mlogo

الحوارات

الحوارات

مع د. علي الحاج في حوار الاعترافات «الأخيرة»:

أجراه: مزمل عبدالغفار
لقد تشكَّلت ملامح الأفق السياسي السوداني قبل استقلاله, بفعل خارجي ربما, ولكن ليس بإرادة وطنية خالصة, فتكوين الأحزاب السياسية تم بإشارة من الاستعمار, ربما استجابةً لرغبةٍ وطنيةٍ أو لمحاولة الإبقاء على روح الاستعمار في جسد وطني بعد العام 1947م, فالتشكيل المؤسسي الأول وُلد وفي داخله الاختلاف ثم كانت محاولة التحكّم عبر الطوائف في تجربة تكوين الأحزاب (الحزب الوطني الاتحادي والأمة), هذه الملامح التي شكّلت الأفق السياسي ولدت معها حال من عدم الاستقرار السياسي لتجارب الحكم الوطني التي استمرت من بعد ذلك والتي لم يحالفها التوفيق في أن تبقى أو أن تستقر هي نفسها أو أن تستقر بالبلاد, فأضحت هذه الدائرة الشريرة متلازمة (انقسامات ــ تمرد ــ انتفاضات ــ انقلابات) هكذا في تجربة الحكم العسكري الأول والتي نُسبت إلى حزب سياسي بعينه ثم التجربة العسكرية الثانية في مايو 1969م, والتي قدمت ثلاثة أنواع من التجارب السياسية حُسبت على اليسار في بدايتها ومضت نحو الوسطية في مرحلتها الثانية ثم انتهت يمينية في أواخر عهدها فلازم عدم الاستقرار كل تلك الحقب والفترات وما بين التجربة الديمقراطية الثانية والثالثة كان الصراع السياسي على أشدّه ومن ثم جاءت الإنقاذ وبلغت من العمر ثلاثة عقود أو ما يقارب وما زال السودان يمر بترنح وبمطبات واحتقان ومحطات شاقة من حيث جمع كلمة القوى السياسية والتأسيس للثوابت الوطنية وأمام القوى السياسية تحديات انتخابات العام 2020م فكيف يبدو المشهد في هذه الحلقة الأخيرة من الحوار المطوّل الذي أجريناه مع الدكتور علي الحاج محمد، الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، بحكم أن الرجل كان نافذاً في الديمقراطية الثالثة وفي الإنقاذ بل كان أحد مهندسي ومصممي الحكم الفيدرالي فسألناه بدايةً:
> كيف هي نظرتك للسلام والحريات؟
< حقيقة أقول إن السلام اليوم هو أفضل من الأمس وكذلك الحريات والقبول بالآخر وما نريده هو أن نمضي في هذه النواحي إلى الأحسن والأفضل والاقتصاد سيتعافى وما يهمنا هو أن تدرأ الحكومة الفساد.
> ما هو موقفكم من نداء السودان؟
< معلوم أن هناك معارضة سلمية وهناك معارضة تحمل السلاح, فهذا واقع ولكن نحن لسنا مع حمل السلاح ونقف ضد مبدأ حمل السلاح, ولقد عشنا زمناً في الخارج ورأينا ما رأينا ولذلك كان ولا زال التزامنا وإصرارنا على ضرورة حل المشكلات بصورةٍ سلميةٍ, والآن في تقديري أن كل المعارضين وأنا هنا لا أتحدث نيابة عنهم هم مجمعون على أن الحل الأمثل هو الحل السياسي السلمي وأنا مرةً أخرى أقول إنني لا أمثل المعارضين ولكن الانطباع العام مع ما سمعته من البعض منهم يؤكد ذلك, وأنا سبق أن التقيت بهم قبل مشاركتنا في الحكومة وبعدها وعلى صلات بهم بطريقة أو بأخرى فأنا أعتقد أن جلهم إن لم يكن كلهم يسعون نحو الحل السلمي أما إلى أي مدى الحكومة تتجاوب فلا أدري, ولكن نحن كحزب مشارك في الحكومة نشجع الحكومة وذلك من أجل أن يكون هناك حديث عن السلام مع القوى الموجودة ولا نتمسك بالشكليات لأنني حتى الآن أعتقد أننا متمسكون بالشكليات أكثر من الأشياء الموضوعية.
>  2020 ماذا تتوقع من شكل حزبي يحكم وآخر يعارض من حيث الكم؟
< أتوقع أن يخلص الناس في 2020م إلى أكثر من حزبين لهما الغلبة, ولكن هذا أيضاً يتوقف على الحزب الحاكم, فإذا الحزب الحاكم سار بنهج مخرجات الحوار ستقل حينها عددية الأحزاب, ولكن إذا استمر بذات النهج القديم حينها ستزداد عددية الأحزاب, فالأحزاب جميعها غير موحدة بما في ذلك الحزب الحاكم, وبالتالي فإذا كان الحزب الحاكم قد حقق المثال في نفسه من حيث التوحد سينعكس ذلك على الآخرين وستكون حينها النتائج جيدة.
> جميعكم كأهل إسلام سياسي معلوم أنكم قد اجتهدتم كثيراً في الماضي للترجيح بخيار الوحدة الجاذبة فلماذا لم يكن الجنوبيون الذين كانوا معكم رصيداً ورأس مال تعولون عليه وقتها؟
< المسألة ليست هي قضية الإسلاميين وصحيح كانت لنا مواقف جيدة مع الجنوب دون شك, ولكن ما حدث في السابق وأدى للانفصال أن هناك قوى خارجية دخلت, الذي رجح بخيار الانفصال ليسوا هم السودانيون من قوى إسلامية ولا غيرها بل هي القوى الخارجية فهي التي كان لها دور كبير، ولعلك ترى في السابق مسألة اجتماع مجلس الأمن في نيروبي والقوى الخارجية والزخم الذي حدث, وصحيح أن الإسلاميين والقادة الذين كانوا في الحكم استسلموا لما حدث ولكن الآن كل ذلك قد صار تاريخاً, لأنه حتى الجهات الخارجية التي كانت تسعى لفصل الجنوب وتتحدث كثيراً عن النواحي الدينية أيضاً فالآن وضح لنا أنه بعد انفصال الجنوب فالدين لم يتزايد في السودان ولم نصبح أكثر تديناً خاصة بالنسبة للناس الذين كانوا يرون أن الجنوب معوق في ذلك, ومن ناحية فالذين كانوا يعتقدون أن القضية هي قضية دين هناك خاب ظنهم فسارت المسائل عرقية, ولا دخل للعلمانية أصلاً بانفصال الجنوب ووضح ذلك تماماً من خلال المشكلات التي قامت هناك والتي لا علاقة للعلمانية بها وإنما مشاكل أخرى, ولكن أعتقد أن ذلك كان درساً لكل الناس بما فيها القوى الخارجية ودرس للإسلاميين أيضاً ودرس أيضاً للجنوبيين وبالتالي جميعنا قد استفاد من هذا الدرس, درس قاس ومؤلم ومكلف ولكن بالطبع الدروس لا تأتي بالمجان.
> هل شبح تقسيم السودان لخمس دويلات بات تخوفاً بعيد المنال؟
< أنا أعتقد أن ذلك التخوف والاتجاه هو بعيد المنال وهو ليس مستحيلاً بالطبع, ولكن كما ذكرت بعيد المنال, وهذا كله يتوقف على الوعي فكلما كان هناك وعي وحريات كلما كان الجنوح نحو الانفصال أقل, وبذات القدر كلما كان هناك كبت وإرهاب وقهر كلما كان الجنوح نحو الانفصال أكثر.
> كيف تنظر لمستقبل اتفاق سلفاكير ومشار من حيث الصمود؟
< هو حتى الآن صامد لأننا نقيس هذه المسائل بعملية الالتزام بوقف إطلاق النار وهذا تقدم كبير جداً, والسنوات التي دارت فيها المعارك كل القوى الخارجية بما فيها أمريكا لم تستطع إيقاف النزاع هناك.
> في السياسات الاقتصادية هناك من يقول إننا ما زلنا ندفع ثمن سياسات عبد الرحيم حمدي التي تمت وقت أن كنتم موحدين فهل هذا الواقع الذي نعيشه مرده لذلك؟
< ليس السبب هو ذلك وأنا حتى الآن من المؤمنين بسياسة التحرير كسياسة لا بد منها, ولكن المسائل تقتضي النظر للطبقات الضعيفة, وأنا أتساءل هنا لماذا ما زلنا ندعم البنزين لأنني أرى أن الدعم الموجه للبنزين الآن يجب أن يرفع.
> بوصفك مهندس الحكم الفيدرالي هناك مآخذ تقول إن مسيرة الحكم الاتحادي ترهّلت على يدك وما استطاع الناس أن يصلوا بعد ذلك إلى القول بأن الحكم الاتحادي قد أوصل الناس إلى مسألة الحكم الراشد فصارت اللا مركزية وبالاً على المركزية نفسها فما رأيك هنا؟
< هذا كلام مردود فهو لم يترهّل في عهدي بل ترهّل على يد من أتى من بعدي، فنحن عندما بدأنا مسيرة الحكم الفيدرالي لم يكن هناك هذا الترهّل, وأهم شيء في الترهّل الموجود اليوم هو أن أكبر مفارقة أنه بعد قيام الحكم الاتحادي صار البرلمان الآن به خمسمئة وسبعون عضواً وهذا لا يمكن وكذلك كل ولاية بها برلمان, ولذلك فالبرلمان القومي من المفترض أن يكون برلماناً للتخطيط القومي فقط, والحكومات الولائية نفسها يجب أن تنشأ حسب مقدرة الولاية المعنية, ونحن عندما قسمنا الولايات لم نفعل ذلك بنهج الإرضاء بل كانت بمعايير معينة ولكن بعد ذلك حدث ما حدث, وحتى اليوم ليس هناك حكم اتحادي قائم بل (كلام ساكت) وأنا حتى الآن أقف مع الحكم الاتحادي, وأكثر من ثلثي العالم نظام الحكم الموجود فيه فيدرالي, بل العكس فإذا عملنا بالفيدرالية منذ أن طالب بها تاريخياً الجنوبيون لكان الوضع الآن أفضل من ذلك.
> كيف تنظرون لانتخابات 2020م كحزب مؤتمر شعبي مع العلم أن هناك تقاطعات بين الحركة الإسلامية هنا وهناك أي هناك من هم مع الشعبي وآخرون مع حزب المؤتمر الوطني كقواعد؟
< إذا جاءت انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة فإن الطيور على أشكالها تقع وذلك فيما يختص بكيانات الحركة الإسلامية هنا وهناك وإلى أن يتم ذلك (الانتخابات الحرة) ستظل الضبابية موجودة.
> الناظر لمجلس الولايات يرى أنه تجربة جاءت في حكومة الأزهري الأولى ومن ثم اختفت إلى أن جاء في عهد الإنقاذ ولم يكن هناك تساؤل لماذا قام هذا المجلس ولماذا اختفى في تجارب الحكم السابقة جميعها؟؟
< مجلس الولايات هو شكل موروث من النظام البريطاني في ذاك الوقت ولكن بمجيء حكومة أكتوبر 1964م سار الناس في اتجاه البرلمان الواحد, أما النظام التشريعي الذي أتى بعد نيفاشا فهو نظام أقرب إلى النظام الأمريكي ولكنه جاء بطريقة مخلة وأنا أرى للمستقبل أنه ليس هناك معنى لوجود مجلس ولايات بعد العام 2020م.
> الآن برزت أصوات تنادي بهيكلة جديدة للحكم الاتحادي.. أي هناك من ينادي بدمج الولايات أو تقليصها ما رأيك؟
< في قضية الحكم الفيدرالي هناك أُناس لا يريدون الحكم الاتحادي ويقفون مع المركزية وهؤلاء خارج دائرة التاريخ, وآخرون ينظرون للحكم الاتحادي نظرةً خاصةً لأن الحكم الاتحادي الموجود الآن تغلب عليه الترضيات كما أسلفت ولا يوجد الآن معيار للولايات ولا للمحليات فكلها جاءت بالمطالب, ولذلك لا بد من حدوث المراجعة الحقيقية وأقول إن ديوان الحكم الاتحادي ليس له مكان من الإعراب ويجب أن لا يكون والبديل لذلك هو اللجوء للمحكمة الدستورية ووظيفة المعتمد يجب أن يتم إلغاؤها ودمج الولايات لا يمكن بل من الأفضل الزيادة في عدد الولايات.
> هل أنت نادم على هندسة الحكم الاتحادي؟
< لست نادماً على ذلك...
> ما هي نظرتكم للإصلاح الذي تنشدونه؟
< حقيقةً نحن هدفنا الإصلاح ولكن مع الشخص الموجود وليس بغيره.

تواصل معنا

Who's Online

591 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search