الحوارات

مع اللواء (م) حمادة عبد العظيم في اعترافات حول ذكرى (6) أبريل

أجراه: مزمل عبد الغفار
أجراه: مزمل عبد الغفار
• وصف عضو المجلس العسكري الانتقالي الذي حكم البلاد لمدة عام عقب الانتفاضة في السادس من أبريل من عام 1985م, اللواء (م) حمادة عبد العظيم، وصف الانتخابات التي سبقت الديمقراطية الثالثة وأسست لها بأنها كانت من أميز وأنزه وأصدق الانتخابات التي جرت في السودان في الحقب السياسية في السنوات الماضية بل وحتى الآن, وأكد أن قادة الأحزاب قد أيدوا فكرة الحكومة القومية، وذلك من خلال اللقاءات التي تمت معهم حينذاك, وأضاف قائلاً: لو تكللت هذه الخطوة وقتذاك بالنجاح والتطبيق لكان قد تحقق الاستقرار السياسي للسودان منذ زمن بعيد، ولما انهار من بعد ذلك العديد من الديمقراطيات, لكنه انتقد قرار حل جهاز أمن الدولة بقوله إنه كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبوها كتجمع هيئات وقطاعات ومجلس عسكري.
وقال اللواء حمادة إن التغيير السياسي كله كان وقتذاك استجابة لتحرك الشارع، وإن انحياز القوات المسلحة جاء نتيجة للتجاوب مع الشعب والشارع قائلاً: إن الانحياز تم عن قناعة ولم يكن مخططاً له, وأضاف قائلاً: كنا نتلمس نبض الشارع في ذلك الوقت الذي كان يرفض حكم الفرد ويريد الديمقراطية والانتخابات.. (الإنتباهة) أجرت هذا الحوار مع اللواء (م) حمادة على شرف قدوم ذكرى انتفاضة السادس من أبريل.. حيث كشف عن الكثير المثير هنا في معرض إجاباته عن تساؤلاتنا والتي بدأناها بالسؤال:
< في ذكرى السادس من أبريل تلك الانتفاضة التي أنهت حكم مايو كثاني ربيع عربي تم في السودان بعد أكتوبر 1964م.. في الساعات التي سبقت التغيير كيف كانت المسافة في تلك اللحظات بين القوات المسلحة ومايو والمتظاهرين والمعارضين؟
> غالبية من تحركوا من ضباط وأفراد القوات المسلحة كانوا مع مايو وتحديداً قادة الوحدات بالذات إن لم يكونوا كلهم، فهم في الأساس كانوا مايويين, لأن منهم من صنع مايو أو ساهم في مجيئها أو التقوا معها، ولكن إيمانهم بالسودان والشعب السوداني كان أكبر بكثير من إيمانهم بقضية مايو ومبادئها، لأن السودان هو أولاً وأخيراً, ولذلك كان من الطبيعي جداً أن بعض القادة والذين كان لهم أثر كبير في مايو يلتقون مع بعضهم البعض في تلك اللحظات الحرجة بحكم علاقاتهم الشخصية وبصفتهم قادة للوحدات, وهذا ما حدث بالفعل، وهذه الوضعية سهلت عملية التلاقي الشخصي والحديث المشترك حول الهموم والقضايا والمواقف, وصادف أن يكون هناك اجتماع في القيادة المركزية للخرطوم بحضور قادة الوحدات العسكرية، وقبل الدخول للاجتماع كان هناك حديث يدور بيننا حول ما سيحدث وما نحن مقدمون عليه بالنظر للشارع، وكان حديثنا منصباً في أنه لا بد من إحداث شيء يعالج الأزمة.
< متى أعلنتم حالة الاستعداد؟
> أصلاً كانت حالة الاستعداد موجودة منذ نهاية شهر مارس من عام 1985م، وهذا ما ساعد وسهل أيضاً وساهم في عملية التواصل والتلاقي بين القيادات، لذلك جاء الاجتماع المهم للقادة العسكريين في القيادة المركزية, وأذكر قبل ذلك أيضاً كان لنا مشروع خلوي في أم درمان لوحدة المدرعات، وأيضاً في هذا المشروع الخلوي وجهنا الدعوة لقادة الوحدات والذين تشكل من غالبيتهم المجلس العسكري الانتقالي لاحقاً, وأيضاً كان ذاك التلاقي فرصة للنقاش حول ما يدور في الساحة، فاتفقنا وقتها على أن يتشاور كل قائد وحدة مع وحدته, وفي هذه اللحظات أتذكر الحديث الذي جرى بيني وبين القائد الثاني للمدرعات وهو في الأساس كان ضابط استخبارات وتم نقله للمدرعات فصار قائداً ثانياً، وهذا الضابط هو الذي تنبأ بما سيحدث, ذلك عندما قال لي صراحةً إنه بحلول يوم الأحد أي قبل ستة أيام من ذاك الحدث يوم (الانحياز للشعب) يتوجب عليكم أن تتحركوا (وتشوفوا ليكم طريقة) على حد قول هذا الضابط, وبالفعل سارت الأمور على هذا المنوال والمنعطف إلى أن جاء اجتماع القيادة المركزية الحاسم كما أسلفت.
< هل يمكننا القول إن الدور الذي قامت به إدارة الاستخبارات هو الذي ساعد وحقق المظلة الآمنة لهذا الانحياز الذي تم للشارع؟
> نعم صحيح هذا، فقد كان هناك دور مهم لمدير الاستخبارات وقتها، وهذا الموقف المساند حقق الحماية لهذا التحرك الذي أنهى حكم مايو، لأن دور الاستخبارات كان بمثابة حلقة الوصل فيما بيننا, ولذلك أنا أعتبر أن مدير الاستخبارات وقتها فارس عبد الله حسني هو الشخص الذي يُعد الأساس الأول لنجاح المهمة وانحياز القوات المسلحة في ذاك الوقت.
< ونحن نتحدث عن تلك اللحظات التاريخية والساعات التي سبقت البيان الأول.. هل كانت هناك أشياء تدور بينكم مثل التخويف أو التخوين أو ما شابه ذلك؟ أم أن الأمور سارت عادية إلى أن أُذيع البيان الأول؟
> حقيقة قبل يوم السادس من أبريل بيوم كانت كل الأشياء واضحة، وتم التنوير الكافي للضباط بما سيحدث، وأنا كقائد للمدرعات أوضحت تماماً عبر الحوار مع ضباط الوحدة ما استقر عليه رأي القيادة العامة، وأتحت الفرصة لسماع كافة الآراء، وهنا أذكر أن ضابطاً بوحدة المدرعات قال جهاراً نهاراً إنه مع مايو، ولا يرى أن هناك دواعي للتغيير، فاحترمت وقتها رأيه في إطار حرية الرأي والتعبير التي اتحناها في هذا التحول, فيوم الخامس من أبريل شهد الاجتماع الأخير الذي تقرر فيه الانحياز للشعب واستلام السلطة صباح اليوم التالي.
< هل تمت محاولة لاستبدال المشير سوار الذهب بشخص آخر خاصة أن الرجل لأسباب ما تأخر وتردد وتلكأ كثيراً في رئاسة المجلس؟
> في الحقيقة كل القيادة العامة والضباط كانوا أكثر إصراراً على سوار الذهب، وذلك للخصال النبيلة والميزات الكثيرة للرجل، علاوة على أنه شخص نزيه، ومن السهل إقناعه بالأعمال الجيدة التي تصب في مصلحة الناس, وهذا هو السبب الأساس الذي جعله في الآخر يقبل بالتكليف والمهمة, ولو حاولنا الاتيان بشخصٍ ثانٍ فهذه المسألة ربما تترك تساؤلات، إضافة إلى أنها كانت ستؤثر في وحدة القوات المسلحة, لأنك إذا تجاوزت القائد العام لشخصية أخرى فهذا سيكون مدعاة للتشكيك.
< هل استعجالكم في الاستلام مرده لنتاج تخوفكم من تحرك ما لصغار الضباط؟
> بالطبع هناك آراء كثيرة تقول بذلك، ولكن الضباط الصغار كان لهم رأي وقالوه، ونحن استمعنا له، والحوار الذي دار على سبيل المثال في وحدة المدرعات كما ذكرت لك كان القصد منه الاستماع لكل وجهة نظر ورأي, ونحن أكدنا في كل المناقشات أن الهدف من هذا التحرك هو حماية الشعب وليس حباً في السلطة، وتعهدنا بقيام الانتخابات، وبالفعل كانت من أميز الانتخابات.
< أما خطر على بالكم القول الفقهي الذي يردده العلماء المسلمون بأن الخروج على الحاكم حرام؟
> هذه المقولة مقصود بها الحاكم العادل، وأنا لست من المتفقهين في الدين, ونحن يجب ألا نقيس حكامنا بالحكام الذين ظهروا في صدر الإسلام, ونحن كانت قلوبنا مع الشعب السوداني وتماسك السودان ووحدته، وهذه مسائل نعتبرها أهم من الحاكم نفسه سواء كان عادلاً أو غير عادل, وحتى لو كان عادلاً ولكن قد يسبب وجوده تفرقة للشعب السوداني نحن نقف ضد ذلك قطعاً، لأن الشعب السوداني لا بد أن يكون وحدة متماسكة واحدة.
< إذن انتماؤكم لمايو لم يمنعكم من الانحياز للشعب؟
> إطلاقاً وأنا ليلة 24 مايو 1969م كنت في مدرعة واحدة مع الانقلابيين في مايو، وأبرزهم خالد حسن عباس وأبو القاسم محمد إبراهيم وبالتالي شاركت في ذلك, ولكن مع كل هذا لم يمنعني ذلك من الوقوف مع الشعب وذهاب مايو، لأنني كما ذكرت لك يهمني أولاً وأخيراً تماسك الشعب أكثر من أية مبادئ أخرى.
< دائماً في مثل تلك اللحظات يكون هناك تخوف من البديل في حال ذهاب أي نظام.. فما الذي كان يدور في ذهنكم؟
> كان المبدأ الأساس أننا نتسلم السلطة، والشيء الثاني الأهم هو إجراء انتخابات حرة ونزيهة تشترك فيها كل الناس أحزاب وهيئات وأفراد وفعلاً هذا ما جرى, وأنا أكرر القول مرة أخرى إن الانتخابات التي حدثت بعد الانتفاضة كانت من أنزه وأجمل وأصدق الانتخابات التي حدثت في السودان إلى الآن.
< هناك حديث كان يتردد بأن المجلس العسكري الانتقالي كان متجاذباً بين اليسار واليمين.. ما صحة ذلك؟
> إطلاقاً داخل المجلس العسكري لم يكن هناك صراع سياسي لأنه لا يوجد زمن لذلك, فالناظر إلى تشكيلة المجلس يرى أن تكوينه تم من قادة الوحدات، ولهذا فإن الاتجاه كله كان منصباً نحو الوحدة والتماسك بين أعضاء المجلس، وبالتالي لم يكن هناك فكر خارج هذا الإطار, وعندما يجتمع أعضاء المجلس العسكري في القيادة كانوا بصفتهم قادة وحدات وليسوا حملة أفكار سياسية أو حزب، وكان همنا في تلك الفترة أن يتحقق الاستقرار للبلاد، بدليل أن الفترة من أبريل إلى حيث إجراء الانتخابات كانت من أكثر الفترات استقراراً.
< كيف كانت العلاقة بينكم وبين مجلس الوزراء الانتقالي وقتها؟
> كانت هناك ثقة متبادلة بين المجلس العسكري ومجلس الوزراء، لدرجة أن الاجتماعات الخاصة بالموضوعات والقرارات كانت هي اجتماعات مشتركة, وأؤكد لك مرة أخرى أن المجلس العسكري لم تكن فيه أية اتجاهات سياسية لا يمينية ولا يسارية.
< من صاغ لكم البيان الأول؟
> صياغة بيان المجلس تمت بمشاركة رئاسة وأعضاء المجلس مع القضاء العسكري، فهناك لجنة عسكرية من هؤلاء صاغت البيان الأول، ولم تتدخل أية جهة سياسية في ذلك, وكان البيان واضحاً وليس له أية علاقة بأي توجه سياسي.
< كنتم ومازلتم نادمين على حل جهاز أمن الدولة.. فهل مازال الندم قائماً؟
> للأمانة والتاريخ كان قرار حل جهاز الأمن من الأخطاء الكبيرة، لأنه كان يضم ضباطاً وضباط صف وجنوداً نزيهين وأمينين.
< برغم كل ذلك إلا أن تعامل أجهزة مايو مع الشارع لم يكن عنيفاً لماذا؟
> السبب في ذلك أن القوات المسلحة والشرطة كانتا على قناعة بأن الشارع خرج لقضية.