mlogo

الحوارات

الحوارات

رئيس مجلس المحاسبين د.محمد حسن أزرق لـ(الإنتباهة):

حوار: عبدالله عبدالرحيم تصوير متوكل البيجاوي
 ظلت الأزمة الاقتصادية وندرة السيولة التي تعاني منها البلاد، عقبة كؤود أمام التطور والنماء وقد ألقت بظلالها السالبة على وضعية اقتصاد السودان عالميا شهدت البلاد على إثره تدنياً وتنازلا مستمرا للعملة الوطنية مقابل العملات الخارجية . كما ألقت الأزمة بأعبائها الثقيلة على المواطن البسيط ما أدت لدفعه للتعبير عن ذلك بسخط وطريقة سالبة لم ترتضيها الحكومة. التدني والتدهور الاقتصادي الخطير دفعنا للجلوس للخبير الاقتصادي د. محمد حسن أزرق رئيس مجلس المحاسبين السودانيين الجهة التي ترى نفسها أكثر أمانة في مراقبة المال العام وكيفية تطويره وإدارته بصورة وطريقة علمية ممنهجة، كما كشف خلال اللقاء أهم أسباب الفساد والفشل الحكومي في إدارة الموارد المتاحة والمال العام، ووضع أزرق خارطة طريق للخروج من هذه الأزمة وروشتة قال إنها إذا ما طبقت سليماً فإن رجوع السودان لطريق التنمية سيكون سريعاً ولا محال. هذا وغيره في هذه المساحة التالية:-            
> كيف تقرأ مجريات الساحة الاقتصادية اليوم ومسببات الانهيار الكبير الذي واجه العملة الوطنية؟
< خلينا نتكلم ببساطة ونقول إن ما يجري في الواقع الاقتصادي اليوم وباتفاق كل الناس، أن هناك أزمة اقتصادية حادة، وهناك مشكلة متشعبة في الكثير جداً من الجوانب انعكست على أن المواطن لم يستطع تحمل جزء من الضغط وقع عليه فخرج يعبر عنه بتلك المظاهرات. وكون أن يكون هناك مشكلة اقتصادية ذلك يؤكد بأنها حاجة طبيعية في حياة الإنسان والدول، فقد حدثت مشكلة في إيطاليا في 1914 - 1934 وتركيا أيضا كانت بها مشكلة اقتصادية كبيرة جداً والبرازيل وأمريكا في 2012 ايضا كانت بها مشكلة اقتصادية، فكون يكون هناك مشكلة حاجة طبيعية لأنه جزء من النشاط الإنساني الذي يؤثر فيه بعض التقديرات والمؤثرات الخارجية عندما تكون العوامل أكبر من تخطيطه، لكن القضية الحقيقية هي كيف أننا يمكننا التعامل مع المشكلة.
> دكتور أشرت إلى أن الأزمة ناتجة عن نشاط إنساني، وهنا سوال يطرح نفسه، ما هذا النشاط الذي صار من بعد  أزمة اقتصادية بهذا الحجم؟
< دعنا نثبت المبدأ الآتي أن الموارد المتاحة لكل مجتمع بتقديرات ربانية كافية لهذا المجتمع، بعد هذا إدارة هذه الموارد هي التي تتسبب في المشكلات الاقتصادية ومسبب الأزمة هو عدم إدارة الموارد بشكل رشيد مما خلق هذه الأزمة الاقتصادية، وما لم يتم إدارة الموارد بشكل رشيد سوف نظل في هذه المشكلة لن نبارحها إطلاقاً مهما اتخذنا من مواقف.
> إذن كيف يمكننا إدارة الموارد بشكل سليم في ظل هذه الظروف القاسية؟؟
< لدينا مشكلة الآن في عدم وجود التخطيط السليم لاستغلال الموارد المتاحة بشكل جيد، وكذلك التنفيذ والرقابة الكلية في تنفيذ المشروعات ما كان بالشكل السليم، وعندما حدثت المشكلة والأزمة لم يكن هناك محاسبة لمرتكبي التجاوزات ولا الردع، وتجمعت كلها مع بعض وأدت لهذا الانفجار. لو أننا عالجنا مشكلتنا الاقتصادية بشكل جيد وقمنا بمحاسبة المفسدين ما كان حصل لنا ما حصل. أما القطاع الخاص في السودان اليوم ورغم تأثره بما يجري في القطاع العام، إلا أنه يمضي بصورة طيبة ومن لم يستطع التواءم مع الوضع من رجال الأموال غادر بماله لدول الجوار مستثمراً. لذلك كله أقول لك إن مسببات الأزمة الاقتصادية نتاج طبيعي لسلوك غير راشد للتعامل مع الموارد المتاحة للدولة.
> هناك خطوات محاسبة وآليات شكلت لمحاربة المفسدين ولكنها فشلت؟
< المحاسبة هي علم يهتم بتنظيم القطاع البشري العام والخاص وفق مبادئ نزاهة وشفافية ومسؤولية وموضوعية ونحن المحاسبين لدينا 256 معيارا وقانونا ينظم الحركة المالية، فيها معايير دولية ومعايير القطاع العام وافقت الدولة على تطبيقها ومعايير إسلامية، وكلها تنظم الحركة المالية في القطاعين ومشكلتنا الأساسية في الوضع الذي نعيشه أن الحديث عن سوء إدارة وعن إصلاح الدولة ومعاش الناس، وكلها ترتكز على توزيع الموارد المتاحة بشكل يتناسب بقدر من النزاهة والموضوعية والعدالة، والدولة وضعت برامج كبيرة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وما يهمنا فيها كمحاسبين هي الخطوة التي اتخذها مجلس الوزراء في اعتماده موازنة البرامج والأداء، وما قبله من برامج لإصلاح الدولة كانت كلها برامج ذات طابع سياسي أكثر من أنها طابع مالي. وافتكر أن الخطوة الأساسية لمعالجة أزمتنا على المدى البعيد هو اعتماد الدولة لموازنة البرامج والأداء وفيها أن الدولة تعتمد استراتيجية كلية للسودان تشمل القطاعين العام والخاص يقوم فيها المحاسب بمتابعة تنفيذ المشاريع والموارد المالية التي يجب أن توظف بشكل سليم ولا يترك الأمر للسياسيين أبداً وفيها يقوم بالمعالجة الفورية لأية مشكلة أو انحراف ولا يترك للمدى البعيد.  
 في حالة أي تدخل سياسي أو غيره لتعطيل أمر المعالجة يحال الأمر للهيئات الأخرى داخل المنظومة المحاسبية عبر المراجع العام والخارجي وفق مفاهيم يجب أن يقوم مجلس المحاسبين بنقلها وتنوير الكل بها لأن المال لا يتبخر ولابد أن يكون المجتمع فاهماً دور المحاسبين.
> هل ترى يا دكتور أن دور المحاسب كان مهمشاً في الخطط المالية للدولة؟
< ما كان هناك فهم لطبيعة ودور المحاسب، ولك أن تنظر للقطاع الخاص الذي يمضي بثبات لأنه ظل يستوعب المحاسبين الأكفاء بعكس القطاع العام الذي به مشاكل أدت للأزمة لاستيعابه غير الأكفاء.
> هل الموازنة التي اعتمدها مجلس الوزراء وتضمنت البرامج والأداء كافية للخروج بالسودان من هذه الأزمة؟
< الموازنة كمنهج حقيقي وممتاز جداً لأنه يعتمد على توظيف الموارد بشكل علمي ودقيق جداً، ولكن لا يمكن ان تتم في يوم أو يومين ومحتاجين لفترة زمنية وقلنا أنها تحتاج لكادر متخصص وبنية وتفهم وحتى المجتمع أنت عودته لطريقة صرف غير منهجية والآن نريد وضعه في طريقة صرف منهجية، لذلك الأمر يحتاج لتفهم من السياسيين وغيرهم، والموازنة كمنهج جربته الكثير جدا من الدول وخرجت به الى بر الأمان بعد أن أحكمت القبضة على الموارد ووظفتها بشكل جيد، وهو يعمل على ولاية الدولة على المال العام وعبرها نستطيع محاسبة كل شخص مهما كانت وظيفته.
> كخبير ومراقب اقتصادي هناك تذبذب صاحب عملتنا الوطنية مقارنة بالتصاعد المستمر للعملات الأجنبية؟
<  ما في طريقة نبتعد عن المحاسبة، فالتذبذب رقمي والمسببات الأساسية لقياسه رقمي، فالمشاكل موجودة منذ البداية في سعر صرف العملة الوطنية مقارنة بالعملات الأخرى وضعف القوة الشرائية لعملتنا هو الذي يؤدي إلى تدهور عملتنا من خلال ضعف الانتاج الذي لا نملكه كافياً، وعدم التوظيف الجيد للموارد المتاحة بشكل جيد قياسا بمتطلباتنا. فنحن نستهلك أكثر مما نملك ولذلك لابد من أن نتبع منهجا محاسبيا سليما لتوظيف مواردنا بشكل سليم بالإنتاج أكثر من المصروفات.
> قلت إن المؤسسات الخاصة نجحت وبالمقابل هناك خلل في القطاع العام ما هي الأسباب التي تؤدي لذلك هل للوسطاء مثلاً دور ؟
< نحن كمجلس لدينا رصد للجامعات الكبيرة العشر التي تستوعب أميز طلاب الشهادة السودانية على مدى الـ(25) سنة الماضية، التوظيف في القطاع العام لم يتجاوز منهم الـ(1%) فمنهجية القطاع العام في التوظيف ضعيف جداً، في القطاع العام ليس لدينا فيه كفاءات كافية، المحاسب المميز والمؤهل مثل حملة الزمالات السودانية والبريطانية والأمريكية تكلفته عالية، والدولة لم تبن منهجها على تحليل المنفعة والتكلفة، سابقاً يتم التعيين للمحاسبين بطريقة فيها تجاوز كبير جداً لذلك كل الناس مجمعون على وجود الفساد. وإذا تفحصت تقرير الشفافية العالمية تجد ترتيب السودان 175 من أصل 183 دولة مسجلة ولديها مؤشر فأسكورنا أو معدل شفافيتنا يعادل 16% وينخفض أحياناً إلى 11%، وهذا يوضح ان القطاع العام فيه مشكلة كبيرة جداً وأداؤه ضعيف، والموارد فيه لا توظف لرفاهية الشعب وكلما قام بضخ موارد، قلت نسبة رفاهية الشعب وهذا يؤدي إلى زيادة درجة الغبن ويقوده هذا للتعبير بطريقة سالبة ضد الدولة.
>  وبماذا تنصحون الحكومة؟؟
< نحن في تقديرنا الشخصي نقول إن الدولة محتاجة للاهتمام بالكادر المالي بحيث أنها يكون عندها نظام مالي مقتدر وقوي، فضعف القطاع العام يؤدي إلى هروب القطاع الخاص وتعطيله، لذلك لابد من تأهيل الماليين بشكل جيد وهنا يأتي دور المجلس ولذلك نحن مهتمون بالمنهج الذي يدرس في الجامعات ولذا لدينا مشروع قومي للتقويم والاعتماد.
> ما دوركم أنتم في تنظيم مهنة المحاسبة؟
< نحن مهمتنا منح خريجي المحاسبة الرقم المحاسبي عبر خطوات كثيرة يتبعها المجلس. ومن بعد لدينا مجموعة معايير محاسبية في القطاعين يتم تطبيقها بشكل محكم وعدم تطبيقها يؤدي إلى مشاكل كبيرة جداً خاصة في منظومة البنوك. ومن ثم لدينا لجنة مسؤولة عن الرقابة والجودة، فالمحاسب يمكنه ان يخطئ ويتجاوز مما يجعلنا نفعل المحاسبة وساعيين مع الدولة لإيجاد قانون يحمي المحاسب لأن ظهره مكشوف ويضبط عمله.
لدينا لجنة علاقات خارجية ترتبط بالمجالس الأخرى فنحن نتبع للاتحاد الدولي للمحاسبين والمنظمات الافريقية والمجالس الشبيهة بالدول الاخرى. لدينا الزمالة السودانية وهي مؤهل مهني يمنح وفق شروط معينة وإجراءات ولدينا (14) مادة يمنحها المجلس والزمالة السودانية وهي مؤهل مهني يمنح وفق شروط معينة وهي أرفع شهادة مهنية في مجال المحاسبة في السودان ومعترف بها في الدولة ومن يحرزها يوضع في درجات عالية جدا في السلم الوظيفي. وكان لدينا مشروع مشترك مع الزمالة الملكية للمحاسبين القانونيين البريطانية وكان الخريج السوداني يعفى من المرحلة الأولى والثانية ويمتحن فقط في بريطانيا في الأخيرة فقط ولظروف ما سحبت بريطانيا الاعتراف منا في عام 2004 ولكن الآن الخطوات تمضي لإعادة الاعتراف.
> ما أسباب سحب الاعتراف من الزمالة السودانية؟
< هي شروط مهنية بحتة متعلقة بالمنهج ولا علاقة لها بكفاءة المحاسب السوداني وإنما ناتجة عن سياسات اتخذتها الدولة والسياسات التي اتخذها المجلس التي تتعلق بالامتحانات، هي شروط معينة (1،2،3) نفذتها يتم الاعتراف بك، الآن عندنا مجالس معترف بها مثل المجلس الطبي وعلى مستوى العالم فالزمالة الطبية السودانية معترف بها عالميا والآن واحدة من اهتمامات المجلس إرجاع الاعتراف بزمالة المحاسبين السودانيين. وزمان كان يسجل عندنا (17) الف طالب الآن هناك تسجيل لـ(10) آلاف طالب وإذا تم الاعتراف يمكن أن يصل عدد الطلاب لخمسين الف طالب محاسبة. وللمجلس دور كبير جداً في تحسين بيئة العمل والتدريب بالنسبة للمحاسبين فإذا قمت بتأهيل المحاسب بشكل جيد يمكن للمخدم أن يدفع له المبلغ الذي يريده. والمحاسبون الآن يعملون في مراكز كبيرة جدا ووظائف فمدير شركة كنانة الآن محاسب.
>  ما هي التحديات التي تواجهكم كمجلس محاسبين ودولة للحد من الأزمة الاقتصادية وتدهور المال العام؟؟
< واحدة من المشاكل التي تواجهنا الوصول لفهم مشترك وتوعية المواطن نفسه، فالمجتمع السوداني يريد منا جهد كبير جدا لإيصال الفهم المالي  لكل أركانه نريد أن يكون هناك محاسب لكل نشاط سياسي أو رياضي أو اجتماعي ودور المجلس كيف يقدر يرتقي بالفهم المالي للمجتمع كله، وثانيا مواكبة التطور العالمي في تطوير المناهج وبيئة التدريس  وترتيب القوانين المنظمة والضابطة للمنظومة المالية في الدولة ككل وتوصيل الفهم بان إدارة المال حاجة أساسية وجوهرية للارتقاء بأي عمل . فالفساد إذا كان إداريا أوماليا مؤثرا وهو في الدرجة الأولى عبارة عن انحراف ومحاربة الفساد لا تتم إلا بالتوعية باعتبار أنه من الأساسيات لتشوه التنمية والحياة ككل. ومهمتنا رفع درجة الوعي للمحاسب ليتمكن من التعامل مع الفساد بصورة أكثر تقدماً.
> بناء على هذا الدور إذن أنتم جزء من آلية محاربة الفساد؟
< نعم نحن جزء من الآلية وجزء من آلية إصلاح الدولة وجزء من آلية توظيف موارد الدولة فيما يعرف بالتبني الجديد لموازنة البرامج والأداء.
> لكن رغم ذلك إلا أن حالة البلاد ما زالت متأخرة جداً في التعافي؟
< لأنه تراكم سلوك على مدى سنين ونحن متفائلون جدا إذا انتهجنا الطريق السليم وفي التاريخ القديم والحديث مكة قبل الرسالة كانت في أسوأ حالات الاضطراب ورغم ذلك أخرجت لنا الصحابة وفي الحديث جنوب إفريقيا وتركيا  وحتى قريبا كانت منهارة ولكنها نهضت سريعا لأنها اتبعت الطريق السليم ولا تستطيع أن تعمل إصلاحا ماليا إلا إذا كان عندك منظومة محاسبية نحن كمجلس سوف نلعب الدور الاساس في هذا.
> هل من حلول إضافية؟
< يمكن تكون هناك حلول سريعة جدا لأن الموارد متاحة ولكن عندنا مشكلة إدارة ولابد من وجود محاسبين يعينون في اتخاذ القرار والبيانات المالية الدقيقة والوقوف مع الدولة فيما يعرف بمحاربة الفساد بشكل قوي جداً وما لم نضع آلية محاربة الفساد بشكل جيد لن نستطيع محاربته عبر القيم الأساسية في المحاسبة لأداء الوظيفة وسوف تكون هناك حلول متوسطة وأخرى طويلة الأجل وتحتاج أيضا لتفهم عام حتى يتم توظيف الموارد بشكل سليم. الدولة محتاجة لعمل إعادة هيكلة للمنظومة القيمية فيما يتعرف بنظرتنا للمال العام الذي له حرمة كبيرة جدا ما لم سنصل لحرمة المال العام ومفاهيمه لن نستطيع التعامل بها وما حيكون هناك إصلاح.
> رؤية المجلس مستقبلياً وما هي الرسالة التي يحملها للكل؟؟
< مجلس تنظيم مهنة المحاسبة لديه رسالة كبيرة جدا وشريحته متغلغلة في كل الشرائح ومحتاجين أن يتفهم المجتمع دور المجلس ويمكنا لأداء دورنا الايجابي في مساعدة الناس لإدارة مواردنا بشكل جيد. وفي ظل هذه الظروف والأزمة جاء الدور لنتقدم الصفوف ووضع النقاط في أسهها السليم في ملفات محاربة الفساد ومنظومة البرامج والأداء بتدريب كل المهتمين على إدارة المال بطرقه السلمية.

تواصل معنا

Who's Online

700 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search