mlogo

الدينية

منهج القرآن فى الإقناع

هل الصراع بين الإسلام والغرب يعود إلى أن الخطاب الديني الإسلامي قرآن وحديث مفروض على عقول الناس بالتربية ويدعو إلى التسليم بدون برهان؟ وإذا كان يدعو إلى رفض كل ما لا يثبته البرهان فكيف تنسجم الدّعوى التي يحملها هذا التساؤل مع حقيقة أنّ الإسلام جاء إلى الناس كافة؟ ممّا يفترض أنّ الخطاب القرآني والاقتصار عليه في التعامل كان سبباً في انحباس الفكر الإسلامي، وفي الصّراع الدّائر بين الإسلام والغرب والناتج حبسهم عن أنّ الفكر الإسلامي ذاته لا ترقى أدلته إلى مستوى البراهين الكفيلة بإحداث التفاعل الإيجابي بين المتحاورين وتشكيل تواصل واعٍ قائم على سلامة الممارسة المنطقية للفكر والثقافة.‏
 لقد رافق هذه الدّعوى دعوى أخرى ليست أقل خطورة من الأولى وهي أنَّ أساليب الحوار بدأت مع ظهور الفرق الكلامية، وأنّ الفلاسفة المسلمين هم فقط الذين مارسوا النظر العقلي ممّا يوقفنا عند محاولة فصل الفلسفة الإسلامية عن الخطاب القرآني وإرجاعها إلى أصول يونانية، فإذا ما أراد المسلمون التواصل مع الغرب بالقرآن وقعوا في الصراع، الأمر الذي يدعو إلى اتّهام الخطاب بخلوّه من أي تصوّر منطقي يفرز الشروط الأساسية للتحاور من استدلال وتعليل فرضتهما الفعالية العقلانية الإسلامية التي ليست بالضرورة هي نفسها العقلانية الغربية؛ لأن في ذلك إلغاء للتفرّد والخصوصية واختلاف الزمان والمكان، مع أنّ ذلك لا يعني أن يتناقضا، لأن التناقض هو الفيصل بين العقلانية وعدمها، خاصة أنّه كثيراً ما يوضع الدين في عرف البعض مقابلاً للاعقلانية وكأنّ الحدود بين النظر العقلي والدين حدود فاصلة. والحق أنّ ما غاب عن جلّ الباحثين والمنظرين قديماً وحديثاً، هو أنّ كثيراً ممّا يعتبر مكوّناً ذاتياً للنظر العقلي يتبيّن عند إمعان النظر فيه أنّه مستمدّ من معانٍ دينية صريحة (2).‏
 قد تنطبق هذه الدعوى وغيرها على الدّيانة الغربية التي لا تحتوي نصوصها على قوانين الاشتغال العقلي، الأمر الذي وسم الخطابات الدينية الغربية بقاعدة (آمن كي تعقل) أمّا الأمر مع الخطاب القرآني فمختلف، لأنّه اعتمد على الحجة العقلية ووُجّه للقوم الذين يعقلون ويمارسون قاعدة (اعقل لكي تؤمن) مقابل (آمن لكي تعقل)، فإذا ما تجسّد اشتغال العقل في الخطاب نكون أمام فعالية خطابية تتوفّر بالفعل وبالضرورة على أُسس التحاور الاستدلالية بمختلفة صورها التي ورد بها النص القرآني، والتي لا نستطيع أن نحصيها في أشكال وصور معيّنة لعلّ أهمها الصّور الحجاجية باعتبارها الصنف الأكثر قابلية للإمساك به، ويمكن التعامل به في مختلف مجالات التّثاقف العامة التي تيسّر التواصل الإنساني، كما يؤدي إلى الإقناع الذي يفرض المشاركة بين الطرفين المتحاورين دون إكراه، وقد تطول اعتقاد المقتنع فيلتزم بما يعتقد به مُحاوره إذا اقتنع برأيه واعتقد بصحة الدليل القائم عليه هذا الرأي.‏
 غير أنّ موضوع الإقناع وإن كان هو فعل الصّورة الحجاجية، فإن الخطاب القرآني حقّق هذا الفعل بواسطة قوى أفعال الكلام المنجزة من خلال العبارات وما تحقّقه بدورها من آثار ونتائج مهما كانت صفتها، فإن إيقاعها يبقى إقناع الآخر، ليس من باب إحداث الغلبة لطرف على حساب الآخر ولكن من أجل الحوار والتواصل.‏
لا شكّ أنّ موضوع الآخر باستناده إلى أُسس الذاتية وإلى صيغة العلاقات ما بين الشخصية، يتّخذ حساسية معينة وخاصة في الموضوعات المرتبطة بالعقيدة، غير أنّه وفي صميم الخطاب العقائدي يمكن أن نتعرّف على الإشكاليات نفسها التي طرحت عند فلاسفة اللُّغة والحوار، وأهمّها إشكالية وجود الآخر ومعرفة الآخر؛ فالخطاب القرآني يحيلنا إليها من خلال الحوار المعرفي الذي تحدّد نظرة الإسلام إلى الخلاف الفكري بأنّه مقولة تفتح كل مجالات التحاور والتواصل لا الصّراع والعداء

Who's Online

1059 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search