سياسة

الخرطوم وجوبا...الـ(ميسر ومسهل)

صلاح مختار
لم يكن وجود الفرقتين التاسعة والعاشرة التابعتين للجيش الشعبي في دولة الجنوب في الاراضي السودانية هو ما يؤرق ويقلق مضاجع الخرطوم فقط، وانما ووجود الحركات المسلحة من دارفور بالجنوب ايضا هم اضافي للخرطوم تعانيه من جارتها، وعندما تتوسط جوبا لحل الخلاف بين الحكومة ومتمرديها تنظر في المقام الاول للمصالح الاستراتيجية التي تريدها من الخرطوم، وكذلك تفعل الخرطوم، وربما هذا ما يعول عليه المراقبون لما يحدث بين الدولتين، ولربما كانت الخرطوم اكثر ذكاءً وهي تبادر وتسبق جوبا في تحقيق سلامها الداخلي كبادرة (حسن نوايا)، اما اليوم فالجنوب احس بثقل (جمائل) السودان عليه، فيحاول رد الدين ويقوم بنفس الخطوة. وربما تسارعت الخطوات خلال الايام الماضية، حيث ابتدرت حكومة الجنوب مساعيها بالعمل على وحدة الحركات المسلحة والمجموعات المتمردة ضد الحكومة في الشمال كخطوة استباقية قبل الدخول في تفاوض مباشر والجلوس مع وفد الحكومة، وتنظر الحكومة في الخرطوم بعين الرضاء لهذه الخطوة، فاذا تمكنت دولة الجنوب من توحيد رؤى الحركات المسلحة والفصائل التابعة للحركة الشعبية شمال حتى يسهل عليها التفاوض، فهذا هو ما تسعى له من سنين.
اجتماع مسبق
ولوضع ذلك الاتجاه في نصابه سلمت حكومة الجنوب دعوات لقادة الحركات المسلحة الدارفورية، واكدت وصولهم الى جوبا في غضون ايام للدخول في اجتماعات من بينها اجتماع مع الرئيس سلفا كير ميارديت. وقال مستشار الرئيس سلفا كير للشؤون الامنية توت قلواك ان حكومة بلاده سلمت الدعوات لرئيس حركة تحرير السودان مني اركو مناوي الى جانب رئيس حركة العدل والمساواة جبريل ابراهيم، للدخول في اجتماعات مكثفة مع الرئيس سلفا كير، واضاف انه عقب ذلك سيتم تحديد موعد اللقاء بين وفد حكومة السودان ووفد الحركات المسلحة.
تطورات كبيرة
وترتب حكومة الجنوب لاكمال الصورة بارسال مبعوث رئاسي للخرطوم يحمل رسالة من الرئيس سلفا كير الى نظيره عمر البشير في غضون الايام المقبلة، وربما تلك الرسالة كما يقرأها المراقبون تجيء في اطار اطلاع القيادة السودانية على خطوات الجنوب في اطار الوصول الى تفاهمات مع الحركات المسلحة, ويقول قلواك في تصريحات له ان الرسالة تتعلق بآخر التطورات بشأن توحيد فصائل الحركة الشعبية شمال، ودخول تلك الحركات المسلحة بدارفور في مفاوضات مباشرة وصولاً لتسوية شاملة بين الحكومة والحركات لتحقيق السلام في السودان. وكشف عن تطورات كبيرة في مسار المفاوضات تتعلق بالتوصل الى تفاهمات حول العديد من القضايا محل النقاش، خاصة في ما يتعلق بموقف قطاع الشمال.
إطلاق النار
وتزامنت تلك الدعوات مع اعلان حركات مسلحة بدارفور تمديد وقف اطلاق النار من جانب واحد لثلاثة اشهر، ودعت الى استئناف المحادثات الرامية لحل النزاع على اساس اتفاق خريطة الطريق التي طرحها امبيكي ممثل الاتحاد الافريقي، واكدت كل من حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي وحركة تحرير السودان المجلس الانتقالي، تمديد وقف اطلاق النار من جانب واحد للاغراض الانسانية، واوضح بيان مشترك للحركات ان سريان وقف اطلاق النار بدأ من امس الاول لمدة ثلاثة اشهر، وسيتم وقف العدائيات في جميع مناطق العمليات في دارفور.
اجتماع الدوحة
ولأن قضية التفاوض حول مسار دارفور تتقاطع مع مفاوضات الدوحة لسلام دارفور والتي ترعاها الحكومة القطرية، فإن امين حسن عمر سارع بالتأكيد على مسار الدوحة التي نجحت وساطتها في الوصول الى اتفاقيات مع الحركات المسلحة ووضع اتفاق سلام شامل لوقف النزاع في دارفور. وينتظر ان يتوجه وفد من حركتي العدل والمساواة وحركة مني الى الدوحة لعقد اجتماع مع المسؤولين القطريين لمناقشة سبل المفاوضات التي تجرى في قطر، حال يتم التوصل الى اتفاق وقف العدائيات في اديس ابابا.
مسار آخر
للوصول الى سلام لا بد من (تنازلات) وهي الخطوة التي يراها عدد كبير من المصادر ضرورية، خاصة من جانب الحكومة في اطار الوصول الى نقطة التقاء مع الحركات المسلحة، حيث وافقت على تشكيل آلية تنفيذ مستقلة جديدة للاتفاق الذي سيتم التوصل اليه، كذلك كانت المجموعتان قد وافقتا على التفاوض على اساس وثيقة الدوحة بعد الدعوة الى عملية جديدة التي قطعت الطريق امام اي منبر آخر خلاف الدوحة للتفاوض حول مشكلة دارفور، واعلنت عن استعدادها لمناقشة قضايا البلاد مع المعارضة والحركات المسلحة حول صياغة دستور دائم للبلاد وانتخابات 2020م.
ويقول وزير الاعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة بشارة جمعة في تصريحات سابقة ان الوساطة الافريقية برئاسة ثامبو امبيكي قد طرحت مقترحاً لابتدار نقاش مع الحركات المسلحة والمعارضة حول الدستور وانتخابات 2020م، مؤكداً تمسكهم بخريطة الطريق الافريقية، مبيناً أن خريطة الطريق الافريقية لا يمكن الحياد عنها باعتبارها عالجت معظم القضايا التي كانت تنادي بها الحركات المسلحة.
مظلة سلفا
ويرى رئيس الكتلة البرلمانية لنواب النيل الازرق بالبرلمان احمد كرمنو في حديثه لـ(الانتباهة) ان سلفا كير اولى بأن يقوم بالوساطة لجهة التحالف الاستراتيجي الذي يربطه بالفرقتين التاسعة والعاشرة التي تتبع للحركة الشعبية التي يرأسها، وبالتالي كجسم قائم مازالت تحت تلك المظلة، ولذلك مالك عقار او الحلو او جوزيف تكة كقائد في النيل الازرق مازالوا يتبعون لقيادة الحركة الشعبية في جوبا مهما حاولوا انكار ذلك، وباستطاعة سلفا كير وقدرته جمع هؤلاء على مائدة واحدة اذا اراد ذلك.
ميسر ومسهل
وتوقع كرمنو ان يتعامل سلفا كير بنفس المستوى مع ما قامت به الحكومة بصدق لمعالجة قضية الجنوب، وقال: لذلك ادعو الحركات المسلحة في النيل الازرق وجنوب كردفان للانصياع الى تلك المبادرة والتي اعتقد انها من اقوى المبادرات حتى الان لتحقيق عملية السلام بتدخل جهة خارجية كهدف استراتيجي يهم الدولتين. وقال لا ارى ما يمنع تجميع الحركات في دارفور والمنطقتين في طاولة تفاوض واحدة مع الحكومة، واضاف قائلاً اعتقد ان قضية النيل الازرق وجنوب كردفان سلفا كير دوره فيها رئيسي كـ (مسهل وميسر) ومكمل بنفس المستوى مع حركات دارفور، لأن منبر الدوحة اساسي، بالتالي وساطة سلفا كير تكون ميسرة ومسهلة ليس الا، وبالتالي الوساطة ليست الكل في قضية السلام.
توجه جديد
ولم يذهب القيادي بحركة العدل والمساواة جناح دبجو احمد عد المجيد بعيداً في حديثه مع (الإنتباهة) في اتجاه قدرة الجنوب على طي ملف السلام بالسودان، واعتبرها خطوة ان صحت تنم عن توجه ورؤية استراتيجية جديدة في التعامل مع السودان، ورد جميل للسودان للوساطة التي قام بها تجاه احلال السلام بالجنوب. وقال ان هنالك مصالح مشتركة بين البلدين، غير انه قال ان هنالك منبراً واحداً موحداً لقضية دارفور وهي معروفة، ومرجعياته لجهة ما احرزته الدوحة من انجازات على الارض وارساء العدالة الاجتماعية، وقال: اعتقد ان ما تحقق من سلام في دارفور يعود بشكل مباشر الى الدوحة.
محاور إقليمية
واستبعد عبد المجيد ان تكون هنالك شروط محددة لانجاح المفاوضات بين الفرقاء السودانيين، وقال: اعتقد ان دور سلفا كير ليس ناسخاً لدور الرئيس التشادي ديبي، وانما هي محاور اقليمية، والدور الذي يقوم به سلفا كير جاء لتحرك الحركات من تشاد الى جوبا، وبالتالي الآن اليد الطولى لسلفا كير، ولذلك كلها ادوار تنسيقية داعمة لقيام التفاوض في منابر معروفة محطاته ومعلومة في النيل الازرق وجنوب كردفان وكذلك دارفور، وهي ادوار لا نقلل منها، وانما خريطة طريق معترف بها، على ان تكون نهايتها في الدوحة، وبالتالي ليس هنالك ادنى شرط لهذه المساعي، ونأمل ان تكلل بالنجاح.