mlogo

السياسة

سياسة

(البشير) يُبحر وحيداً بعد إعفاء (بكري)

صديق رمضان
بين 1989 و2019 جرت الكثير من المياه تحت جسر مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، الذي استولى على الحكم عبر انقلاب عسكري.. فالثلاثون عاماً التي انصرمت من عمر النظام تعد كافية لحدوث تغييرات كبيرة وربما جذرية في قائمة أولئك الضباط المنتمين للقوات المسلحة والذين أمسكوا بزمام الأمور بالبلاد ردحاً من الزمان ثم ترجلوا بعد ذلك، وكان المقدم آنذاك ،الفريق أول بكري حسن صالح آخر الذين لوحوا بالوداع لسفينة الإنقاذ ليبقى قائدها المشير عمر البشير يبحر وحيداً وهو يصارع أمواج السياسة المتلاطمة على أمل أن يصل بها نحو شواطئ الأمان.
بداية الابتعاد
تركيبة حكم الانقاذ التي مزجت بين العسكر والمدنيين كانت السبب المباشر في انتهاء علاقة الكثير من اعضاء مجلس قيادة الثورة بالنظام الجديد، والذين كان عددهم عند انقلاب يونيو من العام 1989 خمسة عشر ضابطاً في رتب عسكرية بين الرائد والعميد ،وقد بدأ تساقط رفقاء المخاطرة الانقلابية مبكراً وتحديداً بعد عامين من الانقلاب، وفي العام 1993 وفي التعديل الوزاري الثاني الذي اجراه الرئيس البشير خرج عدد من اعضاء مجلس الثورة عن الحكم أبرزهم العميد طيار فيصل مدني مختار الذي كان يتولى حقيبة وزارة الصحة وكان قبل ذلك حاكماً لاقليم كردفان، ويشير شهود لتلك الحقبة التاريخية من عمر الانقاذ  الى ان العميد فيصل اظهر في اكثر من موقف تبرمه من التعامل مع المدنيين «الإسلاميين» وتدخلهم في صلاحياته ،ولم يكتف بذلك ففي تلك الفترة اعلن عبر تصريحات صحفية عدم ارتياحه للعمل مع الجبهة الاسلامية وكثمن لمواقفه المناوئة «للجبهجية» كان ان تم الاستغناء مبكراً عن خدماته وخرج من قائمة اعضاء مجلس قيادة الثورة، اما اللواء عثمان أحمد حسن رئيس اللجنة السياسية وقتها فقد خرج ايضاً باكراً بسبب موقفه الرافض للتدخل العراقي في الكويت وهذا كان يبدو مثل السباحة عكس التيار، لان النظام الوليد بدا متعاطفاً مع الرئيس صدام حسين، وفي ذات الفترة خرج اللواء فيصل علي ابوصالح، فيما غيب الموت في الاعوام الخمسة الاولى للثورة العميد بيو يوكوان الذي تنحدر اصوله من قبيلة الشلك بجنوب السودان الذي سعى كثيراً لايقاف الحرب فيه وكان من ابرز حمائم السلام في الانقاذ، وخامس الذين ترجلوا مبكراً عن صهوة جواد السلطة العقيد مارتن ملوا اروب الذي تم التشكيك في ذمته المالية حينها.
انتقال
أما القائد السادس الذي فقد مركزه بمجلس قيادة الثورة هو العقيد محمد الامين خليفة احد اقوى رجال الانقلاب في تلك الفترة والذي اُحيل للتقاعد مع آخرين ليتم اختياره وقتها رئيساً للمجلس الوطني الانتقالي، وكان يحظى بالاحترام في الاوساط السياسية والعسكرية، وقاد جميع جولات مفاوضات السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في اديس ابابا، كما ترأس مؤتمر الحوار حول قضايا السلام في العام 1992 وهو المؤتمر الذي اصدر نهج الحكومة في السلام والفيدرالية ونظام الحكم، وتبعه مؤتمر النظام السياسي الذي ترأسه ايضاً محمد الامين خليفة الذي كان برتكولياً يأتي عقب الرئيس عمر البشير، لتمر الايام ويتحول رجل السلام عقب مفاصلة القصر والمنشية الى خارج دائرة الفعل ويصبح عضواً سابقاً في مجلس قيادة الثورة، ولا يزال الرجل فاعلاً في المشهد السياسي قيادياً بالمؤتمر الشعبي .
وفاة وإعفاء
وفي ذات العام 1993 تم اعفاء اللواء التيجاني آدم الطاهر الذي كان ممسكاً بملف العلاقات السودانية الليبية، كذلك طال الاعفاء اللواء ابراهيم نايل ايدام، الذي كان  يتولى وزارة الشباب والرياضة وقد كان على خلاف دائم مع الجبهة الاسلامية، وكذلك العميد دومنيك كاسيانو الذي كان وزيراً للعمل والتأمينات الاجتماعية ثم وزيراً للاصلاح الاداري، اما العميد مهندس صلاح الدين محمد احمد كرار الذي كان من الشباب المثقف الذي التحق بالعسكرية وكان رئيساً للجنة الاقتصادية بمجلس الثورة وبعد حلها اصبح وزيراً للنقل والمواصلات ثم وزيراً للطاقة والتعدين، ثم سفيراً بالبحرين ورغم تمتعه وقتها بثقة عناصر الجبهة الاسلامية داخل الحكومة وخارجها الا ان هذا لم يعصمه من الابعاد، وكذلك خرج عن قائمة مجلس الثورة في ذلك التوقيت  العميد سليمان محمد سليمان الذي كان وزيراً للثقافة والاعلام وكان ايضاً من الاعضاء المشاكسين للجبهة الاسلامية ومشاركتها في الحكم خاصة حينما كان حاكماً للاقليم الاوسط، اما الذين غيبتهم الوفاة في خواتيم عقد التسعينيات من القرن الماضي وبداية هذه الالفية فقد فهما الشهيدان الزبير محمد صالح وابراهيم شمس الدين، وعقب الحادثة التي استشهد فيها ابراهيم شمس الدين قبل خمسة عشر عاماً فقد ظل الثنائي المشير البشير ونائبه الفريق اول بكري حسن صالح يمثلان رمزية قيادة مجلس الثورة. وأخيراً ترجل بكري حسن صالح تاركاً المشير البشير وحيداً في قيادة سفينة الانقاذ، التي كان يترنم انصارها في العشرية الاولى من حكمها بانها تسير ولا تبالي بالرياح، فيما غادر سبعة من رفقائه الحياة وتبقى ثمانية منهم وهم فيصل ابوصالح، فيصل مدني مختار، سليمان محمد سليمان، التجاني ادم الطاهر، ابراهيم نايل ايدام، وبكري حسن صالح ومحمد الامين خليفة، وصلاح الدين كرار.
قرار صائب
بعد مرور ثلاثين عاماً عاد البشير القهقرى وهو يعمد الى ابعاد المدنيين والاستعانة بالعسكر والذين تكشف مسيرة اعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم ادركوا مبكراً خطورة سيطرة المدنيين على الحكم، لذا فان التغييرات الواسعة التي اجراها الرئيس البشير وابتعاده عن الحزب الحاكم قوبلت باستحسان لدى زملائه في مجلس قيادة الثورة وهذا ما يؤكده لـ(الانتباهة) اللواء ابراهيم نايل ايدام، الذي يؤكد ان هذه الخطوة هي التي كان يجب ان تستمر منذ تفجر الثورة في العام 1989 ،قاطعاً بانهم وحينما كانوا يخططون للانقلاب في العام 1984 لم يكن معهم مدنيون، الذين اكد ان ولاءهم دائماً للحزب وان العسكر يدينون بالولاء المطلق للوطن، وتأسيساً على ذلك توقع ان يصيب حكام الولايات من العسكر النجاح.

تواصل معنا

Who's Online

587 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search