mlogo

الحوارات

الحوارات

مع الخبير الاستراتيجي الفريق مزمل سليمان غندور حول الماضي والحاضرلـلإنتباهة

حوار: مزمل عبد الغفار

لقد تشكلت ملامح الافق السياسي السوداني قبل الاستقلال بفعل خارجي ربما، ولكن ليس بإرادة وطنية خالصة، فتكوين الاحزاب السودانية تم بإشارة من الاستعمار استجابة لرغبة وطنية أو ربما لمحاولة الإبقاء على روح الاستعمار في جسد وطني، وبعد عام 1947م كان التشكيل المؤسسي الوطني الأول الذي وُلد وفي داخله الاختلاف، ثم كانت محاولة التحكم عبر الطوائف في تجربة الاحزاب (الحزب الوطني الاتحادي والأمة)، وهذه الملامح التي شكلت الأفق السياسي السوداني ولدت معها حالة من عدم الاستقرار لتجارب الحكم الوطني التي استمرت من بعد ذلك ولم يحالفها التوفيق في أن تبقى أو أن تستقر هي نفسها أو أن تستقر بالبلاد، وجعلت السودان مرتبكاً من الناحية السياسية حتى الآن، فكانت هذه الدائرة الشريرة (انقسامات ــ تمرد ــ انتفاضات ــ انقلابات)، هكذا في تجربة الحكم العسكري الأول والتي نسبت إلى حزب سياسي معين (عبود وحزب الأمة) ثم التجربة العسكرية الثانية في مايو 1969 التي ظهرت بعدد ثلاثة انواع من التجارب السياسية حسبت على اليسار في بداياتها ومضت نحو الوسطية والقومية العربية في مرحلتها الثانية ثم انتهت يمينية، فلازم عدم الاستقرار واقع السودان، وما بين التجربة الديمقراطية الثانية والثالثة من القرن الماضي كانت الخلافات السياسية هي سيدة الموقف إلى أن أطل برأسه مرة أخرى الانقلاب الثالث يونيو 1989م سنوات طويلة من الحكم، لتطل مرة اخرى المشكلات والمطبات التي واجهها السودان في كل تلك الحقب.. مساحة من الحوار التاريخي والمعاصر جمعتنا بالفريق مزمل سليمان غندور احد ابناء الدفعة رقم (1) في القوات المسلحة والخبير العسكري والمحلل الاستراتيجي فسألناه بداية.
> منذ خروج المستعمر وحتى الآن لماذا لم نستقر؟
< حقيقة نحن لم نكن مستعمرين من بريطانيا، فمن الأشياء التي لم يتفهمها الناس بعد أن بريطانيا رغم أخذها السودان من مصر إلا ان الفتح كان مشتركاً لأن العلم المرفوع وقتها كان هو العلم المصري فقط تحت مسمى إعادة فتح السودان باعتبار أن السودان كان جزءاً منها، فالتاريخ يقول إن كتشنر دخل السودان، ولكن عندما وصل الخرطوم رفع العلمين، وبالتالي صرنا نحن البلد الوحيد الذي تحكمه دولتان، ولذلك فالسودان لم يكن تابعاً للمستعمرات في ذاك الوقت بل كان تابعاً لوزارة الخارجية البريطانية وليس المستعمرات، وبالتالي هو لم يكن مستعمراً حتى تستفيد منه بريطانيا فهي لم تستفد من السودان أي شيء، والمسألة الوحيدة التي فكروا فيها كانت هي في عام 1924م عندما قاموا بزراعة محصول القطن، ومن هنا قامت أعظم صناعة للقطن في العالم في إنجلترا، وإلى أن نلنا الاستقلال كان الحكم الانجليزي مقصوداً منه مصلحة الشعب السوداني، وكان ذلك هو اتجاه الحكام البريطانيين وقتذاك، ولكن بعد الاستقلال تحول الحكم إلى صراع خفي بين اتجاهين أحدهما يريد الارتباط بصورة من الصور مع مصر مع الاستقلالية وآخر ينوي عودة السودان إلى حكم المهدي مثل أي بلد آخر، ولهذا ظهر الخلاف بعد فترة قليلة من الاستقلال، وحتى القيادات التي أعلنت الاستقلال ورفعت العلم تمت إزاحتها من الحكم وجاء عبد الله خليل وهو رجل عسكري منضبط وأمين وهو والزعيم إسماعيل الازهري رحلا من الدنيا ومنزلاهما مرهونان، فهما كانا مخلصين للبلاد.
> كثيرة هي المحطات التاريخية والتي تشابه ظروفها تاريخياً ما نحن عليه في الحاضر، فمعلوم أن تلك السنوات والخلافات أفرزت أول انقلاب عسكري (الفريق عبود)، لكن تلك محطة لم تستقر أيضاً.. ما تعليقك؟
< بطريقة ما عبد الله خليل ساعد وآخرون في أن يتولى العسكريون بقيادة عبود السلطة، وحقيقة عبود بذل جهداً مع الضباط الذين كانوا معه، وبالتالي فإن الفوضى التي بدأت بعد نيلنا للاستقلال توقفت قليلاً وإنصلح لحد ما حال الاقتصاد السوداني في تلك الفترة.
> في حد تقديرك والحال الآن أيضاً هو يغنى عن السؤال وبالنظر إلى تراكمات الأمس واليوم، لماذا إذن لم يستقر السودان على أي فكر سياسي، وتظل بعد كل هذه السنوات الدائرة والصراع محموماً بين اهل اليسار واهل اليمين؟
< السبب في ذلك هو تعدد العرقيات والسحنات والثقافات، فنحن لسنا كتلة واحدة، بل أن السودان عبارة عن خليط ومزيج من قلة من العرب معها مجموعة مستعربة غير معروفة من أين جاءت لكنها تشربت الحضارة العربية الاسلامية، وفي أيام الانتخابات الأولى التي تمت قبل الاستقلال كانت هناك منافسات كبيرة، واذا اختلف الناس حول دائرة على سبيل المثال دائماً ما يبحثون عن اشياء، فحدث بالفعل تبادل الاتهامات، فهناك من اتهم أحد المرشحين بأنه من الحلب وآخرون اتهموا مرشحاً بأنه من الأحباش، وأشياء من هذا القبيل، فهذه الخلطة واضحة بل هي موجودة في اصولنا وفي معتقداتنا، ومن الناحية الدينية نقول إن الجنوب قد ذهب ما لم ينضم الى السودان مرة أخرى بمعجزة، وحتى ما تبقى من السودان فهو يحتوى على أنواع من البشر متنوعة.
> هل يمكننا القول إذن إن التنوع العرقي قد أثر في التنوع الفكري؟
< صحيح هذا القول، مضافاً لذلك ظهور أفكار جديدة، وهذه الافكار الجديدة بدأ مجيئها تاريخياً بقلة من  الشباب العبقري جداً الذي ذهب في زمان باكر لمصر وأتى بالشيوعية، وبالتالي فإن الشيوعية نفسها قبل أن تستقر وتتركز في مصر جاءت الى السودان، والناحية الأخرى هي أن الاسلام الموجود عندنا ليس واحداً، واذا ما نظرنا للمجموعات الكبيرة في ذاك الزمان نجد أن الختمية على سبيل المثال ليسوا من أهل المذهب المالكي بل هم من آل المذهب الشافعي متأثرين هنا إما بمصر أو السعودية، واذا نظرنا أيضاً لطائفة الأنصار نجد الاختلاف في طريقة العبادات مع وجود الطرق الصوفية الأخرى بمسمياتهم المختلفة ومذاهبها، وهؤلاء منهم من يقتربون من بعضهم البعض ومنهم من يتباعدون، وهناك ايضاً جماعة انصار السنة.
> اخيراً تم إرجاء النظر في التعديلات الدستورية إلى اجل غير مسمى.. كيف تنظر لمحاولات السودان والانظمة المتتالية في الوصول لدستور دائم؟
< قبل أن نتحدث عن الدستور الراهن أو ما ستقدم عليه القوى السياسية حاكمة ومعارضة، نقول إن هذه البلاد شهدت كتابة عدد من الدساتير في السابق، وأول مسودة تاريخياً تمت قبل الاستقلال التي اعلن فيها لأول مرة السودان الموحد، وذلك عندما تم اعلان جمهورية السودان في سنة 1948م، فقبل ذاك لم يكن السودان موحداً، وبعد ذلك قامت الحكومة الاولى بعد الاستقلال مستهدية بذاك الدستور بعد الاضافات عليه، فجاء عبود وتم تغيير الدستور ومن ثم جاءت الاحزاب وعدلت الدستور الى ان جاء نميري والغى كل ذلك. ونميري قام بتكوين لجنة دستور واعدت دستوراً سموه الدستور الدائم للسودان، ومن ثم جاءت انتفاضة ابريل 1985م التي ازالت حكم نميري عبر فترة انتقالية برئاسة المشير سوار الدهب الذي فرُضت عليه الرئاسة في ذاك الزمان ولم يكن يريدها، وعندما زهد فيها وغادرها نال اعجاب كل العالم.
 وجاءت الأحزاب مرة اخرى وتغيرت الدساتير إلى ان جاء الاتجاه الاسلامي بانقلاب 30 يونيو 1989م، وتلك هي مسيرة الدساتير والحكومات.
> تاريخياً هل كانت لك رغبة في الحكم؟
< حقيقة كانت لي رغبة في المشاركة في حكم السودان، ولقد شاركت بالفعل في فترة قصيرة، ولكن كل الافكار التي كنت اتقدم بها تُقابل بالرفض، ففي فترة حكم جعفر نميري تحديداً وعندما استولى الضباط على السلطة وقتها انا كنت في القاهرة، والمصريون كان لهم دور في انقلاب مايو، فجاءتني برقية بالعودة للبلاد، ودعاني نميري لمقابلته، وقال لي لقد تم بموجب هذا الانقلاب ترقيتي لرتبة اللواء، ولكني مازلت اعتبرك قائدي بحكم الاقدمية المطلقة، وذكر لي ان اعضاء مجلس قيادة الثورة يريدون التحدث معك لأننا ــ والحديث لنميري ــ قررنا ان  تكون القائد العام، وعندما التقيت باعضاء مجلس قيادة الثورة حدث الخلاف، وبموجب ذلك تمت احالتي للمعاش.
> منذ ذاك الوقت وإلى المراحل السياسية الحديثة هل هناك علاقة فكرية تربطك بالدكتور حسن عبد الله الترابي؟
< والدي وأهلي هم جميعاً يتبعون الطريقة السمانية، وكانوا مع الشريف يوسف الهندي، فالصلة الأساسية لي هنا هو ما سار عليه آبائي في طريق النهج الاسلامي، وكان ذلك قبل ان تأتي حركة الإخوان المسلمين للسودان، فالشيوعيون والاخوان المسلمون دخلوا للسودان كأفكار في وقت واحد، وحقيقة لم التق بالترابي الا بعد انقلاب مايو 1969م، وبعد اختلافي مع قادة ذلك الانقلاب، فتم اعتقالي بسجن كوبر، وهناك وجدت الصادق المهدي والترابي وآخرين، وكانت التوجيهات لادارة السجن وقتذاك هي منعنا من الاتصال بهؤلاء السياسيين، وكنا وقتها ثلاثة عسكريين، ولكن فجأة فتحوا الباب لندخل على المعتقلين السياسيين، وهذه هي المرة الاولى التي التقى فيها بالاسلاميين كتنظيم وذلك بسجن كوبر، فهذه هي البداية التي شكلت المعرفة الشخصية بيني وبين د. الترابي، ومن ثم ازدادت المودة  من الناحية الفكرية، وفي ذاك الوقت ونحن في المعتقل حفظ الترابي المصحف الشريف بكل اللغات.
> الآن هناك من يدعو الى تغيير النظام وانت عاصرت تجارب حكم عديدة.. بم تعلق هنا؟
 < هناك جهات كثيرة تفكر في تغيير هذا النظام، ولكن هناك عدداً كبيراً من العقلاء يقولون إن هذا النظام اذا تغير  فالبديل هو عدم وجود السودان بل وتمزقه، وهناك من يقول انه اذا تغير النظام فلا يوجد بديل جاهز، ولكن لا احد من الموجودين في السلطة استشارني حول الازمة الراهنة، وانا اصف الحكم بانه (سم لذيذ) لاي صاحب طموحات في السلطة، وهناك اناساً يموتون غاضبين لانهم لم يصلوا للسلطة، وللتاريخ اقول ان الضرورات حكمت بأن يحكم عبود السودان، ولكن لم تكن لديه رغبة في ذلك.
> هل خسر الشيوعيون والاسلاميون كثيراً بالسلطة؟
< حقيقة اقول ان التفكير في السلطة هو الذي اضر بالحركة الاسلامية، وحتى الشيوعيين دخلوا في هذا الخطأ عندما شاركوا في مايو، وعبد الخالق محجوب كان ضد الانقلابات، ولم يكن يريد حكم السودان، فهو كان يريد أن يستمر في شيوعية السودان حتى تحقق الأغلبية لهم، ولكن الشيوعية هي فكرة جاءت وماتت، ولهذا أقول إن الشيوعيين والاسلاميين خسروا كثيراً بالسلطة، والعاقل يجب ان يحذر دخول السلطة، والاقتتال السياسي والصراع حول السلطة مضر بوحدة السودان.

تواصل معنا

Who's Online

543 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search