mlogo

السياسة

سياسة

(الأمة) و(الشعبي) .. رغبـات الرحيل السلس

سناء الباقر
يبدو أن كثيراً من القوى السياسية قد فرغت من دراسة وتقييم خطاب الرئيس البشير الذي بدا بمثابة الحجر الكبير الذي أُلقي به في بحيرة ظلت ساكنة زمناً طويلاً، الأمر الذي شجع بعض القوى السياسية لطرح بعض المطالب والمقترحات والمبادرات لحل الأزمة الراهنة، حيث أيدت بعضها ما جاء بالخطاب دون دراسة فيما توارت أخرى خلف مواقف سياسية رمادية للصيد في كل الاتجاهات، عسى ولعل أن تظفر بشيء من الكيكة القادمة بعد حل حكومة الوحدة الوطنية. فمنذ تلاوة الخطاب، زادت الأوضاع السياسية حمية بين متحفظ ومتأهب ومراقب، وقد شهدت الساحة مبادرات واقتراحات لم تكن مبادرة د.تجاني سيسي آخرها. 
ولم يشذ رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي عن سرب هذه المبادرات والحراك السياسي المحموم، فقد أطلق نداءً طالب فيه الرئيس البشير بتقديم تنازلات والاجتماع بالقوى السياسية المعارضة وممثلي القوى الشعبية، ليحقق مخرجاً آمناً للبلاد يقدره له أهل السودان لتحقيق نظام جديد يحول الاستقطاب لوحدة وطنية والعزلة الدولية لتعاون دولي ولقيام نظام جديد يحقق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي بصورة قومية وبلا مخاشنة، كما وتشمل رفض إعلان الطوارئ ضد الحركات المدنية السلمية التي تمارس حقها في التعبير السلمي عن مطالبها، ورفض عسكرة الإدارة، موضحاً أن القوات المسلحة مؤسسة قومية وظيفتها الدفاع عن الوطن ضد أعدائه بفهم جيش واحد شعب واحد. ودعا لإطلاق سراح كافة المعتقلين .. 
الحزب الاتحادي المشارك في الحكومة، من جهته لم يفوِّت الفرصة، حيث تقدم بمبادرة من 14 بنداً لحل مشاكل السودان. فقد طالب على لسان مساعد الأمين العام للشؤون السياسية محمد يوسف الدقير بحل البرلمان وتعيين جمعية تأسيسية بدلاً عنه، تحوي جميع القوى السياسية والمجتمعية، وإعادة النظر في الحكم الاتحادي. كما طالب بإطلاق المعتقلين السياسيين، فضلاً عن حل الاتحادات والنقابات ومراجعة قوانينها، ورجح إلغاء انتخابات 2020 وأكد على ضرورة الحوار، وقدم مبادرة دعت لأهمية عدم تأثير حالة الطوارئ على الحريات السياسية والشخصية، وقصرها على بسط هيبة الدولة وضبط حركة الأسواق ومعالجة الخلل الاقتصادي ومحاربة الفساد. ودعا لحل الصناديق والمجالس التخصصية والمفوضيات وإعادة هيكلتها وتكوينها على أسس قومية بما يستوعب المرحلة ويطالب الرئيس بمتابعة ملف السلام بنفسه. 
نائبة رئيس البرلمان عن الاتحادي الأصل عائشة محمد صالح طالبت هي الأخرى بتقليص فترة الطوارئ لستة أشهر بدلاً عن عام، وحذرت من إساءة استخدام قانون الطوارئ، وهددت بمناهضة القانون حال أصبح سيفاً مسلطاً لقتل المواطنين وسلب حقوقهم، وقالت لكنه لو كان لمحاربة الفساد والقطط السمان سنبصم عليه . 
 المؤتمر الشعبي لم يتأخر كذلك عن ركب هذه المطالب، حيث دعا إلى لقاء جامع بين القوى السياسية والبشير سواء في مؤتمر دستوري أو نحوه، فقد تقدم بمبادرة يؤكد فيها أن الرئيس البشير يمثل العنصر الأساسي في حقن الدماء، ونقل المعركة للبناء بدلاً عن الصراع الدموي، وطالب بشير آدم رحمة، الرئيس البشير بإنهاء علاقته تماماً بالمؤتمر الوطني حتى تهدأ ثورة الشارع وإعلانه صراحة بعدم الترشح مرة أخرى، وطالبه بأن يدعو لمؤتمر حوار للاتفاق على فترة انتقالية وأن يكون على تواصل مباشر بالأحزاب بالداخل التي لم تشارك في الحوار، وأن يبعث رسائل مطمئنة لمن يحملون السلاح ويطلب منهم الاشتراك في حوار غير مشروط وألا يكون له سقف سوى وحدة السودان. 
وفي مبادرة الشعبي شعور ضمني بالارتياح حول ما أصاب خصمه التقليدي (المؤتمر الوطني) من سهام ترك البشير رئاسة الحزب والبقاء برئاسة الجمهورية فقط.. 
حزب المؤتمر الوطني ربما أصابته سهام قوية بتنازل البشير عن رئاسة الحزب وأصبح - بحد قوله- على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، ويبدو آخرون غير مصدقين للمفاصلة التي حدثت بين الحكومة والحزب، مما دعا البعض وعلى رأسهم عبد الرحمن الخضر بقوله إن الحزب لم يفقد بريقه السياسي بمفارقة الدولة . 
بعد كل هذه المبادرات والحراك السياسي، هل يمكن للرئيس البشير أن يقف على مسافة واحدة منها كما ذكر سابقاً ويمازج بينها، ام أنه سيعمل بآراء الحزب رغماً عن تخليه عن رئاسته التي لم يرتضيها أغلب قادة الحزب والقواعد، وظهر ذلك جلياً حينما استطلعنا بعضهم في تحقيق سابق حيث ذكروا أنه لا بديل للرئيس في الحزب وأن عدم وجوده في الحزب سيكون خصماً على انتخابات 2020 التي أصبحت أيضاً في مهب الريح فيما يبدو ربما نتيجة للطوارئ ولتخلي البشير عن الحزب الذي سيخوضها معه كقواعد . 
الأيام القادمة كفيلة باستجلاء الحقائق وعلى اي جنب سينام الرئيس البشير، واي المبادرات سيكون لها القدح المعلى والحظ الأوفر في التنفيذ او أن تكون هي سنام المبادرات، وهل يمكن للبشير أن يكون على ذات المسافة من كل المبادرات، والى أي مدى الحكومة جادة في التنازل لصالح القوى السياسية؟ وما هو الجديد لتأمله القوى السياسية في الحكومة, وهل قول البشير بأنه سيكون على مسافة واحدة من القوى السياسية كان بادرة أمل للأحزاب والقوى المختلفة لطرح المزيد من المبادرات، وأن البشير عرف من أين تؤكل كتف هذه الأحزاب وكيف يمكن ترويضها ؟ !
رئيس تحرير (الصيحة) عبد الرحمن الأمين يرى أن خطاب البشير نفسه يعتبر مبادرة فمنذ أن انطلقت الاحتجاجات في ديسمبر الماضي بشعار (تسقط بس)، وفي المقابل مؤيدو النظام بـ(تقعد بس)، رأى كثيرون أن هذه الشعارات لن تؤدي الى خروج البلاد من أزمتها، بل أن البعض اعتبر هذه المبادرات مجرد مواقف سياسية تعبر عن طارحيها ولا تتضمن آليات تمكن من تنفيذها، من ذلك مثلاً أن كل المبادرات التي شهدتها الساحة تستند على حكومة انتقالية. أما كيف تتكون هذه الحكومة الانتقالية، فلا تملك هذه المبادرات آليات لإنفاذها على أرض الواقع. وقد اعتبر الأمين مبادرة الصادق المهدي ام المبادرات وأبرزها والتي نادى فيها بأن يلتقي الرئيس بكل القوى السياسية وأن يرحل النظام رحيلاً سلساً، يريد الصادق أن يكون عبر حوار متفاوض عليه او كما قال الأمين، ومن ثم فترة انتقالية تخرج بالبلاد من أزماتها, ربما هذا هو ما ذهب إليه من باب آخر أحمد بلال الذي قاد الى كل ذلك أن الموازنات على الأرض لم تصل مرحلة أن تصل الانتفاضة الشعبية مرحلة نضجها ومن ثم سقوط ثمرتها والتي تعني أن يقع انحياز عسكري لها. واستبعد أن يبدو ذلك قريباً على أرض الواقع وأن الجبهة الأمنية ما تزال متماسكة وتقف خلف البشير .
وأضاف الأمين أن خطاب البشير أراد تقديم مبادرة فحواها فك ارتباطه مع حزب المؤتمر الذي اعتقد كثيرون أنه جير الحوار في الماضي لصالحه وقلب مصلحته وطغا على الآخرين، ومن ثم فالبشير أراد من خلال مبادرته القول إن حكومة المهام التي أعلن عنها والتي تضم أهل الكفاءات والقدرات هي ذاتها الحكومة الانتقالية بمسمى آخر وأن على القوى السياسية أن تقبل على حوار يفادي البلاد المواجهات وهو حوار لن يكون أسيراً لجهة، بمعنى أنها تمثل استجابة جزئية لمطالب المعارضة بحيث تعمل حكومة المهام هذه على إنجاز مهمة الحكومة الانتقالية ومن ثم التجهيز لانتخابات تشرف عليها حكومة المهام وبالتالي لتطمئن المعارضة أن الانتخابات لن تشوبها شائبات الانحراف بها او تزويرها. ويرى عبد الرحمن الأمين أن لقاء المهدي البشير من خلال مبادرته يُراد به التأكد من المصداقية والجدية والاتفاق على خارطة طريق والاطمئنان على معايير حكومة المهام وحتى فترتها الزمنية، وكذلك الطلب برفع الطوارئ لتمكين الحريات والممارسة السياسية، البشير الآن كل الذي يمكن ان يقبل به هو الانتقالية وإن كان بمسمى آخر هو حكومة المهام، لكنه يظل على رأسها الى نهاية مدتها، وليس أكثر من هذا.
 

تواصل معنا

Who's Online

729 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search