mlogo

السياسة

سياسة

الحـركة الاسـلاميـة على أعتاب المفاصلة الثانية

ندى محمد احمد
فغر الكثيرون أفواههم دهشة وحيرة، عندما وجدوا أن شيخ الإسلاميين وأمين عام حزب المؤتمر الشعبي حسن عبد الله الترابي يمضي بخطى واثقة في القاعة الرئيسة بقاعة الصداقة تلبية لدعوة رئيس الجمهورية عمر البشير، التي ألقى فيها على مسامعهم كلمة الحوار، فأربعة عشر عاماً من الخصام والشقاق المُر إثر مفاصلة الرابع من رمضان، دفعت الثاني ليودع صاحبه الذي رصف له الطريق للرئاسة والحكم في السجون «حبيساً»، وأشعلت بينهم عداوة شرسة، دفعت الأول لتبني إسقاط حكم الثاني بشتى السبل، وكانت غاية الترابي الذي دفعته ليسمو على جراحاته، هي الهم الأخطر والأعظم، ألا وهو الاحتفاظ بما تبقى من السودان بعد انفصال الجنوب يوليو 2011. مرت سنوات ثلاث، رحل فيها الترابي عن الحياة الدنيا، وفي ذكرى رحيله الثالثة، والخامسة من بدء الحوار، أطلق الرئيس خطاباً ثانٍ بدأ وكأنه المفاصلة الثانية بين الإسلاميين، في الوقت الذي كان يرجو فيه الترابي الاتحاد، وليس بين الوطني والشعبي، وإنما بين كل القوى السياسية ذات الفكر المشترك، وذلك عبر أطروحته «المنظومة الخالفة»، ولكن خطاب الرئيس فيما يبدو أسس لانقسام المنقسم أصلاً، كما يرى كثير من المراقبين ..
تأسيس
لاشك أن خطاب رئيس الجمهورية في ليلة الجمعة الثاني والعشرين من فبراير الفائت، سيؤسس لمرحلة مختلفة في تاريخ السودان ، وتاريخ علاقة الرئيس بالمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وقد بدأت ملامح تلك المرحلة تتجلى بوضوح، في قرارات الرئيس التي أعلنها في تلك الليلة، وبدأ كما أن الزمان قد استدار مائة وثمانين درجة، ليستقر توقيته على تاريخ 03 يونيو 9891، ميلاد الانقلاب العسكري على الديمقراطية الثالثة بقيادة حزبي الاستقلال العريقين الاتحادي الديمقراطي والأمة القومي. فالطورائ وعسكرة الحكم كانت هي الصفة الطاغية على قرارات الرئيس .
تجريد
الرئيس أعلن حالة الطوارئ، وإعفاء كل ولاة الولايات التابعين لحزب المؤتمر الوطني والاستعاضة عنهم بولاة من القوات النظامية، وأكد بأنه سيقف على مسافة واحدة من كل القوى السياسية، ودعا القوى السياسية المعارضة المدنية منها والعسكرية للحوار، ولاحقاً اتخذ الرئيس القرار الذي يمهد لمغادرته لأسوار الوطني بتفويض كل صلاحياته الحزبية لوالي شمال كردفان السابق أحمد محمد هارون .
ربما لم يدرِ في أسوأ كوابيس دهاقنة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية الذين لم يجاهروا برفضهم لتعديل الدستور للسماح لرئيس الجمهورية عمر البشير بالترشيح مجدداً للرئاسة، والذين جاهروا أيضاً على قلتهم، أن يبادر الرئيس بقلب (الطاولة) على رؤوس الجميع، بحيث بادر هو باتخاذ القرار بزهده في المؤتمر الوطني، ومن ثم تجريده من السلطة على نحو مطلق، على النقيض مما اعتاد عليه طوال ثلاثة عقود أمضاها كحاكم مطلق السلطات والصلاحيات.
عودة الكاكي
وبتعيين ولاة الولايات من القوات النظامية (جيش وشرطة وأمن)، وإزاحة كل ولاة الحزب، أقصى الوطني في الولايات عن سدة الحكم، وأصبح نواب رؤساء الوطني في الولايات هم رؤساء الحزب في الدولة، وقد أوردت (الإنتباهة) الأسبوع الماضي خبراً يفيد أن الحكومة بصدد التخلي عن منصب المعتمد وإبداله بالمدير التنفيذي، من باب تقليل الإنفاق والاتصال المباشر بين الوالي والمدير التنفيذي. وبذا يكون الرئيس قد أغلق منافذ التمويل أمام المؤتمر الوطني تماماً، وذلك على طريقته في الخطاب الشهير (أقفل البلف يا عوض)، والمعني بلف مرور نفط دولة جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى ميناء بورتسودان للتصدير، إبان اشتعال النزاع بين البلدين.
يناير 2014
خطاب الرئيس تزامن مع مرور الذكرى الخامسة من خطابه الذي أطلق فيه دعوة الحوار لكل القوى المعارضة في الداخل والخارج في نهاية يناير 4102، والحوار في الأصل هو حلم الأمين العام للمؤتمر الشعبي حسن عبد الله الترابي ، وأطلق كلمته الذائعة في أحد خطاباته بالمركز العام بالمنشية (لا لهدم البيت)، وانخرطت معظم القوى السياسية بالداخل في الحوار باستثناء الحزب الشيوعي السوداني والمؤتمر السوداني، والأحزاب الناصرية (قوى الإجماع الوطني)، بينما لم يستمر فيه حزب الأمة القومي برئاسة الصادق المهدي طويلاً، إذ لم يرق له هيمنة غريمه الترابي على مقاليد الحوار، واستمر الشد والجذب بين الوطني وقوى الحوار باللين تارة والشدة تارة أخرى، إلى أن رحل الترابي في الخامس من مارس للعام 6102، دون أن يرى ثمار بذرته التي بذرها، وأخيراً مهرت قوى الحوار توقيعها على توصياته في أكتوبر من نفس العام، وعلى أساسها تم تشكييل حكومة الوفاق الوطني الأولى برئاسة النائب الأول للرئيس بكري حسن صالح مايو 7102، ولكن خناق الأزمات الذي اشتد على البلاد والعباد عجل برحيلها في أغسطس 2018، وشكلت حكومة الوفاق الثانية برئاسة معتز موسى، فاشتد أوار الأزمة الاقتصادية على نحو دفع المواطنين للخروج إلى الشارع في التاسع عشر من ديسمبر 8102، احتجاجاً على ندرة الخبز وارتفاع ثمنه من جنيه إلى ثلاثة جنيهات للرغيفة الواحدة، وشح السيولة النقدية، وانعدام الوقود .
تحدي
المفكر الإسلامي وابن الحركة الإسلامية بروفيسور حسن مكي، نفى أن يكون خطاب الرئيس قد أسس للمفاصلة بينه والمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وأوضح في حديثه لـ(الإنتباهة)، أن كل ما هنالك أن رئيس الجمهورية أراد أن يقول لهم (عاوز أوريكم أن حزبكم لا يسوى شيء بدون الرئيس، وأنتم لا تسوون شيئاً دون عباءتي)، ومجدداً نفى أن يكون ما حدث مشابه لمفاصلة الرابع من رمضان 9991، وقال على العكس من ذلك، فالواقع اليوم يشبه موقف الترابي عام 9691 عندما خرج من جماعة الإخوان المسلمين وكوَّن كياناً سياسياً آخر. وبالرغم من تأكيده على أن ما جرى ليس مفاصلة، ذهب مكي إلى أن الرئيس بصدد الإعداد لحزب جديد، مضيفاً بأن الجميع سيهرول للانضمام إليه، حتى يعرفوا أن حزبهم لم يعد حزباً كما كان في السابق، بل أصبح مجرد (كيمان) كانت تدور حول الرئيس، فهو ليس كحزب العمال والمحافظين في المملكة المتحدة الذين يتعاقب عليهما الرؤساء، وآخرهم على التوالي جيمي كوربن وتريزا ماي .
وبسؤاله عما إذا كانت الأوضاع الآن تفيد أن رجاء الترابي بلملمة أطراف البلاد والحفاظ عليها من شبح الانهيار الذي طال دول الربيع العربي قد تحقق،أم أن البلاد قاب قوسين او أدنى من الفوضى التي لا تبقي ولاتذر؟، قال مكي لا هذا ولا ذاك. فالبلاد حالياً مقبلة على مرحلة جديدة، ستتضح معالمها في الفترة القادمة، وستكون هناك مفاجآت تكشف عنها توجهات الحركة الإسلامية وولاة النظام القديم، فضلاً عن تحركات خارجية وأخرى دبلوماسية، وأحجم مكي عن الإفصاح عن معالم وملامح تلك المرحلة.
مفاصلة كاملة الدسم
وعلى النقيض من رؤية بروفيسور مكي، ذهب مستشار رئيس حزب الإصلاح الآن أسامة توفيق في حديث سابق للصحيفة، أن ما حدث في خطاب الرئيس هو مفاصلة كاملة الدسم، على غرار مفاصلة الرابع من رمضان 9991 التي أبعد فيها شيخ الإسلاميين حسن عبد الله الترابي عن الحكم، ولكن الرئيس استفاد من تجربة الماضي ومضى لإنفاذ المفاصلة بالتدريج، فهو في خطاب الجمعة، قال إنه سيقف على مسافة واحدة من كل الأحزاب، وأمس الخميس فوض سلطاته في الحزب لأحمد هارون الذي أصبح نائبه في رئاسة المؤتمر الوطني، بغرض تكسير المؤتمر الوطني و(فرتقة) دولته العميقة لمصلحة حزب جديد سيتم تكوينه لاحقاً، وذهب إلى أن الخطوة الثالثة قد تكون هي الاعتقال لكل من يحاول مجابهة موقفه الجديد هذا، بل ومضى لأبعد من ذلك بقوله إن الرئيس سينشئ حزباً جديداً ليحكم من خلاله.
مقدمات المفاصلة
نادر السيوفي أمين العلاقات الخارجية بالمؤتمر الشعبي قال إنه لا يعتقد بأن ما حدث مفاصلة بين الرئيس والحزب والحركة الإسلامية. فالمفاصلة تفيد أن يستقيل الرئيس من الوطني، فهو منتخب من المؤتمر العام، والحزب عدل في لائحته بحيث أن الرئيس ينتخب من المؤتمر العام او هيئة الشورى، فالرئيس لم يقدم استقالته لهيئة الشورى، إنما فوض صلاحياته لأحمد هارون، والمفوض هو صاحب القرار، ويمكنه أن يسحب صلاحياته التي فوضها او يقلل منها، في اي وقت، لذلك لايزال الرئيس هو رئيس الحزب، فهو لم يستقل وفي المقابل لم يعد يباشر مهامه كالعادة ولم يعد يحضر اجتماعات الحزب ولكنها ليست مفاصلة .وبسؤاله عما إذا كانت مفاصلة بالتدريج؟، ذهب السيوفي إلى أن خطاب الرئيس مقدمة لمفاصلة قادمة، وأن المؤتمر العام القادم للوطني سوف ستتم فيه المفاصلة الكاملة.  فالوطني سيختار رئيساً جديداً للحزب، وسيكون مرشحه لرئاسة الجمهورية، وهذا أمر مرجح جداً .
فك ارتباط
وقال السيوفي إن الوطني انسحب من الحكومة ولم يعد له أي ارتباط بها، عقب تعيين كل الولاة من القوات النظامية، ولم يعد يجد تمويله منها كالمعتاد، فسحبت منه العربات والإمكانات كما في ولايتي كسلا وبعض محليات ولاية الخرطوم، وهذا ما سيمضي عليه كل الولاة، الذين صرحوا بأنهم ليس لديهم أي انتماء لأي حزب، ولن يمولوا الوطني او أي حزب آخر، فالوطني قد فطم من ثدي الدولة، وتوقع أن تسحب منه كل إمكانيات الدولة ليصبح كبقية الأحزاب، وعليه أن يعتمد على عضويته التي تبلغ عشرة ملايين في التمويل كما يقول . وعن الوطني بعد الفطم من الدولة، قال السيوفي إن الوطني لن يكون بنفس قوته التي كان عليها في السابق، وذلك الى فترة ليست بالقصيرة، فهو تعود على الاعتماد على الدولة لعقود طويلة، لذا فهو بحاجة لوقت مقدر ليستعيد الثقة بنفسه، وربما تساقطت عنه بعض العضوية التي جذبتها الإمكانيات إليه، وهنا يتجلى دور قيادات الحزب القوية للانتقال من مرحلة ما قبل خطاب الرئيس الى مرحلة جديدة تبتعد فيها القيادات عن المقاعدة الوثيرة والمكاتب المكيفة ليؤسسوا لحزبهم في الوقت الراهن وهذا هو التحدي الذي يواجه الوطني الآن.
تحولات كبرى
منذ الانقلاب 9891 وحتى المفاصلة 9991 وحتى خطاب الرئيس تعد من التحولات الكبرى، وهي صفة ملازمة للأحزاب السودانية، التي مرت بها العديد من الانشقاقات، فالسودانيون لاسعة للبال عندهم حال الاختلاف، فانقسمت الأحزاب الى أربعة او ثمانية فرق، وأصاب ذلك حتى الأحزاب التي لا وجود للعسكر بها، فالسودانيون ليسوا ماهرين في العمل المشترك لذا يميلون للعمل كأفراد، وذلك حتى على مستوى الأفراد، لذا فالوطني والحركة الإسلامية لازمتهما هذه الصفة.
مذكرة العشرة
 وجزم السيوفي بأن مفاصلة الرابع من رمضان هي التي أفرزت المفاصلة الحالية، فالمفاصلة الأولى شهدت الكثير من الكيد والتآمر على الأمين العام المنتخب لحسن الترابي، وذلك عبر مذكرة العشرة التي قدمها عشرة من قيادات المؤتمر الوطني في اجتماع مجلس شورى الحزب العاشرة من ديسمبر 8991، وتحدثت عن غياب المؤسسية وغياب الشورى، وهيمنة الأمين العام للحزب الترابي على الأداء على نحو يقدح في هيبة الدولة، ومضت المذكرة إلى أبعد من ذلك عندما طالبت بتقليص صلاحياته كأمين عام، وتخويل بعض منها لرئيس الجمهورية، وقد كانت تلك المذكرة هي القاصمة التي قصمت ظهر الإسلاميين، ومهدت لمفاصلة الرابع من رمضان، وموقعي مذكرة العشرة هم غازي صلاح الدين العتباني، أمين حسن عمر، نافع علي نافع، بهاء الدين حنفي، وسيد الخطيب وحامد تورين، وبروفيسور أحمد علي الإمام، والعميد بكري حسن صالح وعثمان خالد مضوي .
كما تدين تُدان
 وجزم السيوفي بأن مفاصلة الرابع من رمضان هي التي أفرزت المفاصلة الحالية، فالمفاصلة الأولى شهدت الكثير من الكيد والتآمر على الأمين العام المنتخب لحسن الترابي التي سحبت صلاحياته وأعطتها لرئيس الجمهورية، فصبر الترابي، ولكنهم لم يصبروا على نتائج المؤتمر العام للوطني 9991 الذي أعاد انتخاب الترابي، وأسقط كل موقعي مذكرة العشرة من عضوية هيئة الشورى، فالحق مجذوب الخليفة بعضهم بهيئة ولاية الخرطوم، ولاحقاً تطورت الأوضاع عندما أصر الترابي على انتخاب الولاة مباشرة من المواطنين كرئيس للبرلمان أصر الرئيس على تعيينهم، فأعلن الرئيس حالة الطوارئ وحل البرلمان واعتقل الترابي وحل أمانات المؤتمر الوطني وتم احتلال دوره باالقوة الجبرية، وخلص السيوفي إلى أن الأحداث الراهنة تفيد أن نتائج المفاصلة الأولى، التي أضعفت الوطني كحزب، بل وأضعفت الحركة السياسية في السودان كله.
 مفاصلة او لا مفاصلة، تلك قضية إن صدقت إرهاصاتها او لم تصدق، فالأزمة قائمة، وتقع عقابيلها على رأس السودان والسودانيين، الذين لحقهم رشاش ثقيل جراء وطأة المفاصلة الأولى. علي يرى بعضهم أن قضية دارفور إحدى نتائجها المؤلمة للحد البعيد ، وكذا الحال في مفاصلة خطاب الجمعة المشهود، التي تترى التصريحات بأنها خطوة جديدة لرأب صدع البلاد والعباد، وتلك كلمة قيلت في حوار الوثبة أيضاً، فاللهم سلم السودان وأهله من اشتجار حكامه.

تواصل معنا

Who's Online

848 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search