mlogo

السياسة

سياسة

اعترافات الحكومة بالتقصير.. خطــوة نحـو الحـل!!

ندى محمد أحمد
مازالت المظاهرات التي انطلقت من عطبرة بولاية نهر النيل وبقية الولايات تلقي بظلالها على الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد، وتتابعت ردة فعلها بشكل لا ينقطع بما في ذلك اعترافات المسؤولين بالأزمة ومسبباتها، فالأزمات المتلاحقة على المواطنين في احتياجاتهم اليومية المباشرة من خبز ووقود وسيولة، هي التي فجرت تلك المظاهرات الواسعة النطاق، فلم يعد بالإمكان احتمال الصفوف اكثر مما سبق، فضلاً عن الغلاء الفاحش الذي طال كل سلعة او خدمة او منتج، وبلغت نسبة التضخم نحو (70%)، وذلك على خلفية التدهور المريع للعملة الوطنية إزاء الدولار الامريكي، ومن جهتها لم تنف الحكومة حقيقة الازمة الاقتصادية الطاحنة التي تشكو منها البلاد، واقرت بأنها هي المسؤولة بالدرجة الاولى عن هذه الازمة، ولكن ماذا بعد الاعتراف؟
 اكثر التصريحات وضوحاً صدرت عن رئيس القطاع السياسي بالوطني عبد الرحمن الخضر الذي أقر (بأن ما حدث من احتجاجات كان بسبب ما صنعته أيدينا) في إشارة منه للحكومة والحزب، جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية بالبلاد التي انعكست على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وقال الخضر مخاطباً  بالقضارف لقاءً تنويرياً حول المظاهرات: (علينا ألا ندفن رؤوسنا في الرمال ونواجه تداعيات تلك الأحداث، ونعترف بإخطائنا، وأخذ العبر والعظة، واستلهام الأفكار والخطط والبرامج لتلافي حدوث مثل تلك الأحداث مستقبلاً). وأقر الخضر بأن هناك أزمات عميقة لا يمكن إنكارها ينبغي التعامل معها بجدية وإيجاد الحلول الجذرية لها. وأرجع الأزمة الاقتصادية إلى انفصال الجنوب الذي كان بمثابة قاصمة الظهر لاقتصاد البلاد. وأضاف أن التظاهر حق مكفول للجميع، ولكن ينبغي على المتظاهرين عدم الجنوح لتخريب مؤسسات الدولة. وقال: (على الحكومة السماع لمطالب المحتجين وحلها)، وأكد ان حل مشكلة الوقود بصورة جذرية خلال أسبوعين. وتابع قائلاً: (استهداف المتظاهرين لدور الحزب ينبغي الوقوف عنده). وأكد قيام الانتخابات القادمة في موعدها باعتبارها حقاً دستورياً والطريق الوحيد للتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع). وقال: (نحن قاعدين في السلطة العايز يأخذها بالقوة سيجدنا قاعدين)، وأرجع الخضر الازمة الاقتصادية إلى انفصال الجنوب، بينما السؤال البديهي هو لماذا لم تحتط الحكومة للانفصال؟   
 ويرى أكثر من مراقب أن الحكومة لم تكتف بتجاهل الحقائق الاقتصادية المريرة التي سيخلفها الانفصال فحسب، بل دفنت رأسها في الرمال واخذت تبشر الناس بأن الانفصال وذهاب النفط لن يؤدي إلى انهيار الاقتصاد، وفي حديث للزميلة (الرأي العام) في سبتمبر 2009م قال وزير المالية علي محمود: (خذها على لساني لن يكون هنالك انهيار اقتصادى، وقد تبدو بعض المظاهر من ارتفاع فى الاسعار، وهذه ظواهر عادية جداً، ولكن دولاب الدولة سيستمر كما هو والبلد ستكون ماشة عادية، واطمئن الناس الى أنه لن يترتب على نتائج الاستفتاء أي شيء)، وبسؤاله عن التوقعات بارتفاع اسعار السلع قال: (لدينا حزمة سياسات كاملة للظروف المتوقعة بعد الاستفتاء ستحدث الوفرة والرخاء، ونحن فى تقديراتنا ان عام 2011م سيكون افضل من 2010م، وذلك بدراساتنا التى اجريناها على مستوى أسعار السلع ومستوى ايرادات الدولة ومستوى الوفاء بالتزاماتها، وتوافر العملات الصعبة.. وكل هذه الدراسات تؤكد ان عام 2011 سيكون افضل من عام 2010م).
وفي لقاء له مع رؤساء التحرير السبت الماضي حمل مدير جهاز الامن الفريق اول صلاح قوش الجهاز التنفيذي وولاة الولايات مسؤولية تدهور الخدمات والأزمة المعيشية الراهنة، مؤكداً أن الأمن يقوم بأدوار كبيرة لمعالجة الوضع، وقال: (راقبنا الدقيق من المطاحن حتى مراكز التوزيع والمخابز وحدث استقرار، ولما تركنا الأمر للجهاز التنفيذي والولاة عادت الأزمة من جديد)، وقال: (عندما اندلعت المظاهرات في عطبرة لم يكن هناك جوال دقيق واحد، وجميع عربات نقل الدقيق كانت في صفوف الجازولين في الخرطوم)، موضحاً أن عدداً من الولاة ابرموا اتفاقيات مع تجار لتوفير الدقيق التجاري للولايات، وأضاف قائلاً: (حكومة البحر الأحمر قررت وحدها دون الرجوع لأحد بيع الرغيفة بثلاثة جنيهات، فكيف لا يحتج الناس على سعر الرغيفة بثلاثة جنيهات).
وانتقد قوش معالجة أزمة السيولة من قبل  المالية وبنك السودان، وقال: (لا يمكن حل الأزمة بتحديد سقوفات للسحب)، مشيراً إلى أن الحل في توفير حاجة المواطنين من السيولة، وقال إن الحكومة لا تملك نقوداً كافية، موضحاً أنهم في جهاز الأمن دخلوا في السوق الأسود للعملات والمضاربة في الذهب لحل مشكلة السيولة، وقال: (نشتري من السوق الأسود ونضارب في الذهب، ولمعالجة الشر يجب أن تكون في قلبه). وقال إن سوق العمل في السودان لا يقوم على ضوابط، وإن أرباح رجال الأعمال من النفط في السودان أضعاف ما هي عليه في العالم. وقال قوش: (على الحكومة أن تخرج لمخاطبة المواطنين المحتجين في الشوارع، ويجب أن يخاطب الجهاز التنفيذي المحتجين في الشوارع، وما أقوم به الآن ليس من عمل الجهاز، فليس من مهامنا أن نخاطب الناس ونقدم معلومات).
وبينما جاءت اعترافات الخضر مجملة في عمومها، كانت اعترافات قوش مفصلة، فهو تحدث عن فشل الحكومة في توفير الدقيق والسيولة المالية والوقود، وفشلها في إعمال الضوابط الرقابية المطلوبة في ما يختص بعملية استيراد الوقود، وفشلها في إدارة ازمة المظاهرات ومخاطبة الناس بشأنها، فضلاً عن الفشل الذريع في سياسة العلاقات الخارجية التي اقتصرت على تجنب المواجهة دون تحقيق المصالح التي تسعى لها الدول في علاقاتها الخارجية.
اما رئيس حزب الامة القومي الصادق المهدي الذي عاد للبلاد مع بدء شرارة المظاهرات الاربعاء الماضي، فقد قدم روشتة الحل للحكومة في مؤتمر صحفي بالسبت الماضي، بتشكيل حكومة وفاقية جديدة تشارك فيها جميع الأطراف. كما ظلت كل الاحزاب والقوى السياسية التي شاركت في الحوار الوطني الذي وضع توصياته في اكتوبر 2016م تناشد الحكومة الالتزام بكلمتها بتنفيذ توصياته، ولكن، خاصة بعد إجازة قانون الانتخابات دون ان يتوافق المؤتمر الوطني مع قوى الحوار، فضلاً عن شروعه في تعديل الدستور ليجعل مدد الترشح لرئاسة الجموهرية مفتوحة، بعد ان قيده الدستور الحالي بدورتين رئاسيتين فقط، فهل تستمع الحكومة لنداء المهدي وقوى الحوار، ام تضيع الفرصة التي تبدو هي الأخيرة، بحيث لا يجدي السمع أو الفهم لاحقاً؟

تواصل معنا

Who's Online

724 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search