الحوارات

الحوارات

في حوار فوق العادة مع نائب سابق للرئيس السوداني موسس مشار

حوار: ملوك ميوت
الحياة مزيج من العمل والكد والتعب والكفاح، فلا مكان للذين لا يبذلون من الجهد إلا القليل ثم ينتظرون نعيم الحياة الذي لا يوهب إلا للعقلية المنظمة التي تمنح المجتمع تحرراً من مخلفات الجهل، ومن أراد الوصول إلى ذلك المستوى فلا بد له أن يبذل جهداً مقصوداً من أجل تطوير التعليم، وإذا كانت قضية التعليم تشغل الفكر باعتبار أنها أهم قضايا اليوم والمستقبل، فكان لزاماً على صحيفة (الإنتباهة) أن تجري حواراً مع مفكر ورائد من رواد التعليم بروفيسور موسس مشار، الذي كان في السابق يتولى منصب نائب رئيس الجمهورية في حكومة السودان حتى اتفاق نيفاشا 2005م، وخلال مفاوضات السلام الاخيرة التى اجريت في الخرطوم، قام مشار بتولى ممثل للنخب في جولات التفاوض، الا انه ظل يقدم أنموذجاً يحتذى به في كل ما يهم مجال التعليم والعمل على رفع شأن التعليم في أرجاء جنوب السودان، لأن هناك وضعاً مأساوياً يمر به التعليم الابتدائي والثانوي، وما يعانيه التعليم العالي من تدنٍ في مختلف المستويات بعد ان تخلت الدولة عن دعم التعليم، إضافة الى نقص احتياجات المعلمين والمحافظة على حقوقهم، حيث يؤكد البروفيسور مشار ضرورة ان تجرى عملية إصلاح كاملة للتعليم وتضافر الجهود بين المجتمع والدولة، خصوصاً في ظل زيادة عدد الولايات بالبلاد، منبها الى ضرورة سن قوانين ولوائح تشجع تعليم المرأة، وإصدار قوانين رادعة تمنع الزواج المبكر في دولة جنوب السودان.. فالى تفاصيل الحوار:
> ماذا تقول بعد شروق شمس السلام والأمن والاستقرار في جنوب السودان؟
< دولة جنوب السودان كلماتها بسيطة وحروفها قليلة، لكنّها تحمل معاني عظيمة وكثيرة، فهي هويتنا التي نحملها ونفتخر بها، وهي المكان الذي نلجأ له ونحس بالأمان فيه، وهي الحضن الدافئ الذي يجمعنا معاً، وهي نعمة من الله أنعمها علينا، فيجب علينا أن نحميها وندافع عنها ونفديها بأرواحنا وأغلى ما نملك، ونعمل بيدٍ واحدة لبناء الامن والاستقرار والتنمية المستدامة، ومهما تحدثنا لا يمكن وصف الحب الذي بداخلنا لوطننا جنوب السودان، ونشكر الله كثيراً للتوقيع على اتفاقية السلام بين حكومة جنوب السودان والمعارضة بمختلف مسمياتها ومجموعاتها، ونتمنى ان نعمل جميعاً لصالح دولة جنوب السودان الذي عانى فيه المواطن اشد انواع المعاناة، ولم يتمتع بالاستقلال الذي كان يحلم به منذ زمن بعيد. لذلك أقول ان جنوب السودان الوطن شجرة طيبة لا تنمو إلّا في تربة التضحيات، وارتوت بعرق ودم ابناء شعبنا، الى ان جاء السلام الذي سنقطف ثماره في الغد القريب.
> كيف تنظر للآفاق المستقبلية للعملية التعليمية في جنوب السودان؟
< اولاً لا بد ان نؤكد ان التعليم قد تراجع كثيراً في جنوب السودان، خصوصاً بعد الاحداث التي وقعت في عام 2013م واستمرت حوالى خمسة اعوام تدهورت فيها العملية التعليمية تماماً من الاساس للقمة، ولكن الآن وبعد التوقيع على اتفاقية السلام وعودة الامن والاستقرار في ظل حكومة الوحدة الوطنية او الحكومة الانتقالية، نتمنى ان تكون جادة في العمل على تحقيق طموحات شعب جنوب السودان، وتقوم بتأهيل كافة المدارس والمؤسسات التعليمية في جميع الولايات بالبلاد.
> ماهي أهم التحديات التي تواجه العملية التعليمية في جنوب السودان؟
< أهم التحديات التي تواجه العملية التعليمية في جنوب السودان كيفية ايجاد الدعم المادي الذي هو الاساسي للنهوض بالتعليم، اضافة الى انه يجب على الحكومة الا تعتمد على الكادر المحلي في الجامعات، بل ان الاهتمام بالكوادر الاجنبية في العملية التعليمية له اهمية قصوى، ولا بد من الاستعانة بالكوادر الأجنبية في جامعات جنوب السودان لاكتساب خبراتهم الاكاديمية والعملية، وعلى الحكومة ان تستشير المختصين الذين لديهم خبرات طويلة في التربية والتعليم، لأن جنوب السودان دولة مترامية الاطراف، ومن الضروري أن تصل وزارة التربية والتعليم الى جميع المواطنين في مناطقهم النائية ونشر ثقافة اهمية التحاق ابنائهم بالمدارس، وكذلك نؤكد ضرورة العودة الى نظام الداخليات، وتكوين لجنة خاصة للقبول في جميع ولايات البلاد، لأننا نريد ان نبني اجيالاً تؤمن بالوحدة الوطنية، فنظام الداخليات يقرب المسافات بين الطلاب ويشجعهم على معرفة مجتمعاتهم الاخرى، وطالما اصبح في جنوب السودان (32) ولاية نطالب بدعمها مادياً، كما نطالب بعودة المدارس النموذجية حتى يكون هناك اختلاط بين جميع مجتمعات جنوب السودان، وان عملية العودة لنظام الداخليات مكلفة جداً، لكن الوحدة الوطنية لا تقدر بثمن، لأن اختلاط الطلاب يمثل نواة حقيقية للوحدة الوطنية.
> ما هي الأسباب الحقيقية التي ادت الى الجفوة الاجتماعية في جنوب السودان؟
< اولها الحرب، فهي السبب الرئيس للجفوة والفجوة بين الناس التي اصبحت تخاف من بعضها البعض، ثم يقوم السياسيون باستغلال هذا الوضع وتحريض المجتمعات ضد بعضها البعض، ومثلاً وجود الطلاب في الداخليات يخلق نوعاً من الود والمحبة الوطنية بينهم، ومدارس زماننا خير مثال للإلفة الوطنية التي ظلت حتى تاريخ اليوم، فالأجيال السابقة تعلمت في المدارس النموذجية، كما يجب تحديث خطط التدريس ونظم الإدارة وتطويرها والاستعانة بالكادر المؤهل، لتقديم خدمة تعليمية متميزة للطلاب وإكسابهم المهارات المطلوبة في جميع التخصصات، وان تعمل المدرسة بنظام الإقامة الداخلية للطلاب الذين يتم قبولهم من كافة أنحاء جنوب السودان، وتتم العملية التعليمية والتدريبية مناصفة بين وزارة التربية والتعليم والمؤسسات الأكاديمية مع تشجيع التعليم الفني.
> في ظل انشغال حكومة الجنوب بتنفيذ الاتفاقية.. كيف يتم تأهيل البنية التحتية للمؤسسات التعليمية التي تحتاج الى ميزانيات مالية كبيرة؟
< المعضلة الكبرى التي تواجه قطاع التعليم في جنوب السودان الدمار الكبير الذي تعرضت له المؤسسات التعليمية بفعل المعارك التي دارت في أغلب المدن، وتقدر نسبة الدمار بـ 98%، فقد كانت القوات العسكرية تتخذ مؤسسات التعليم معسكرات لعناصرها وسجوناً لمعتقليها في فترة سيطرتها على المدينة. وهناك مناطق عانت من الحرب وكانت تحت سيطرة الحكومة، وفيها مشكلات كثيرة أبرزها تدهور القطاع التعليمي بعد ان فرضت عليها مناهج دفعت الأهالي للهروب بأبنائهم خوفاً عليهم من التجنيد الاجباري. ونظراً للتدفق الكبير في أعداد الطلاب الآن بعد التوقيع على اتفاقية السلام لا بد من افتتاح عدد كبير جداً من المدارس الابتدائية لتستوعب الطلاب الوافدين من مخيمات اللجوء ومعسكرات النزوح، وكل هذا سيحتاج الى ميزانيات مالية كبيرة جداً، وعلى حكومة جنوب السودان ان تستعين بالمانحين والاصدقاء، وتشجيع القطاع التعليمي حتى تستقيم العملية التعليمية في جنوب السودان.
> كيف ترى تأهيل الجامعات في ظل تكدس الدفعات المتخرجة؟
< اولاً تأهيل الجامعات يحتاج كما ذكرت الى تمويل، ثانياً الجامعات الموجودة الآن ليست جامعات، لأن الجامعات التي تستعين بالاساتذة المحليين ليست جامعات، فالجامعات اصلاً يكون فيها اساتذة من جميع الدول لاكتساب خبراتهم التعليمية، ولذلك تسمى (جامعة) اذا كان فيها اساتذة اجانب مؤهلون ليختلطوا بالاساتذة المحليين، ونحن عندما فتحنا جامعة جوبا في ذاك الزمان كان فيها اساتذة مؤهلون من جميع دول العالم، لذلك ارتفع مستوى الجامعة وهددت جامعات عريقة، ونافست جامعة جوبا الجامعات الكبيرة، واصبحت من اعرق الجامعات التي يشار اليها بالبنان، ولكن الآن اصبح الاساتذة الموجودون في جامعة جوبا كلهم من جنوب السودان، واصبحت الجامعة لا تختلف عن مدارس الاساس والثانويات، وبذلك تدهور مستوى خريجي جامعة جوبا. ومن المعروف ان الاستاذ الجامعي الاجنبي يحتاج الى تشجيع بحوافز مادية بالعملة الاجنبية، ونحن بدورنا اذا توفرت الميزانيات المادية سنرتفع بمستويات جامعات جنوب السودان في فترة قصيرة جداً.
> ما هي الأسباب التي ادت الى هجرة الاساتذة الجنوبيين المؤهلين الى خارج البلاد او العمل مع المنظمات الاجنبية؟
< في ظل الوضع الاقتصادي السيئ الذي يمر به جنوب السودان هاجر معظم الكوادر خارج البلاد لتحسين وضعهم الاقتصادي، وتوجه البعض الآخر للعمل مع المنظمات الاجنية التي تدفع بالدولار، ويرجع ذلك الى عدم اهتمام الدولة بالكوادر التي تعمل في القطاع التعليمي، ومن هناك سقطت الوطنية عمداً بعد ظهور الفساد السياسي الذي ادى الى توالد الغبن القبلي، فانهارت الدولة ووصلت الى ما وصلنا اليه. ولا بد ان اذكر اهم نقطة ادت الى تدهور القطاع التعليمي في جنوب السودان، وهي استعانة الحكومة بالكادر الحديث وعدم الاستعانة بأصحاب الخبرات في القطاع التعليمي.
> ما هي الرسالة التي توجهها الى حكومة وشعب جنوب السودان بشأن التعليم؟
< في الحقيقة رسالتي واضحة جداً، وهي ان تهتم الدولة بهذا القطاع وتشجع الجميع على العملية التعليمية، وتصدر قوانين ولوائح لحماية البنات وتمنع زواج القاصرات، وأعلم ان البنات في سن المراهقة يتعرضن الى عروض الاساتذة بالزواج، وهذا سبب يجعل آباء البنات يمنعون بناتهم من مواصلة التعليم في مرحلة البلوغ، وهذا له تأثير نفسي سلبي للبنات المراهقات، لذلك نطالب الدولة باصدار قوانين ولوائح البنات من مرحلة الاساس الى الجامعات. واذكر زمان كان الخواجات يعاقبون الاسر التي تريد إخراج أبنائها او بناتها من المدارس، وتفرض عليهم غرامات كبيرة جداً، لكن الآن اختلط كل شيء، وصارت البنت تتزوج وهي في المرحلة الابتدائية، مما يؤثر في مستقبل اسرتها. وعلى حكومة جنوب السودان ان تسهل وتشجع عملية التعليم للمرأة، لأن تعليم المرأة في المجتمع عنوان للتقدم والنماء الاجتماعي، وكذلك اطالب المرأة في جنوب السودان بأن تهتم بالتعليم حتى تنال كامل حقوقها، وعلى الحكومة في جنوب السودان أن تستمع الى آراء الخبراء والمختصين في القطاع التعليمي، حتى نرتقي بمجتمعنا في القريب العاجل.

تواصل معنا

Who's Online

483 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search