mlogo

الحوارات

الحوارات

وزير المالية الأسبق والخبير الاقتصادي التجاني الطيب لـلإنتباهة

حوار: فاطمة مبارك
رغم الإجراءات التي اتخذت مؤخراً لمعالجة الأوضاع السياسية والاقتصادية وقضت بتكوين حكومة جديدة، إلا أن الوضع الاقتصادي في البلاد ما زال هو المتحكم في تعقيدات المشهد السياسي، على خلفية استمرار شح السيولة وارتفاع نسبة التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، إضافة لعدم وجود رؤية وخطة واضحة لمستقبل الحالة الاقتصادية بالبلاد، كما أن المراقبين والمختصين يؤكدون أن موازنة العام 2019 م قد تحتاج إلى إعادة نظر وتعديلات تواكب مستجدات المرحلة، فيما توقع بعضهم أن يكون عدم المواءمة بين تكلفة الخبز والوقود الحقيقية بعد ارتفاع أسعار النقد الأجنبي والسارية حالياً بمثابة قنبلة موقوتة، خاصة أن دعمها تضاعف أكثر من  ثلاث مرات في موازنة 2019 . (الانتباهة) التقت وزير الدولية للمالية الأسبق والخبير الاقتصادي الدكتور التجاني الطيب في حوار تناول الوضع الاقتصادي الراهن ورؤيته للحلول الممكنة لمعالجة مشكلات السيولة وارتفاع الدولار و نسبة التضخم، كما تطرق الحوار إلى مشكلات الخبز والوقود فإلى مضابط الحوار:
< كيف تُقيِّم الوضع الاقتصادي على ضوء الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في السودان؟
> الوضع الاقتصادي عموماً وضع متأزم والاحتجاجات  الشعبية في الاشهر الاخيرة رفعت من وتيرة التأزم، موازنة هذا العام كانت تتوقع نمو اقتصادي حقيقي في حدود 5 % ونمو كلي في حدود32 %.
< هل يمكن أن يتحقق هذا التوقع؟
> من الواضح أن عجلة الانتاج خلال الشهرين الماضيين تكاد تكون توقفت تماماً، ما ينعكس سلباً على المعروض من السلع والخدمات في السوق المحلية وعلى حجم الصادر وهذا سيؤدي الى تقلص ايرادات الصادر واتساع الفجوة بين العرض والطلب المحلييْن ويكون له انعكاسات سالبة على معدلات التضخم التي استهدفتها موازنة  2019 م بمعدل 27 % .  
< إذاً أنت لا تتوقع انخفاض التضخم كما توقعت موازنة 2019؟
> من الواضح ان الارقام الرسمية كانت بعيدة  كل البعد عن الواقع لان متوسط التضخم للعام 2018 م كان في حدود 63 % وفي ديسمبر بلغ المعدل حوالي 73% ما يعني استحالة الهبوط بمعدلات التضخم الى 27 % كما تتوقع موازنة 2019 وخاصة على ضوء الاحتجاجات الشعبية المستمرة.
< ما هي الآثار المترتبة على استمرار ارتفاع نسبة التضخم؟
>  سيؤدي ذلك لانعكاسات سالبة على ميزان المدفوعات المقدر ان يكون العجز التجاري فيه في حدود 2.5 مليار دولار في عام 2019 وان يكون العجز الكلي في حدود 300  مليون دولار.
< ما يعني استمرار الزيادة في العجز التجاري والكلي أليس كذلك؟
> بناءً على الصورة التي رسمناها في المقدمة فمن الواضح ان العجز التجاري سيفوق 3 مليارات والعجز الكلي لن يقل عن المليار في نهاية العام، اذا اعتبرنا ان الاحتجاجات الشعبية ستتوقف ويعاود الاقتصاد دورانه من جديد، لكن هذا مجرد توقع ولا اظن سيحدث على ارض الواقع.
< على ضوء هذه المعطيات كيف ترى الاقتصاد السوداني خلال العام الحالي؟
> الوضع الاقتصادي في 2019 سيكون في غاية الصعوبة وانعكاس ذلك على الموازنة العامة سيكون كارثياً، حيث تتوقع الموازنة عجزاً جارياً في حدود (32) مليار جنيه سوداني وعجزاً كلياً بعد اضافة اعتمادات التنمية في حدود 54 مليار جنيه، المظاهرات الاخيرة التي لم تكن ضمن ارقام الموازنة، اتخيل انها حتى الان اضافة عبئاً مالياً في حدود (24) مليار جنيه سوداني وهذه الفاتورة ستظل في الارتفاع طالما استمرت الاحتكاكات الاجتماعية وستضع موازنة 2019 في خانة عدم الواقعية.
< برأيك هل ستتم إعادة النظر في موازنة العام 2019؟
> الامر قد يستدعي اعادة النظر في الموازنة برمتها والاتيان بموازنة طوارئ تتماشى مع الوضع المالي والاقتصادي الحالي والمتوقع بناءً على الوقائع والحقائق على الارض ان يكون الوضع الاقتصادي والمالي عموماً غاية في الصعوبة ما سيعقد من المشكل الاجتماعي ويكون له اثار سالبة جداً على الاحتكاكات الاجتماعية الدائرة
< هل ما تتخذه الحكومة من إجراءات يمكن أن يخفف من الآثار السالبة؟
> الحكومة حتى الآن للأسف الشديد تتعامل مع المشكل الاقتصادي على اساس انه ظاهرة عابرة ولم تقدم اي حلول جذرية للمشكل، ناهيك عن فهم المشكل نفسه، الحكومة حتى الان تتعامل مع المشكل الاقتصادي على أساس انه مجرد سعر صرف وعملية دولار ليس الا، أما مشكلة الاقتصاد السوداني الاساسية والمتمثلة في عدم التوازن في الاقتصاد الكلي، اي الفجوة بين العرض والطلب في الاقتصاد الكلي مازالت كبيرة ومستمرة في الاتساع.
< ما سبب اتساع هذه الفجوة؟
> هذه المشكلة ناتجة من عدم الاهتمام بالقطاعات الحقيقية خلال العشر سنوات الماضية والتعامل مع التنمية على اساس انها قضية جانبية، بحيث إن جل إنفاق الدولة يذهب للانفاق الجاري بل بالعكس تقترض الحكومة ما يعادل 20% من الايرادات الكلية لسد الفجوة في الصرف التشغيلي فقط، ما يعني ان التنمية تحصيل حاصل، إضافة الى ذلك فان الانفاق في القطاع العام يمثل مشكلة كبيرة لان الحكومة تصرف اكثر من ايراداتها وبالتالي هناك طلب فائض في القطاع العام ينعكس سلباً على معدلات التضخم، ما يعني ان الحكومة هى جزء من مشكلة التضخم وليس الحل.
< كم بلغ الدين الداخلي تقريباً؟
> بالنسبة للدين الداخلي من المتوقع  ان يكون وصل حتى الان حوالي 100 مليار وسيكون في حالة ارتفاع مستمر طالما ان الانفاق سيظل في حالة ارتفاع، والمؤسف في مشكلة الدين الداخلي ان الحكومة تقترض من البنك المركزي لسد الفجوة في الميزان الداخلي اي في الموازنة العامة لكن لا تسدد، ما يعني انها تضخ نقداً بدون موارد حقيقية في السوق وهذا يشعل نار التضخم.
< يبدو كذلك أن الدين الخارجي في تفاقم؟
> بالنسبة للدين الخارجي الحكومة حتى الان ليست لها استراتيجية او رؤية في كيفية التعامل مع الدين الخارجي، الذي من المتوقع ان يكون وصل الى حوالي  56 مليار دولار  80% منها متأخرات على السودان و السودان الان  اصبح اكبر دولة متأخرات في العالم خاصة بالنسبة للمؤسسات الدولية العالمية وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الافريقي، فوضع السودان مالياً واقتصادياً يعتبر في مرحلة غاية في الحرج ويحتاج لعملية اسعافية لن تتحقق الا بارادة سياسية قوية وسياسات قوية تستعيد الحكومة بموجبها  الاوضاع الاقتصادية الى مسارها الطبيعي.
< الحكومة قالت إنها قصدت من الطوارئ مكافحة الفساد والتهريب ما تعليقكم؟
> بالعكس التهريب هو ظاهرة للندرة فطالما هناك ندرة سيكون هناك تهريب و عادة يتم عبر قنوات رسمية، وفي حالة الفساد الموجود الان في السودان  التهريب يكاد يكون إفراخ رسمي وليس شيئاً غريباً على الاوضاع الاقتصادية وليس هناك اي تهريب بالمعنى.
< أليس هناك تهريب للمشتقات النفطية كما ظلت الحكومة تردد؟
> إذا أخذنا المشتقات النفطية، نجدها بالنسبة لولاية الخرطوم معفية من اي رسوم واي ضرائب في حين بقية الولايات تدفع اكثر من 25 % رسوم وضرائب على المشتقات النفطية ما يعكس الفرق في الاسعار بين العاصمة والولايات الاخرى، والتي كلما ابتعدت الولاية  كلما زادت التكلفة نتيجة للترحيل والتأخير، فعملية التهريب كانت دائماً وابداً جزءاً من التركيبة الاقتصادية السودانية ولا اظن ان الطوارئ ستحد منها بل بالعكس الطوارئ قد تشجع المزيد من التهريب لانه كما ذكرت في الغالب التهريب يتم عبر قنوات رسمية ومعلومة للجهات المعنية.
< ما تقييمكم لمستوى السيولة في البلاد عقب طباعة فئة المائة والمئتي جنيه؟
> بالنسبة لمشكلة السيولة الحكومة للاسف لم تشرح للراي العام حتى الان ماهى المشكلة اساساً وبالتالي علاجها يكاد يكون علاجاً بالاعشاب، بمعنى ان الحكومة تعتقد بان رفع قيمة الفئات سيحل المشكلة مثلاً في عام  2018م زادت الحكومة الكتلة النقدية بنسبة 92 % وهذا لم يحصل لا في تاريخ السودان ولا تاريخ الاقتصادات التي توجد حول السودان، رغم ذلك المشكلة تفاقمت ولم تُحل، ما يعني ان المشكلة اعمق من ان تكون عملية رفع فئات نقدية.
< إذاً أين تكمن المشكلة؟
> المشكلة ذات شقين اولاً البنوك في حالة تعثر وهناك تكتم على هذه المعلومة وبالتالي ظلت مشكلة التعثر في البنوك مشكلة مؤجلة الحل.
< ماذا عن الشق الثاني؟
> ثانياً الحكومة منعت المؤسسات الحكومية التي تكاد تكون تتحكم في السيولة اليومية مثل الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية منعتها من فتح حسابات في البنوك التجارية وصدرت الاوامر بان تفتح هذه الجهات حسابات مع البنك المركزي السوداني هذا يعني باسلوب اخر محاربة التجنيب وهو اسلوب قد يكون صحيحاً، لكن نسبة لنفوذ هذه الجهات لم تنصع للقرار ولم تفتح اي حسابات مع البنك المركزي واستمرت في التجنيب .
< هل تستطيع مؤسسات مثل الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية حل مشكلة السيولة؟
> إذا اخذنا مثلاً الايرادات اليومية للكهرباء والمياه والمشتقات النفطية والسكر والشرطة  فلو اودعت ايراداتها  في البنوك ستحل الجزء الاكبر من مشكلة السيولة لكنها لم تفعل، كما اصبحت هناك عدم ثقة في الجهاز المصرفي وهذه مشكلة كبيرة لانه حتى لو توفرت السيولة سيكون هناك حذر واحجام عن التعامل مع الجهاز المصرفي لفترة طويلة حتى يستعيد الناس ثقتهم  فيه وكيفية التعامل  معه.
< ما تقييمكم لموقف الخبز والوقود هل طرأ انفراج؟
> الموقف كما هو، اتخيل ان الحكومة وقفت كحمار الشيخ في العقبة فبينما تغيرت الاسعار الداخلية اي اسعار النقد الاجنبي ظلت اسعار الوقود والخبز ثابتة ما يعني ان هذه الاسعار اذا اُخذت بتكلفتها الحقيقية ستصبح عبئاً كبيراً و انعكس ذلك في القدر الكبير للدعم المستهدف في ميزانية 2019 لهذه السلع، فمثلاً المشتقات النفطية على ما اذكر دعمها قد يصل الى اكثر من  50 مليار جنيه في العام 2019 كما تتوقع موازنة 2019 م، الدعم أصبح في حد ذاته مشكلة في الموازنة العامة لانه في 2018 الدعم وصل الى 25 مليار فقط لكن نتيجة لارتفاع التكلفة الحقيقية لهذه السلع وعدم تحريك اسعارها، ادى الى ارتفاع حجم الدعم بحيث تضاعف اكثر من ثلاث مرات وهذه مشكلة كبيرة وقنبلة موقوتة.
< كيف يمكن معالجة هذه المشكلة؟
الحكومة اذا حاولت معالجة هذه المشكلة في ظروفها الحالية، فهذا يعني المزيد من الانفجار في الشارع ما قد يخلق مشكلة كبيرة جداً للحكومة، من الناحية السياسية الحكومة في حالة تخوف من الشارع وفي نفس الوقت عدم ادراك لحجم المشكلة وكيفية التعامل معها.
<الحكومة يبدو أنها عولت على الذهب من خلال اتخاذ عدة سياسات في الفترة الماضية؟
> الذهب ليس ملكاً للحكومة، بالتالي ليس هو جزء من الموازنة العامة للدولة لكن الحكومة تحاول التحكم فيه من خلال شرائه وتصديره للحصول على نقد اجنبي يساعدها في تمويل ميزان المدفوعات على الاقل في الواردات في جانب ميزان المدفوعات، لكن الذهب كسلعة هو ملك للشركات والقطاع التقليدي .
< لكن يمكن أن تشتري الحكومة الذهب وتوفر نقداً أجنبياً؟
> حتى اذا اخذنا الكميات المنتجة من الذهب كما تم اعلانه في حدود 100 الف طن واخذنا ما تتحدث عنه الحكومة من عائد صادر هذه الكميات نجد ان هناك فجوة كبيرة بين الكمية المنتجة والمتوقع تصديرها وكمية النقد الاجنبي العائد من هذا الصادر ما يعني ان الذهب نفسه اصبح كالبترول.
< ماذا تقصد؟
الذهب اصبح يُجنب الجزء الاكبر منه ولا يأتي للبلاد انما يظل في الخارج تحت حسابات ليست حكومية وانما تحت حسابات شركات وهمية او اسماء وهمية ويتم استغلالها لتمويل عمليات الحكومة غير التنموية وغير التشغيلية كالتمويل العسكري والامني والشرطي، ما يعني ان هناك قناة اخرى تستغلها الحكومة  للحصول على هذه الاشياء ولو وظفت في التنمية لما وصل الحال الى ما وصل اليه الآن.
< نعود لموضوع الخبز هل هناك أمل لحل المشكلة؟
> ستظل المشكلة قائمة لان هذه السلع تستورد عن طريق الحكومة وبموارد نقد اجنبي والحكومة لا تملك النقد الاجنبي وعندها خياران اما ان تذهب عن طريق الممولين وفي الماضي كانوا نفس اصحاب المطاحن او الجزء الاكبر منهم او عن طريق ممولين خارج منظومة اصحاب المطاحن، يستورد هؤلاء القمح والحكومة تدفع متى ما توفر لها النقد الاجنبي لهؤلاء الاشخاص وهذا فيه تكلفة كبيرة جداً لان الحكومة ستضطر للدفع حسب ما يطلب الممول وليس لها خيار اخر، وبالتالي المشكلة ستكون في حالة تأزم مستمر، تستطيع الحكومة ان تشتري كمية من القمح والدقيق والمواد البترولية ويحصل انفراج في السوق ليوم او يومين ثم تعود المشكلة من جديد ،ستظل المشكلة قائمة ومتفاقمة.
< إذاً الحكومة ليس لها حل؟
> الحكومة ليس لها رؤية واضحة او حتى موازنة نقد اجنبي على الاقل لوعندها موازنة نقد اجنبي فيها اسبقيات محددة كان يمكن ان تتعامل مع مشكلة القمح والدقيق بصورة اجدى واحسن، لانه حسب تقديرات الحكومة اجمالي صادرات السودان من المتوقع ان يبلغ 4 مليارات  في عام 2019 فهذه الارقام اذا وضعت حسب الاسبقيات في اطار موازنة نقد اجنبي تكون اكثر من كافية لتمويل هذه الضروريات .
< قيل إن الحكومة القادمة ستخفض المجالس التشريعية ما أثر ذلك على الوضع الاقتصادي؟
> حل مجالس الولايات او تخفيضها  قد يؤدي لخفض الانفاق التشغيلي بالنسبة للولايات، هذا اذا كان الهدف فعلاً تقليص حجم الدولة ككل، فهذا حتماً سيكون ايجابياً على الموازنة العامة، تحويلات الحكومة الى الولايات تبلغ 44 مليار في العام واذا حصل ان هذه المجالس عُدلت او خفضت بنسبة كبيرة، سينعكس ذلك   في انخفاض الانفاق على هذه الولايات  وخفض المجالس حتماً سيؤثر إيجابياً على وضع الموازنة العامة بالنسبة للدولة بل على الطلب الفائض في القطاع العام الذي يؤثر سلباً على الواردات ومعدلات التضخم في الداخل لكن في تقديري ليس هذا هو الهدف، لان النظام قائم على هذه الهياكل فاذا تخلص النظام من هذه الهياكل فسياسياً ستكون هناك مشكلة  كبيرة بالنسبة لاوضاع واستمرار النظام القائم نفسه.

تواصل معنا

Who's Online

730 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search