الحوارات

مدير معهد أبحاث السلام بجامعة الخرطوم منزول عسل لـلإنتباهة

حوار: ندى محمد أحمد
وللأهمية القصوى التي تتسم بها الفترة الانتقالية،  التي تضطلع بأمهات القضايا في الأزمة السودانية إثر إسقاط النظام السابق، وفي مقدمتها  التأسيس للتداول السلمي والسلس للسلطة بنهايتها ، فضلاً عن معالجة الاولويات الملحة كقضايا السلام والاقتصاد وغيرها، ارتأت (الإنتباهة) أن تتطرق لكل تلك القضايا برفقة مدير معهد أبحاث السلام بجامعة الخرطوم بروفيسور منزول عبدالله عسل .
> بداية تمر البلاد حالياً  بمرحلة تحول ما قراءتك لها؟
< صحيح ... افتكر أن كلمة تحول تصف ما حدث ، والذي بدأ من ديسمبر 2018 ، وما نتج عنه من تغيير لنظام الحكم في السودان  ، وأسبابه الرئيسة تراكم الفشل السياسي والظلم والغبن وفشل النظام السابق في تلبية تطلعات المواطنين المشروعة، وأحد أسباب هذا التحول أن الشريحة التي قامت بالثورة هي شريحة شبابية ونسائية، فالغالبية العظمى المشاركة في هذا الحراك من الأعمار  30 سنة فما دون ، وهذا مؤشر قوي بأن ماحدث هو تحول كبير جدا وجذري، ويؤثر على مستقبل السياسة السودانية.
> كيف يؤثر على مستقبل السياسة السودانية؟
< يؤثر لأنه يستوجب التفكير خارج الصندوق، فهذا جيل تربى في فترة  الفضاء المفتوح، ووسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت وسيلة ناجعة جدا لإيصال الرأي ، فالعالم أصبح منطقة صغيرة ومتشابكة، فالأفكار أصبحت تأتي من كل الاتجاهات  ، في العقود السابقة كانت وسائل الإعلام محدودة ، وتتحكم فيها الدولة ، وغالبا تعكس وجهة النظر الرسمية ،  أما الآن اي شخص يمتلك جهازا ذكياً له أن يقول ما يشاء ، ويوثق لما يحدث بطريقة لا يستطيع أحد الحجر عليها.
> كيف يبدو لك مستقبل البلاد من منظار مرحلة التحول الراهنة؟
< من واقع تجربتي الشخصية أرى ان غياب الديمقراطية هو مشكلة السودان الاساسية، وهو أحد الأسباب التي عجلت بذهاب الإنقاذ ، وما أتوقعه ان هؤلاء الشباب الذين يرفعون شعارات الحرية والسلام والعدالة ،التي  لا تتأتى إلا بالديمقراطية ،وبالتالي فان إمكانية تحقق  مستقبل حر وديمقراطي ،يمتاز بقيم السلام والعدالة كبيرة،  وللوصول لهذه الغايات هناك الكثير من العمل المطلوب والتضحيات، خاصة وان السودان يعاني من مشاكل كثيرة جداً ، أولها  الاقتصاد .
> هل ترى أن أحزاب ما بعد ثورة ديسمبر سترتقي للديمقراطية الحقة التي تفضي للتداول السلمي للسلطة لما بعد الفترة الانتقالية؟
<  ليس هناك سبيل أمام هذه الأحزاب غير ان ترتقي لذلك المستوى ، فمن قام  بالثورة شباب خطهم واضح ، ويعلمون ويفعلون ما يريدون ، وبالتالي على الأحزاب ، التعامل مع هذا الواقع الجديد بروح مختلفة، وكل هذه الأحزاب وخاصة التقليدية منها إن لم تغير طريقة تعاطيها مع السياسة السودانية سوف تخسر، وأتوقع اضافة لحزب المؤتمر السوداني، ان لم تلب بقية الأحزاب طموحات الشباب ، ستظهر على السطح أحزاب ، جديدة يتطلع لها الشباب لتلبية طموحهم  .
> في اليومين الماضيين تصاعدت الأحداث التي خلفت عدداً من القتلى والجرحى من المسؤول عن ذلك؟
< لا شك ان العسكري يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى ، وقد تتحمل قوى الحرية والتغيير ما حدث بدرجة ما.
> هناك من يخشى من حدوث انقلاب عسكري جراء الاضطراب الذي نشهده هذه الأيام؟
<  من الصعب جدا نجاح اي انقلاب عسكري ، الشباب الثائر ، والذي أسقط عمر البشير وعوض ابن عوف ، لا  يستطيع معه عسكري ان ينفذ انقلاباً لأنهم سيسقطونه  ، ولو حدث فلن ينجح لان الشعب لم يعد يقبل انقلاباً، وغادر محطة الخوف من القتل والسجن، كما ان العالم الخارجي لم يعد يتسامح مع الانقلابات العسكرية، لذا استبعد نجاح اي انقلاب عسكري مستقبلاً في السودان .
> هل ترى أن ثورة ديسمبر وضعت نقطة النهاية للانقلابات العسكرية بالبلاد؟
< بالضبط. وأبصم على هذا بالعشرة ، لانه حقيقة ما حصل  تحول عميق جدا ، مثلما هناك من يتحدث عن دولة عميقة ، أنا أقول ان ما حدث تحول عميق جدا ، ومن الصعب على اي عسكري أن يفكر في القيام بانقلاب عسكري.
> على ذكر التحول العميق بموازة الدولة العميقة، كيف لهذا التحول أن ينتصر على الدولة العميقة؟
< لا توجد لدينا دولة عميقة، بل دولة موزاية ، فنظام الإنقاذ نجح في بناء دولة موازية للدولة (شرطة شعبية بموازاة الشرطة الرسمية، دفاع شعبي بموازاة الجيش، وامن شعبي بموازاة الأمن الرسمي)، وبالتالي فان الهياكل التي بنتها الإنقاذ ليس من الصعب التعامل معها ، بحلها بصورة مباشرة ، وهذا ينطبق على الشركات الحكومية الفاسدة .
> إذاً تفكيك الدولة الموازية أسهل من العميقة؟
<ما افتكر في مشكلة على الإطلاق ، طالما هناك قوانين وجهاز تنفيذي.
> هناك من يخشى أن تنزلق ثورة ديسمبر لمزالق الحرب الأهلية كما في ثورات مشابهة في ليبيا واليمن؟
< أنا لست من أنصار الاستثناءات لكن افتكر أنه من المستبعد أن تصير الأحداث كما في سوريا أو ليبيا مثلاً، فللمجتمع السوداني خصوصيته عن المجتمعات الأخرى ، في التماسك والتعاضد، وأنا كمتخصص في الانثربولجيا الاجتماعية أرى ان أحد الأسباب التي جعلت السودان متماسكاً وصانته من الانهيار رغم الحروب الممتدة منذ الاستقلال ليس لأننا دولة قوية اقتصادياً، بل لأننا دولة قوية اجتماعيا ، فالمجتمع لا يسمح بتفكيك نظامه، ودونك ما حدث من مآسي القتل والنزوح واللجوء في دارفور ،  فمن خلال زيارتي  لدارفور ست مرات 2018، شعرت ان هناك تغيراً حدث ، ولكن المجتمع بدأت تعود له عافيته ، والناس بدأت تتصالح بطرق تلقائية ، فلم تعد الحرب الطريقة التي نحقق عبرها مطالبنا ، وماعادت هي الوسيلة لتصفية الحسابات بين المكونات الاجتماعية ، وبالرغم من وجود بعض المشاكل بين المكونات الاجتماعية ، إلا ان الحرب كانت بالدرجة الأولى بين القوات النظامية وحاملي السلاح، فالمكونات الاجتماعية لا تزال تحتفظ بعلائق طيبة ومهمة جدا في التماسك المجتمعي، ولهذه الأسباب افتكر أن امكانية الوصول لحال سوريا وليبيا واليمن ضعيف.
> ما المطلوب من الحكومة الانتقالية تجاه ولايات الحرب في دارفور والمنطقتين؟
<  المطلوب الأول والرئيس، إعطاء قضية السلام الأولوية على بقية القضايا الاخرى، وهناك مؤشرات طيبة في هذا الصدد، فالحركة الشعبية بقيادة عقار وعرمان أرسلت وفد مقدمة للخرطوم، كما أن  الجبهة الثورية بقيادة منى أركو مناوي  بصدد إرسال وفد، كما أن الحركة بقيادة عبد العزيز الحلو أبدت حسن نية بالإعلان عن وقف إطلاق النار لثلاثة أشهر قابلة للتجديد ، كما دعت الإمارات عدداً من حركات السلاح للتفاكر، وبالتالي هناك إمكانية كبيرة جدا للوصول للسلام ، خاصة وان الحركات حملت السلاح ضد النظام السابق، ولذا فإن زواله يمثل نصف الطريق لحل مشكلة الحرب ، وعليه أشجع حكومة الفترة الانتقالية لجعل الاولوية القصوى للوصول لاتفاق سلام دائم في المناطق المتأثرة بالحرب.
> برأيك، هل ستنتقل ملفات التفاوض من قطر وإثيوبيا إلى الإمارات؟
< ما افتكر،  فالإمارات سيكون لها ادوار تكاملية، وقد لا تكون الدوحة منبرا تفاوضيا مرة أخرى ، لكن ما تم في الدوحة سيتم البناء عليه، واذا اتفق الناس لاحقا ان تكون الإمارات هي البديل لا ضير، ولكنني أتساءل لماذا لا تكون الخرطوم هي مكان التفاوض، في السابق كانت الحركات المسلحة ترفض العودة للخرطوم لأنهم لا يضمنون سلامتهم، لكن الآن لا يوجد سبب يدفعهم للاجتماع في دولة اخرى ، ولا داعي لأية وساطات ، الاتحاد الافريقي مرحب به وبالضرورة هو مراقب او ضامن لهذه المفاوضات .
> ما السياقات السياسية والأمنية التي تجعل الإمارات مهبطاً لحركات السلام، وقد تكون محلاً للمفاوضات؟
< الإمارات كدولة تحاول ان يكون لها لها دور مؤثر في محيطها الاقليمي والدولي، لذا تدعو الحركات والحكومة من هذا المنطلق ، ولديها الأموال ، مثلها مثل قطر التي استضافت مفاوضات دارفور لفترات طويلة جدا بتكاليفها، لذا، إذا كان هناك شخص لديه أموال يريد أن ينفقها فليفعل، لكن بالنسبة لي بغض النظر، عما اذا كانت المحادثات في الإمارات او اثيوبيا نحن نريد سلاماً دائماً، وطالما يأتي بالمفاوضات ويعالج القضايا الجذرية للحرب مرحبا باية دولة تساعد في هذا، ويبقى ان المسؤولية الأولى في هذا الصدد تقع علينا نحن السودانيين .
> ما المقابل الذي ترجوه الإمارات من هذا الاهتمام السخي؟
< قطعاً الإمارات تبحث عن مصالحها ، ويجب ألا نكون سذجاً ، ولا تنسي  ان السودان لديه جيش مشارك في اليمن ، وهذا أمر مهم جدا بالنسبة للإمارات والسعودية ، وهذا ما يدفع الإمارات للحرص على مصالحها من أي ضرر عندما يتغير نظام الحكم في السودان.
> هل تؤيد وجود جيشنا في اليمن أم عودته؟
< العقل السليم يقول إنه لا ينبغي لنا ان نشارك في حرب اليمن، التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وهذه الحرب ليست دفاعا عن الحرمين كما يردد البعض، فالحرمين في السعودية وليس اليمن، ورأيي انه لابد لجيشنا من العودة من اليمن .
> ثمة تفسير بأن وقوف السعودية والإمارات مع السودان بعد الثورة سببه وجود جيشنا في اليمن؟
< وارد طبعاً، السياسة هي فن الممكن.
> ما السبيل لعودة جيشنا من هناك إذاً؟
< هنا نحن مضطرون للموازنة بين مختلف الأشياء ، مقايسة الضرر من وجود جيشنا في اليمن، بالمنافع التي نحصل عليها من وجوده فيها، لكن رأيي الشخصي بغض النظر عن الضرر او المصالح، ما كان لجيشنا ان يكون في اليمن .
> ثمة مخاوف أن تفضي الفترة الانتقالية لتنصيب دكتاتور من قبل دولتي الخليج المتهمتين بذلك في دولة مجاورة؟
< لا أظن ، فالشعب السوداني واعٍ جدا ، ولا أظن ان تجربة السيسي في مصر سيتم تكرارها في السودان، لأن ما حدث في مصر ان السيسي كان قابضاً على السلطة بيد من حديد، الشيء الذي لا يتوفر لدينا ، نحن لدينا أحزاب، فمن يريد الترشح لا بد ان يكون جزءاً من الأحزاب ، ومفترض يتم اتفاق بان كلاً من كان جزءاً من الحكم في الفترة الانتقالية لا يسمح له بالترشح في الانتخابات التي تعقد بانتهاء الانتقالية، سواء كان مدنيا او عسكريا، لذلك العديد من القوى السياسية قررت ألا تشارك في الفترة الانتقالية .
< هناك من يرى أن وجود الحركات المسلحة على مستوى المنطقتين ودارفور يبدو باهتاً في مرحلة التفاوض الحالية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير؟
< هناك جزء من هذه الحركات المسلحة موقع على إعلان الحرية والتغيير ، مثل حركتي التحرير والعدل والمساواة بقيادة مني اركو مناوي وجبريل ابراهيم، وقطاع الشمال جناح مالك عقار، وكل ما يتوصل إليه التفاوض فهم جزء منه، ولكن هناك حركات أخرى، هي حركة التحرير بقيادة عبد الواحد نور وقطاع الشمال جناح عبد العزيز الحلو خارج إطار التفاوض، وعلى الحكومة أن تتفاوض معهما .
> هل لديكم اتصالات كمعهد مع المجلس العسكري؟
< ليس اتصالا مباشرا ، لكن تمت دعوتهم للندوة المذكورة، دعونا الفريق اول طيار صلاح عبد الخالق والأمين العام للمجلس العسكري الانتقالي .
 > ماذا سيستفيد السودان في الانتقال لاحد محاور الخليج؟
< إذا عالجت الحكومة المشكلة الاقتصادية والديون الخارجية فنحن لسنا في حاجة للخليج أصلاً .
> ما رأيك في إعلان المجلس العسكري لوقف التفاوض لثلاثة أيام عقب توصله لاتفاق جزئي مقدر مع قوى التغيير؟
< الاتفاق خطوة مهمة جدًا، في سبيل بداية انتقالية سلسة وسلمية، ولكن قرار المجلس العسكري الأخير غير موفق ، لأن قوى التغيير شرعت قبل بيان رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان الذي أعلن فيه وقف التفاوض، في إزالة المتاريس خارج منطقة الاعتصام بالقيادة ، ويجب أن تستأنف المفاوضات بأسرع وقت ممكن ، فتأخيرها ليس من مصلحة البلاد.
> برأيك، هل شراكة العسكري وقوى التغيير في الانتقالية ستحقق الأهداف المنشودة منها؟
< افتكر ذلك، لأن قوى التغيير كتلة واحدة، ومجلس الوزراء كلة يتبع لها، و(67%) من عضوية المجلس التشريعي من أعضائها ،وبالتالي لديهم الفرصة للانتقال بالبلاد للأمام، أما المجلس العسكري سيتحول لمجلس سيادي، بسلطات اسمية، بحيث لا يتدخل في سلطات مجلس الوزارء.
> ما أهم أولويات الفترة الانتقالية؟
<  اولاً السلام ، ثم الاقتصاد ويجب العمل الجاد لإعفاء ديون السودان ، ثالثاً التعامل السليم مع تركة النظام السابق، ومنها إفساد الخدمة المدنية ، التي من إصلاحها، بما فيها المؤسسات العدلية والقضائية .