الحوارات

الحوارات

في ذكرى أكتوبر الأمين العام للمؤتمر الشعبي د. علي الحاج في حوار الاعترافات:

أجراه: مزمل عبدالغفار
ملامح معلومة للجميع شكلت الأفق السياسي السوداني.. ولدت معها حال من عدم الاستقرار السياسي لتجارب الحكم منذ الاستقلال وحتى الآن.. تلك التجارب التي لم يحالفها التوفيق في أن تبقى أو أن تستقر بالبلاد.. فأصبحت هذه الدائرة الجهنمية (انقسامات ــ تمرد ــ انتفاضات ـ وانقلابات).. فدار السودان في هذا الفلك ردحاً من الزمن وسط مشهد وحضور وسمع وبصر كل القوى السياسية.. هكذا في تجربة الحكم العسكري الأول والتي تمر ذكرى اقتلاعها هذه الأيام.. فنظام عبود كأول تجربة لانقلاب عسكري في السودان كان مظهره في الحكم نابع من المفهوم العسكري الصرف في الدفاع عن البلاد وحمايتها.. ومن هنا كانت مواقفه المتشددة من التمرد في الجنوب فكانت رؤيتهم قاصرة هناك وكان الخطاب السياسي ضعيفاً رغم الإنجازات التنموية التي تحققت وقتذاك.. فاندلعت بذلك ثورة أكتوبر لهذه الأسباب ولأسباب أخرى لأن مشكلة نظام عبود لم تكن في الشمال فقط بل كانت في استخدام السلطة في الجنوب.. جاءت ثورة 21 أكتوبر وكان قوامها المثقفون وكانت هبّة حقيقية وهنا ظهر الدور المحوري المهم للدكتور حسن الترابي وآخرين, لكن يبقى السؤال دائماً مطروحاً ألا وهو ثم ماذا بعد ذهاب حكومات عسكرية ومجيء حكومات مدنية وبالعكس؟ فالتحدي كان موجوداً لهذه الأنظمة التي تنتهي بثورات شعبية أو انقلابات, لأنه حتى بعد ذهاب حكم عبود لم تستقر الفترة الانتقالية ولا الحكم الوطني من بعد ذلك ونحن بين يدي الذكرى جلسنا في حوار مطوّل مع الدكتور علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي كشاهد عصر ونافذ في الديمقراطية الثالثة والإنقاذ بعد تفجرها وفي هذا الحوار الذي ينشر على حلقات بدأنا هذه الحلقة بالسؤال:
> ماذا تعرف عن أكتوبر؟
< حقيقة أكتوبر كثورة وكحدث ستظل موجودة وقد تختلف الأجيال ولكنها لا تموت أصلاً وكذكرى ستكون موجودة من وقتٍ لآخرٍ, وصحيح الذين حضروا أكتوبر وكانوا جزءاً من التغيير الذي تم وقتذاك ربما أُصيبوا بخيبة أمل لأن الآمال والتطلعات والأعناق كانت مشرئبة وعالية جداً, وكذلك الأهداف هي أيضاً كانت سامية والغايات كانت أسمى في تلك الملحمة الرائعة هذا بالنسبة للأشخاص الذين عاصروا الحدث وذاك الحراك ضد النظام العسكري, ولكننا عندما ننظر للنتائج فيأتي حينها الشعور بأن هناك انتكاسة كبيرة جداً, بل وارتدت المسائل تماماً, فنحن شهود عصر على الحدث بل وعايشنا عملية المعارضة قبل أكتوبر والمعاناة التي حدثت من بعد ذلك, فالثورة عندما اندلعت شرارتها الأولى كانت هي مشكلة الجنوب وتلك كانت هي البداية لأن حكومة عبود نفسها هي التي أتاحت الفرصة للمواطنين لأن يتحدثوا عن قضية الجنوب, فبعد أن قامت حكومة عبود في العام 1958 واستمرت في انتهاج سياسات مختلفة في كل تلك الفترة, وفي العام 1964 تحديداً وفي نهاية يوليو وأغسطس حكومة عبود نفسها هي التي كونت لجنة برئاسة الراحل أحمد محمد يسن عضو مجلس السيادة السابق وهذه اللجنة كان المطلوب أن تستطلع وتستقرئ آراء المواطنين فيما يختص بقضية الجنوب, واللجنة تكونت من مئة شخص ويزيد وذلك للاستعانة بآراء المواطنين وهي اللجنة التي بالفعل شرعت في مهمتها وعقدت العديد من الاجتماعات, ومن خلال هذه الاجتماعات الشعب بدأ يتعاطى ويتفاعل ويتحدث عن القضية ومن هنا اتضح المجال للندوة الشهيرة التي أُقيمت بجامعة الخرطوم والتي تحدث فيها د. حسن الترابي ذاك الحديث الذي غير مجرى الندوات من بعد ذلك.
> إذاً السلطة وقتذاك كانت هي السباقة والمبادرة بإعلان أن هناك قضية وأزمة تحتاج تسليط الضوء عليها أي هي التي وضعت أرجلها أمام قطار الانتفاضة أليس كذلك؟
< صحيح الحكومة وقتذاك هي التي بادرت وفتحت السيرة وبالتالي لم تأتِ هذه البادئة والمبادرة من المعارضة نفسها بل من الحكومة, وبعد حديث الترابي وآخرين وخلاصة ما قاله إن قضية الجنوب هي قضية سياسية لا يمكن أن يتم حلها عسكرياً, أيضاً كانت هناك مسألة أخرى فاقمت من المشاكل وهي تتمثل في النظام المركزي القابض وبالتالي جاءت الدعوات للنظام اللا مركزي وضرورة إشاعة الحريات فتلك كانت هي المعاني التي ركز عليها د. الترابي, ومن ثم كل الندوات التي قامت من بعد ذلك تلغفت هذه الموضوعات وسارت بها وعندما ذهبت الأمور لعدد أربعة أسابيع اختلف المشهد من بعد ذلك لدرجة جعلت النظام العسكري (نظام عبود) يضيق صدره من هذه الندوات, وبالتالي فالنظام نفسه الذي طرح الموضوع نراه قد تراجع عنه وبعد هذا التراجع تسارعت المشاكل, وربما إذا لم يكن يتراجع النظام ولم يحاول إيقاف الندوات وقتذاك حينها ربما يكون هناك اتجاه آخر نحو حدوث اتفاق سياسي دون الثورة أي أن يكون التغيير بالاتفاق السياسي والطرق الهادئة خلافاً لما حدث.
> في الحديث عن قضية الجنوب وعن محطات السودان السياسية قد لا نفصل أجواء الماضي عن الحاضر لأن أثر الأمس على اليوم كبير وأنت محور ارتكاز بل ومن الذين كانوا في كابينة القيادة والمسؤولية السياسية لعقود من الزمان من هذه الناحية ماذا تقول هنا؟
< حقيقة عندما نتحدث الآن عن مشاكل الجنوب نقول إن هناك مناطق أخرى من الشمال فيها أيضاً بعض المشاكل, وإذا نظرنا للحوار الآن فنجد أن البداية جاءت مبادرة من الحكومة والناس تنادوا لذلك وانتهت إلى مخرجات الحوار, ولكن قد يشعر الشخص بأنه قد يكون هناك نوع من التراجع عن مخرجات الحوار وهذا نذير غير سليم إن كان كذلك, وبالتالي فكلما كان هناك تمسك بالأطروحات كلما ظهر أن هناك جدية ومصداقية وفي الآخر ليس هناك صعوبة في حل المشاكل, هذا الحديث سقته هنا بمناسبة الذكرى التي نتناولها اليوم.
> الناظر للقاسم المشترك بين أكتوبر التي اقتلعت نظام عبود وبين أبريل التي اقتلعت حكم جعفر نميري يراه واحداً وإن كان الناس يعظمون أكتوبر على أبريل في الزخم.. فالسؤال الذي يطرح نفسه هل الاعتقال الذي تم للإسلاميين قبل أبريل يدخل ضمن سيناريو مرتب مع مايو لحفظ ماء الوجه لحظة الثورة؟
< كلا ثم كلا لم يحدث ذلك بل بالعكس نحن وجودنا في المصالحة مع حكومة مايو (نميري) بدايةً لم يكن هناك شيء مكتوب في هذه الناحية فكان الاتفاق شفاهةً, رغم أن البداية كانت أساساً هي اللقاء الشهير لنميري والصادق المهدي ببورتسودان ولسنا طرفاً في ذلك اللقاء.
> إذاً اعتقال نميري لكم قبل الانتفاضة لم يكن نابعاً من استشعار منكم بثمة حدث قادم ربما لا يكون في صالحكم إذا ظللتم مع مايو حتى النهاية أليس كذلك؟
< لا.. السبب هو تخوفه منا كإسلاميين وقد تكون هناك جهات خارجية قد أشارت له في ذلك, لأن اعتقال نميري لنا حدث بعد زيارة بوش الأب تلك الزيارة التي تمت في مارس 1985 حيث التقى وقتها بوش بالمعارضة في السفارة الأمريكية بالخرطوم ودار بينهم ما دار وبالتالي ربما يكون هناك ترتيب قد حدث أي أن يحدث نوع من التغيير هنا.
> هل وضعتم اعتبارات في حال عودة نميري؟
< نعم وضعنا اعتباراتنا هنا فعملية الزج بنا في السجون هي خطوة أقدم عليها نميري بنفسه ونحن علمنا بها قبل التنفيذ بساعات, وكان قرارنا وقتها وبعد أن زج بنا في السجون أننا أصبحنا في حل من كل الاتفاقات الشفهية واعتبرنا وقدرنا أن الخارج ربما كان له دور كبير خاصةً بالنظر إلى موضوع الشريعة.
> هل كانت لكم يد طولى في إعدام محمود محمد طه أواخر عهد جعفر نميري خاصةً وأن هذه الأحداث كانت كلها متلاحقة سبقت الانتفاضة 1985 بقليل؟
< لا.. ليس لنا يد في إعدام محمود محمد طه أواخر عهد مايو لا طولى ولا غير طولى والراحل كان مع النظام أساساً وكان داعماً لحكومة نميري.
> الأحزاب هل كانت سبباً في حدوث الانقلابات؟
< بالنسبة للسودان نعم لأن أي انقلاب تم في السودان كان وراءه حزب أو مجموعة سياسية بدءاً بعبود وانتهاءً بالإنقاذ فهذه كانت هي سمة من السمات.
> أنتم تمثلون تجربة حكم إسلامية مازالت بنسخها المختلفة تُعرف هكذا وتاريخياً مرت على البلاد تجربة حكم اليساريين ففي المقارنات بين التجربتين ربما تكون هناك تجربة قد يراها الناس أفضل من الأخرى فكيف تنظر للتجربتين؟
< قد يكون هذا الحديث صحيحاً لأن هناك ثمة تشابه بين التجربتين, ويبدو لي أننا نحن لم نقرأ الانقلاب الشيوعي كما ينبغي من حيث النتائج, فإذا كان الناس قد قرأوا جيداً تاريخ ذاك الانقلاب مآلاته ونتائجه جيداً لكان ذلك جيداً وقد يكون ذلك مرده لعدم التجربة هنا.
> التجربة الشيوعية جاءت (بالتطهير) وأنتم جئتم (بالتمكين) هل ثمة شبه بين الكلمتين ؟
< قطعاً التطهير هو مسألة سالبة في جانب إقصاء الآخرين, أما التمكين فهو حل محل الآخرين ولكن التمكين الذي نتحدث عنه ليس هو تمكين لأشخاص لأن التمكين للأسف صار لأشخاص في بعض الأحيان, ونحن كنا نتحدث عن تمكين أفكار وليس أشخاص.
> لماذا لم توضحوا هذه المسألة جيداً في بواكير العهود وتركتم الحبل على الغارب؟
< نحن أوضحنا ذلك ولكن في نهاية المطاف أصبح بعض الأشخاص يسعون لتمكين أنفسهم أو أسرهم أو ما يليهم من بعض الأصدقاء والأهل وكان هذا مفهوماً خاطئاً للتمكين.
> إذاً الإسلاميون طبقوا عملية التمكين بصورة خطأ هل تقصد ذلك؟
< نعم بحيث أصبحت المسائل ذاتية وشخصية.
> على ذكر ثورات الربيع العربي التي تمت في المنطقة ما هي الأسباب التي عصمت السودان في هذه الناحية؟
< بالطبع هناك أشياء كثيرة عصمت السودان من الربيع العربي الذي مر على بعض البلدان منها وعي السودانيين المتقدم هنا فالشعب السوداني رغم كل الصعاب والمشكلات كان ولا يزال حتى اليوم من أكثر الشعوب من ناحية الوعي السياسي, ونحن عندما نتحدث عن الحوار نعلم ما جرى في بعض المناطق ولهذا لا نريد لمثل هذه المسائل أن تتكرر في السودان.
> كل الآمال والتطلعات مازالت كبيرة في قضية الحوار الوطني فهل تعتقد أن الحوار سيقود في النهاية إلى الحل الشامل والمنشود؟
< نحن نأمل ذلك والأمل كبير هنا والاعتماد أيضاً يبقى استناداً على شعب السودان ووعيه وإدراكه, ومبادرة الحوار جاءت من الحكومة وبالتالي فهذه فرصة لا بد للقوى السياسية من أن تغتنمها لأن الحزب الحاكم مازال قابضاً على كل شيء, ورغم أن الحوار قد طال وتطاول من حيث التنفيذ ما جعل الناس بين متردد ومتشكك إلا أن الأمل ما زال معقوداً عليه.
> تاريخياً هناك من يحمّلكم بعضاً من مسؤولية أزمات دارفور فماذا أنت قائل؟
< هذا حديث غير صحيح فدارفور تاريخياً كان بها أزمات منذ أن قامت فدارفور أزمتها ليست في العصر الحديث بل لقد كانت قديماً دارفور عصية على التركية, ففي العام 1821 التركية جاءت السودان ولكن ما استطاعت الذهاب لدارفور.
> أنت وإبراهيم دريج من الأسماء الكبيرة لكن لم تطرحا حلاً لمشاكل دارفور لماذا؟
< أنا لا أطرح حلاً ومن الخطأ أن يُقال بأن هناك شخص ما يمكنه طرح حل بعينه. ولكن الحلول يجب أن تكون للسودان كله وعبر السودان يمكننا أن نطرح الحلول, ولكن ليس لي حل لدارفور وصحيح في فترة من الفترات وتحديداً بعد أكتوبر مباشرةً كان هناك حديث عن الحكم الإقليمي وهذا كان كلام لكل السودان وليس حصرياً لدارفور وليت الناس قد استجابوا, والآن هناك ممثلون لدارفور في كل الحكومات بل هناك من هم فوق التمثيل ولكن العائد ليس كثيراً.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

488 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search