، وكيف أصبحت ليبيا ثلاث دول و30 ميليشيا مسلحة، ويعرفون أنه لو سقط النظام ودخلت الحركات المسلحة الى الخرطوم، فسيصبح التنقل بين بحري والخرطوم مغامرة مرعبة في الصباح ومغامرة أكثر رعباً في المساء. ويعرف السودانيون أن الشيوعيين والحركات المسلحة سيأتون بالعلمانية المتطرفة على الطريقة التونسية، وطريقة الدول الشيوعية المسلمة في أوروبا الوسطى، ويعرفون أيضاً أنه لا يوجد ضمان واحد لتحسن أوضاعهم الاقتصادية.
 انظر لتونس التي يدعمها الغرب والشرق، وقطر والسعودية وليس عليها عقوبات مثل السودان ومع ذلك هي اليوم مهددة بالإفلاس.
> لديك علاقات واسعة مع قيادات الحركة الإسلامية بالسودان بكل مسمياتها، هل من تواصل مع قادة الشعبي والوطني وغيرهم؟
< تعجبني كثيراً فكرة الحوار الوطني في السودان. وآخر مرة التقيت فيها الدكتور حسن الترابي رضي الله عنه في بيته الذي أحبه وأعشقه، في سبتمبر 2015، قبل وفاته بأشهر، وجدته متحمساً بشكل كبير لهذا الحوار، حريصاً على نجاحه. وسمعت منه كلاماً جميلاً في الرئيس عمر البشير. لم أجد في حديثه أي أثر لحزازات المفاصلة. أنا أرجو أن يمضي السودان قدماً في هذا الاتجاه، اتجاه الحوار ولم الشمل وتكوين جبهة واسعة عريضة أكبر من حزبي المؤتمر الوطني والشعبي، ولكن تجمعها معاً داخل هذه الجبهة، نصرة للدين، ونصرة لشعب السودان الرائع الغالي، الذي نصر الدين، ونصر الحق والعدل، ويستحق من ساسته أن يخدموه برموش عيونهم .
> ولكن ما يحفظ في الأرشفة عكس حديثك هذا؟
< بالمناسبة، إذا أعادت قناة الجزيرة بث أية تصريحات قديمة للدكتور الترابي من وحي مرارات المفاصلة، فإنها منسوخة بما أنقله لكم عنه في لقائي به في سبتمبر 2015، قبل وفاته بأشهر قليلة، بحضور الأخ العزيز محمد الفاتح أحمد حسن رئيس تحرير جريدة (الأهرام اليوم).
> الي أي مدى يمكن أن يتوحد الإسلاميون في السودان؟
< أرجو أن يتوحدوا في جبهة وطنية وسطية معتدلة واسعة تضمهم جميعاً، وإن بقوا مختلفين، فليختلفوا بطريقة حضارية، ويكونوا أوفياء للدكتور الترابي الذي دعم الحوار الوطني قبل وفاته بحماس، ودعم التقارب مع الرئيس البشير ومع المؤتمر الوطني.
> هل ثمة أيادٍ خارجية لعبت دوراً فاعلاً في مفاصلة الإسلاميين؟
< كانت هناك أيادٍ خارجية نعم، ولكن كانت هناك خلافات داخلية وهي السبب الأهم فيما جرى. طبيعة البشر من أول الدنيا أن يختلفوا، وخاصة إذا كانوا في السلطة. عندما تعود لقراءة تاريخ بني أمية وبني العباس وسلاطين آل عثمان، ستجد هذه الخلافات في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي. وستجدها في التاريخ الأوروبي أيضاً والتاريخ الصيني، والكمال لله وحده..
> في تقديرك لماذا كانت تغطية قناة الجزيرة أكثر انحيازاً للشارع السوداني رغم العلائق القوية بين الدوحة والخرطوم؟
< سؤالك فيه توصيف للواقع لا أوافقك عليه. وأحسب جميع الذين شاركوا في تحركات تجمع المهنيين واجهة الشيوعيين من 13 ديسمبر إلى اليوم، ثم انظر بالآلة الحاسبة كم نسبتهم للذين شاركوا في تجمع الساحة الخضراء يوم 9 يناير الماضي، أو الذين حضروا خطاب الرئيس البشير في كسلا أو في ملعب الأبيض. ستجدهم أقلية قليلة. ستجد الشارع السوداني قطعاً ويقيناً مع الأمن والاستقرار في السودان، ومع أطروحة الرئيس البشير ونظامه بأن الوصول إلى السلطة مشروع بشرط أن يكون عبر صناديق الاقتراع. لهذا فشلت جميع المواكب الكبرى التي دعا لها الشيوعيون بواجهتهم تجمع المهنيين رغم الأسماء الرنانة التي أعطوها لتلك المواكب. الشعب السوداني أوعى ألف ألف مرة مما يظن الشيوعيون وقادة الحركات المسلحة. والشعب السوداني يعرف أن جيشه الوطني الذي دافع عن الأرض والعرض منذ الاستقلال إلى اليوم، وما يزال يفعل بذلك ببسالة منقطعة النظير، مستهدف من الحركات المسلحة. فكيف يقف مواطن مع المتمردين ضد جيشه الذي يضحي بالغالي والنفيس ليحميه؟ والشعب السوداني يعرف أيضاً أن حكام البلاد اليوم، الرئيس عمر البشير ومساعدوه والقوات المسلحة السودانية، لم يمنعوا الشيوعيين من الترشح للانتخابات والمنافسة على السلطة. ولم يغلقوا باب الصلح والحوار أمام حاملي السلاح. فلماذا الإصرار على خيار الفوضى والمغامرة بكيان الدولة السودانية كله؟؟ التفسير الوحيد أن هناك منطلقات استئصالية متطرفة تقود الشيوعيين والحركات المسلحة، والتوجه الاستئصالي بطبيعته توجه فاشي وانقلابي ووصفة مؤكدة للحرب الأهلية. أسأل الله أن يحفظ السودان العزيز من شره.
> هل لمسألة صراع المحاور دور في توجه الجزيرة الحالي ضد الحكومة؟
< الجزيرة هي حكومة قطر. قبل عامين كانت مع السعودية ومع الحرب في اليمن. تغيرت سياسة السعودية تجاهها فتغير موقف الجزيرة 180 درجة. وفي رأيي أن حكومة قطر أخطأت الحساب في تقييم الوضع السوداني الراهن، وأن النظام الحاكم في السودان أكثر قوة وأمناً واستقراراً من النظام القطري.
> كيف يمكن لحكومة الخرطوم أن تتجاوز الأزمة الحالية؟
< الرئيس عمر البشير قال في أكثر من مناسبة، إن الوصول الى السلطة متاح لجميع السودانيين ومفتاحه صناديق الاقتراع. وزاد فعرض توسيع دائرة الحوار الوطني إلى آفاق جديدة، ومدّ يده لجميع الحركات المسلحة ودعاها للحوار والسلام. هذا التوجه يسقط أية مشروعية للفوضى والنزعات الانقلابية التي ينطق بها الخطاب الشيوعي الاستئصالي. ومن الناحية الاقتصادية، الرئيس البشير أحسن اختيار رئيس الوزراء الجديد الدكتور محمد الطاهر إيلا، وأتوقع له نجاحاً كبيراً بحول الله في حل أزمات الوقود والدقيق والنقود وتسخير الثروات الزراعية والمعدنية لنهضة اقتصادية سودانية وطنية خالصة لا تكون مرهونة لأية دولة خليجية أو غير خليجية. وفي كل الأحوال، لدي اعتقاد جازم أن الله تعالى هو وكيل الشعب السوداني العزيز وحافظه وناصره ما دامت راية الدين في السودان مرفوعة عالية خفاقة. فإنه تعالى قال وهو أصدق القائلين: "يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم". هذا وعد الله، فمن أصدق من الله قيلاً؟..