الحوارات

مع مدير جامعة الخرطوم الأسبق بروف مصطفى إدريس: (2 ــ 2)

حوار: ندى محمد احمد - تصوير: متوكل البجاوي
• كالحجر الضخم في (البركة الساكنة) كان ومازال دوي خطاب رئيس الجمهورية بالجمعة الماضية، الذي باغت القوى السياسية، بما فيها المؤتمر الوطني الذي فغر (فاهه) دهشة، إزاء التحول الضخم الذي نجم عن الخطاب، والذي دحرج الحزب من كرسي الحاكم إلى الحزب النظير لبقية الأحزاب، ولكن ضيف (الإنتباهة) رئيس تيار المستقبل ورئيس اللجنة التمهيدية التنسيقية الوطنية للتغيير والبناء، أحد قادة الحركة الإسلامية بروفيسور مصطفى ادريس مدير جامعة الخرطوم الأسبق، بدت آراؤه مغايرة تماماً، فهو يبدي الكثير من الشكوك تجاه الخطاب، واصفاً إياه بالغامض الذي لا يشفي الغليل، ولم يستبعد عامل المراوغة والتسويف، مدللاً بأن اذرع الوطني الاخطبوطية تجعله مهيمناً على مقدرات الدولة وصنع القرار.. وتالياً تفاصيل المقابلة التي توضح رؤيته التي صاغ من خلالها مواقفه تلك، فإلى الحلقة الأولى من الحوار:
> الرئيس دعا في خطابه للحوار، هل مازلنا في زمن الحوار؟
< افتكر حاولت في كتاباتي ووجدت ان الانقاذ دعت لـ (14) مؤتمر حوار منذ قيامها وحتى الآن، واخر حوار كان حوار الوثبة بمبادرة من الرئيس وهو حارسه وضامنه، ومع ذلك فشل الحوار فشلاً ذريعاً في تطبيق توصياته، فالمناداة للحوار هو حوار الطرشان، اذ ظلت مؤسسات الوطني قائمة كما هي، ولا اظن ان ينجح حوار بعد هذه المرحلة التي وصلنا لها، لأن الحزب الحاكم ادمن التحايل والاقصاء وعدم احتمال الآخر.
> مبادرتكم تحدثت عن سن قانون للعدالة الانتقالية ولم تتحدثوا عن محاسبة؟
< عندما تقول العدالة خلاص، ومن الاشياء المهمة جداً في مرحلة التغيير هذه تطبيق القانون دون تجاوز، واحيانا يسمونها العدالة الثورية، ونحن نريد العدالة القانونية الانتقالية الناجزة التي تتحسس المخالف بصورة قانونية وتحاسبه قانونياً، ولكن عندما تكون المحاسبة على الانتماء سيحدث إقصاء وتمضي البلد في متاهات شديدة، وننظر للماضي في حدود رد المظالم واخذ العبر فقط، ولكن تصويبنا يكون للمستقبل، ويمكن تجربة جنوب افريقيا بقيادة نيلسون مانديلا تجربة ناجحة جداً، فروح الوئام وعدم الاستئصال واجراء العدالة برد المظالم المثبة ممكن تهيئ الظروف لاستقرار البلاد.
> هل هناك فرق بين حكومة كفاءات وحكومة تكنوقراط؟
< هي واحدة، وتعني الافراد المتخصصين في مجالهم، وانا كتبت في هذا الموضوع ايام الحوار الوطني، وفي الزراعة نجمع كل الخبراء في المجال ونطلب منهم ماهي اولوياتنا في الزراعة مثلاً ومن هم المناسبون لهذا الامر لقيادة وزارة الزراعة ومعاونوه ايضاً، وتكون هناك مجالس استشارية، وفي مبادرة اساتذة جامعة الخرطوم التي تكتب حالياً عن كيفية الانتقال شيء من هذا.
> كثرت المبادرات يا بروفيسور مصطفى؟
< هي ظاهرة صحية وغير صحية، صحية لأن الناس شعروا بحجم المشكلة، ولا بد من التحرك، وغير صحية اذا تركناها تتمدد، لكن الآن حكاية التنسيقيات هذه بعضها حقيقي وبعضها غير حقيقي، واذا اجتمعت معاً يمكن للناس ان يصلوا لمشتركات، فكثرة التنسيقيات دليل عافية، ولكن عدم اجتماعها دليل مرض، لكن الآن هناك تفاهمات وتواصل من اقصى اليمين إلى اقصى اليسار، سعياً للوصول إلى مشتركات اساسية تحدث التغيير المطلوب في البلاد.
> هل قرارات الرئيس لها علاقة بمحور السعودية والامارات ومصر وامريكا، ام بمحور قطر وتركيا وروسيا وايران؟
< ما عندي تفاصيل دقيقة، ولكن سياستنا الخارجية محتاجة لكثير من إعادة الصياغة، فالتجارب في السنوات الماضية تفيد بأن بها الكثير من العك وعدم المؤسسية، فوزير الخارجية السابق بروف ابراهيم غندور خرج مغاضباً لأن كثيراً من صلاحياته نزعت لعوض الجاز ورئاسة الجمهورية، وظهر مصطلح الدبلوماسية الرئاسية في عهد طه الحسين، وفي الآخر خرج طه بالكثير من المرارات والاتهامات، وفي اليوم الثاني ظهر في دولة اخرى ويحمل جوزاً سعودياً واصبح مستشاراً، وقبل ان يكمل اسبوعاً التقى ممثلي السودان في اديس ابابا كممثل لدولة اخرى، فسياستنا الخارجية تحتاج للتأطير، وحتى اصدقائنا الذين يتعاطفون معنا نفقدهم لاننا لا نعرف كيف نرضيهم ونصل معهم إلى منفعة متبادلة، فالامارات والسعودية قدمتا لمصر اكثر من (60) مليار دولار، وهي لم تقدم جندياً واحداً في حرب اليمن، بينما نحن لدينا اكثر عشرة آلاف جندي يقاتلون هناك، ولم يزرنا حتى مسؤول رفيع، فسياستنا الخارجية تحتاج لمراجعة، للإبقاء على اصدقائنا الحقيقيين الذين نعول عليهم ونتمسك بالثوابت، ويجب الا نعادي اياً من دول الجوار او محيطنا العربي.
> من هم اصدقاؤنا الحقيقيون؟
< الذين لدينا معهم مصالح مشتركة
> هل تعني قطر تركيا ام؟
< قطر وتركيا والامارات والسعودية، والآن هناك قرابة مليون سوداني يعملون في دول الخليج، ولدينا مصالح مشتركة معهم.
> ولكنهم منقسمون لمحورين كما هو معلوم؟
< هناك دول لا تتعامل مع المحاور وتستفيد، لأنها تتعامل مع المصالح المتبادلة، فنحن أرسلنا جنودنا لليمن دون اشتراطات، فهذه السياسة لا تكسبك صديقاً ولا تدفع عنك عدواً، فنحن ننفر اصدقاءنا ونستنفر عدونا اكثر. وقد كتبت عن سياستنا العرجاء هذه.
> برأيك ما سر زيارة نائب رئيس وزراء قطر للبلاد في هذه الايام؟
< قطر تمثل الاعتدال ودولة المؤسسات، فهي دولة مؤسسات ومصالح عليا مشتركة للأمة العربية، وقطر استطاعت ان تستوعب العديد من المفكرين من مختلف القطاعات، ويقدمون لها آراءً ناضجة في كيف تتحرك، لذا بالرغم من كونها دولة صغيرة تمكنت من ان تتجاوز ازمة الحصار دون ان يؤثر فيها، وفي قطر هناك الكثير من النضج السياسي، والتقدير للمواقف المرتبطة بمصلحة الامة اكثر من مصالح العروش.
>  بداية بروفيسور مصطفى ما هي التنسيقية الوطنية للتغيير والبناء؟
< التنسيقية هي تجمع لمجموعات سياسية نشطة في الساحة السياسية، وهي مهتمة بالتغيير في البلاد، وفي هذه الظروف التي نعيشها اليوم الكل يجمع على ان السودان يمر بمرحلة حرجة ومأزومة في تاريخه، والكل ينادي بالتغيير لسنوات، فالأزمة ليست جديدة لكنها استعصت على الناس، وهناك الكثير من المبادرات في الساحة، فأنا كرئيس لمبادرة تيار المستقبل فقد نشرنا وثيقتها الاساسية، ووجدنا في الساحة الكثير من المبادرات الشبيهة بمبادرتنا، وعبر الحوار رأينا ان ننسق هذه المبادرات ونقرب الشقة، وبعض مما يؤرقنا في هذه المرحلة الإقصاء والتطرف في الشعارات، مثل (الكوز ندوس دوس) وما شابهه، فنفس الإقصاء الذي مارسه الوطني خلال (30) سنة الآن نفس الثورة بدأت تلوح فيه مثل هذه الشعارات، فرأينا أن نجمع كل التيارات الوطنية ونقرب الشقة، ونسعى لتوحيد مطالبنا، مع أن التنسيقية في وثيقتها تنص على ان كل اصحاب يمكن ان تكون لهم خصوصيتهم، ولكن هناك مشتركات يمكن ان نجتمع عليها وهذا هو الهدف، ويعذر بعضنا بعضا في ما نختلف عليه، والاختلافات شكلية.
>  الملاحظ ان الكيانات الموقعة على التنسيقية كلها إسلامية، فهل هي تيار لمواجهة تجمع المهنيين المحسوب على اليسار؟
< لا اعتقد.. فنحن في تيار المستقبل معنا أناس مختلفون مؤتمر وطني وشعبي ومستقلون وأناس لا علاقة لهم بالسياسة، وانا شخصياً مشارك في مبادرة اساتذة جامعة الخرطوم وموقع عليها واحضر كثيراً من انشطتها، وهناك من يصنفها بأن توجهها يساري، ومن استجاب للتنسيقية وهي في بداياتها اسلاميون وهم خمسة كيانات، لكن لدينا اربع وعشرون مبادرة اخرى ممكن تنضم للتنسيقية، ونحن محتاجون للجلوس معاً والاتفاق على مشتركات، فهم قد يختلفون معنا في بعض الجزئيات، فالتسيقية ليست للإسلاميين، وكل وطني غيور يرى ان لديه ما يقدمه للبلاد يشترك معنا، وحتى الاسلاميين عندما بدأنا نتشاور قال البعض نرجع إلى عمل اخواني منظم وتكوين اسر على غرار الحركة الاسلامية، فرفضت الغالبية وقالوا لا عودة للوراء، والآن الاسلام لا يحتاج لرفع اسمه، فالاسلام اصبحت له ارضية ثابتة حتى في الغرب، ونريد ان يتنزل الاسلام قيم حرية وعدالة ومؤسسية وشفافية وتخطيطاً استراتيجياً في المجتمع، وهذا هو الاسلام حقيقة، فلم يعد لدينا نفس الشعور في بداية القرن العشرين عندما جاءت الهجمة الاستعمارية وسقطت الخلافة الاسلامية في تركيا، وصار المسلمون يتامى، وظهرت حركات تنادي بالحفاظ على الاسلام، ولكن الله تكفل بحفظه، فيجب الا نتعصب لرؤية الحركة الاسلامية بالرغم من وجود مشتركات، ومعظم الذين وقعوا تجمعنا بهم صلات قديمة ايام الحركة الاسلامية والعمل المشترك، ولكن كل من وقع على التنسيقية يعلم ضمناً انها مفتوحة لكل التيارات، بل عندنا حوار جاد جداً، والاسبوع الماضي التقينا مع عدد من قيادات اليساريين وهم طلبوا ان ينسقوا معنا.
>  من هم هؤلاء اليساريون، هل هم تجمع المهنيين؟
< هم من القيادات المحركة للمهنيين، ومنهم محمد يوسف أحمد المصطفى ومنتصر الطيب، وحتى المؤتمر السوداني اتصل بنا السبت الماضي ويريد الجلوس معنا، ونحن منفتحون على كل من يرى اننا نحتاج لتغيير وطني، وننشئ تياراً وطنياً جامعاً.
> إلى ماذا خلص لقاؤكم مع قيادات المهنيين؟
< نحن لم نجلس معهم باسم المهنيين، ولكن نعرف منهم قيادات حتى الآن، ولكن في النية أن نجلس معهم هذا الأسبوع ونرتب للقاء، بحيث نكون معاً ونتفق على شعارات تجمع الأمة، ونبعد عن الشعارات الإقصائية، لأن الوضع في السودان مأزوم ولا بد من تغييره.
> هل تشير إلى أن التنسيقية في طريقها للتحالف مع تجمع المهنيين؟
< انا لا اسميه تحالفاً وانما هو تنسيق وتكامل ادوار وتعارف واتفاق مشترك في ان الساحة مفتوحة للجميع للتنافس، واذا صارت هناك مقبولية واذا هناك من يرى انه يمكنه إحداث التغيير في غياب الاسلاميين او ان الاسلاميين يذهبون لمزبلة التاريخ، هذا تفكير إقصائي بمعادلة صفرية لا تفيد البلاد ولا تفيد احداً، ونعتقد ان تكون الساحة مفتوحة للجميع، والحكم بيننا هو الشعب السوداني، وهو الذي يختار من يريد، ولكن انت عندما تقرر عبر الشعارات المتطرفة كنس كل من شارك في الإنقاذ وايدها وحمل اسمها ليذهب لمزبلة التاريخ، فهذه روح ليست طيبة، ونعتقد ان الساحة مفتوحة، ويمكن ان يكون هناك تعايش وتنافس شريف، ويمكن أن يؤدي ذلك لتجمع الاحزاب ذات الرؤى المشتركة يساريين او بعثيين عوضاً عن المائة حزب الموجودة الآن، لتكوين خمسة احزاب.
> أين هي التنسيقية من المظاهرات؟
< لدينا أناس معنا مشاركون في المظاهرات من قواعد كيانات التنسيقية بصورة راتبة ويفيدونا باخبارها، ونحن ذاتنا لا يوجد ما يمنعنا لولا الامراض كامراض الصدر القديمة المزمنة، فنحن نعتقد ان المظاهرات السلمية احدى ادوات التعبير المهمة جداً، بل هي التي حركت السكون في التعامل مع النظام القائم، وبقدر ما تتصاعد المظاهرات وتحافظ على سلميتها، فهي أداة ضغط مهمة جداً لاحداث التغيير.