mlogo

السياسة

سياسة

العائدون من إسرائيل.. هل هم جواسيس؟

عرض : نجلاء عباس
(8)  آلاف شاب غادروا أرض الوطن واتجهوا إلى إسرائيل حاملين معهم أحلاماً عرضها السماء وتكاد الأرض لا تسعها ظناً منهم بأنها بلد تحقيق الأحلام وسلكوا طريق الموت " التهريب" كما يسميه البعض نجوا بأعجوبة منه ووصلوا إلى مقصدهم تمكن البعض من تحقيق آمالهم وجمعوا "رزمة شيكل" ـ العملة الإسرائيلية ـ والبعض الآخر لم يحالفه الحظ ، وقرر الجميع بعد قضاء ما يقارب عامين العودة إلى البلاد ولكن سرعان ما تفاجأوا وهم يلامسون أرض الوطن بحظرهم من الدخول .
تضحية
ويقول الشاب عبدالحليم سليمان فضل من ولاية شمال كردفان يقيم في امدرمان،
يقول قدمت الكثير من التضحيات من اجل اسرتي التي تضم والداي واخواني واخواتي الثلاث لم اكمل تعليمي واكتفيت بالمرحلة الثانوية وذلك عندما رأيت تعب وشقاء والدي الذي طعن في العمر واصبح لابد ان يظل في البيت ويجني شقاء عمره وما بذله من اجلنا خاصة وانا اكبر ابنائه لذا طرقت باب العمل وبكل تأكيد ليس في الخدمة المدنية بل "ورشة ميكانيكا " واستمريت في العمل بها لعدة سنوات ولم يكن العائد المادي مجزياً ليكفى التزامات المنزل واخوتي ولكن ليس امامي حل سواه .
دردشة أصحاب
ويواصل عبدالحليم قصته لـ"الانتباهة" قال في ذات ليلة كنت اتواصل مع اصدقائي الذين سبقوني بالسفر الى مصر وطرحوا فكرة الهجرة الى اوروبا وقالوا لي اذا عملت 10 اعوام اخريات فلن تجني عائداً مادياً وما تفعله هو اضاعة وقت ومستقبل واقنعوني بفكرة السفر الى مصر ومنها الى اوروبا، لاضع في حساباتي مهمة توفير مبلغ مالي ودلوني على جماعة بمنطقة طرفية بامدرمان باعتبارهم الجهة التي سوف تعمل على خدمتي وتسهيل الاجراءات لمغادرة البلاد . وبالفعل بعد مرور اشهر تمكنت من توفير مبلغ مالي اقل من القيمة المطلوبة على امل تكملة المبلغ بعد تحسين الوضع وذهبت اليهم وسلمتهم المبلغ وجواز السفر وبعد اسبوع كانت اوراقي جاهزة للسفر الى القاهرة .
استقبال مطمئن
وقال عبدالحليم لـ"الانتباهة" اخبرت اسرتي بسفري للقاهرة ولكن لم اخبرهم ببقية الحلم الذي ظل يراود فكري منذ ساعة اقتناعي به وهو "اوروبا وتحديداً النرويج " وتركت لهم مبلغاً بسيطاً يكفيهم الشهر لارسل لهم شهرياً مصروفهم، بعدها توجهت الى مطار الخرطوم ومنها الى القاهرة لاجد عدداً كبيراً من معارفي واصدقائي في استقبالي واطمأن قلبي بعد ان كنت خائفاً من المجهول والمفاجآت التي يمكن ان تقابلني خاصة وانها لاول مرة اغادر السودان .
بداية العمل
ويتابع عبدالحليم حديثه ويقول في صباح اليوم التالي من وصولي القاهرة خرجت مع اصدقائي وقابلوا بي مدير مخبز بمنطقة العتبة وهي من المناطق المعروفة بمصر ووافق المدير على ان اعمل معهم بالمخبز واقوم بتوزيع الخبز على البقالات والمطاعم بالمناطق المتاخمة له مقابل جنيهات ليست قليلة وبالفعل استمريت في العمل لمدة اشهر واضفت دواماً اخر حتى اتمكن من جمع المبلغ المقصود للسفر الى اوروبا حلمي الذي من اجله تركت اسرتي في وقت حاجتهم لي .
مفاجآت
قال عبدالحليم بعد ان جمعت المبلغ واستبدلته بالعملة الاجنبية بدلاً عن المصرية تناقشت مع اصدقائي لاجد المفاجأة في حديثهم حول البلد المقصود بالهجرة وفور ان اطلقوا علي اسم اسرائيل جحظت عيناي وزادت ضربات قلبي فهذه هي المفاجآت التي اخشاها منذ ان فارقت اسرتي ولكن وقفت ومانعت وقلت ليهم اسرائيل لا ، ولكنهم اقنعوني بان الجو غير مناسب للهجرة الى اوروبا ومياه المحيط كثيرة وهائجة مما يعرضنا للموت قبل ان نصل ووقفت مع نفسي لدقائق لاعرض عليهم مخاوفي مما يترتب على سفرنا الى اسرائيل وصعوبة الرجوع الى احضان بلادنا وقتما شئنا ولكن اصدقائي اخبروني ان الامر ليس معقداً كما ان الوصول لاسرائيل اقل خطورة منه الى اوروبا وبالحديث المستمر تمكنوا من اقناعي وبدأنا نرتب للرحيل .
تحركات سرية
ويواصل عبدالحليم حكايته وقال اعطاني صديقي رقم جوال احد اعضاء شبكة الاتجار بالبشر وهم الذين لهم الدور الاكبر في ترتيب خروجنا من مصر واتصلت على الرجل وقابلتهم بالعتبة واتفقت معه على المبلغ واتفقنا على ان اقابله انا واصدقائي المستعدين للهجرة في صباح اليوم التالي وبالفعل التقينا بذات المكان "العتبة " واخذنا الى شقة بمصر الجديدة وهناك استلموا المبلغ كاملاً "600" يورو وقضينا اليوم باكمله في تلك الشقة وكل حديثهم كان يدور حول قصدهم في المساعدة لتحسين اوضاعنا وفي اليوم التالي حضرت العربة "حافلة هايس " لتنقلنا وتبدأ الهجرة الى اسرائيل . 
مخاوف الهجرة
وقال قبل خروجنا ونحن "12" شخصاً بيننا جنسيات مختلفة من الدول الافريقية اخبرنا زعيم الشبكة انه حال اوقفتنا السلطات المصرية نقول اننا متجهون الى الاهرام وبالفعل سارت بنا العربة وتنقلنا من منطقة الى اخرى والجبال تحيطنا من كل جانب ومشقة السفر ووعورة الطريق ارهقتنا بجانب الخوف والرهبة التي لم تفارق معالم وجوهنا وبعد "6" ايام من السفر المتواصل تحولنا من العربة الى لنش صغير ومعنا مجموعة اخرى من الشباب والنساء المتجهين الى اسرائيل  كانت في انتظارنا على ساحل البحر الاحمر لتوصلنا الى منطقة العريش واستغرقت رحلتنا البحرية حوالي ساعتين او اقل حتى وصولنا وهناك تم تسللنا خفية الى مبان شبيهة بالسجون مظلمة ليس بها مكان تهوية الا "منور صغير " اعلى الغرفة وكانما نحن مجرمون وعندما تساءلنا حول هذا الوضع اخبرنا احد رجال تلك الشبكة بأن المنطقة خطيرة وسكانها قتلة ومجرمون وتجار اسلحة ومخدرات  ولحرصهم على حياتنا اختير لنا هذا المقر مع منعنا من الخروج نهائياً ، وقال عبدالحليم بالرغم من كل تلك التحوطات الى اننا فقدنا بعض الشباب تم اختطافهم والبعض تعرضوا الى الضرب والتعذيب ونهب كل ما يملكون من اموال بالرغم من قلتها مما جعلنا نعيش على اعصابنا ونحسب الخطوات وكنا في انتظار العربات التي سوف تنقلنا الى جنوب سيناء بفارق الصبر .
تسلل
وقال عبدالحليم فور وصول العربات تدافعنا نحوها مسرعين وكانما جاءنا الفرج وتحركنا الى سيناء ليستغرق الطريق حوالي 3 ساعات حتى الوصول الى المنطقة الحدودية بين سيناء واسرائيل ومن على بعد كيلو متر من السلطات الامنية التابعة للجيش المصري الذي يقف لحراسة الحدود " السلك الشائك " يطوق المكان نزلنا من العربات حتى لا تحدث صوتاً وتلفت الانتباه وقال لنا زعيم الشبكة وهو يشير الى المنطقة ما بعد الاسلاك انتم الان على الحدود وعليكم تكملة المشوار بالارجل وكونوا حذرين حتى لا يتم القبض عليكم وقال تفرقنا نحن "12" شخصاً وكل منا ينبض قلبه خوفاً وقلقاً من المجهول وتسللنا خلسة لنعبر السلك الشائك واخترنا المواقع التي وجدنا فيها رجال الامن نائمين ولكن لقوة السلك ومتانته لم نسلم من اذاه ليقطع جسدي وكنت الاكثر اصابة ولكن اخف قدراً من ان اقع في قبضة الامن او يطلق علي الرصاص ولكن الجروح كانت غائرة والدم يسيل من اعلى جسدي الى اسفله والالم لا يحتمل لنفاجأ بوقوع اثنين منا في قبضة رجال الامن وهما "عاطف ومحمد " اللذان تم التحفظ عليهما وابعادهما الى سجون حلفا بالسودان بعد 4 اشهر من القبض عليهما .
الجيش الإسرائيلي
وتابع عبدالحليم حديثه لـ"الانتباهة" وقال في صباح يوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر لعام 2011م دخلنا الى اسرائيل لنجد الجيش الاسرائيلي يحيطنا من كل اتجاه والدوريات بانتظارنا وتم التحفظ علينا ووضعنا بالمعسكر ليتم التحري معنا ومعرفة تفاصيل الغرض من قصدنا اسرائيل ومنا من قال انه يطالب باللجوء الانساني وبعضنا من طالب بالعمل بغرض تحسين الوضع المادي واستمر التحري لمدة يوم بعدها اخضعت للعناية الطبية لمدة اسبوعين حتى التأمت الجروح في جسدي بعدها تم منحي فيزا للتمتع بالاقامة في اسرائيل وكافة المناط  بها كما اجروا لنا "باصات سياحية لتنقلنا الى تل ابيب " وفي احدى المحطات وجدنا شركة زراعية تطالب بعمال ومزارعين في منطقة (كفرمنا) ووافقت على العمل معهم ولكن بعد مرور وقت طويل  تماطلوا علينا في دفع اجرتنا ولم نستلم منهم حقنا المالي وتعاملوا معنا بقسوة ومنهم من اتهمنا بالجواسيس وبعضهم من وصفنا بالمجرمين حتى يجدوا لانفسهم مبرراً لعدم دفعهم حقنا في العمل معهم . ليتم العراك والمشاكل فيما بيننا وخرجنا من المنطقة واتجهنا الى تل ابيب .
محاولات عمل
جددت المحاولة لايجاد عمل فكل الشهور التي قضيتها في كفرمنا لم تحقق المطلوب ولم استطع توفير مبلغ مالي حتى وجدت اعلان عن حاجة لعمال في احدى شركات الكولا بمنطقة ناتانيا وتقدمت اليهم بالجواز والمستندات وتم استيعابي في المصنع وكان الاجر باليومية لتبلغ قيمة الساعة في اليوم "25" شيكل وهو العملة الاسرائيلية وكنت اعمل حوالي 12 ساعة في اليوم حتى تحصلت على مبلغ مالي كبير وبعد عامين اخبرت ادارة المصنع برغبتي في العودة الى السودان وبالرغم من تمسكهم بي لاواصل معهم الا ان ظروف اسرتي كانت اقوى خاصة وانني جمعت من المال ما يساعدني في تحقيق اقامة مشروع صغير يكون مصدراً للرزق ودخل ثابت يحسن من وضعنا المعيشي .
إجراءات خروج
توجهت الى السلطات واخطرتهم بالعودة الى بلادي وبدورهم قاموا بكافة الاجراءات من حجز وقطع تذاكر بالاضافة الى منحهم لي 5 الاف دولار وكانت الرحلة عن طريق الطيران الاردني وعند وصولي الى مطار الاردن تم تحويلي الى مدخل خاص بالعائدين من اسرائيل ولافتات الترحيب تجذب الانظار مما يدل على حسن العلاقة بين البلدين , وفي فجر الاربعاء الثامن من سبتمبر 2013م وصلت الى مطار الخرطوم وكانت الساعة تشير الى الثالثة صباحاً لكن لم تكتمل فرحتي وراحتي بالوصول الى حضن الوطن ليتم حجزي والتحفظ علي في مكاتب الامن بالمطار والتحري الذي استمر ليوم كامل بعدها اخذتني عربة الى مباني جهاز الامن وتم اعتقالي لمدة يومين .
يامولاي كما خلقتني
قال عبدالحليم صادر جهاز الامن كافة الاموال التي بحوزتي والجوال وجهاز لابتوب وجواز السفر بالاضافة الى بعض الملابس الجديدة ولكن المهم في الامر هو المال الذي بنيت به احلام مشروعي وحياتي ومستقبل اخوتي لاخرج من مباني الجهاز بعد ان تم تصويري "الفيش" وحظري من السفر وانا لا املك قرشاً واحداً مما دفعني ان اطلب من احد ضباط الامن مبلغاً يساعدني على "المواصلات" واعطاني "250" جنيهاً ووصلت المنزل بعد نهاية رحلة مليئة بالمغامرات والمخاطر واحلام بحياة واعدة رجعت كما غادرت "يامولاي كما خلقتني ".
المربع الأول
واضاف عبدالحليم قائلاً : منذ وصولي بدأت رحلة البحث عن عمل واجرة اليوم باليوم وضاع حصاد غربتي لارجع مرة اخرى الى كار الميكانيكا والعمل في الورش لكن هذه المرة لست صاحب ورشة او شريك فيها وانما "صبي" ميكانيكا وكل المعوقات تقف في طريقي فلا املك وثيقة اثبات من جواز سفر او اي ورقة تثبت هويتي .
مطالب مشروعة
وطالب عبدالحليم عبر صفحات "الانتباهة" من الاجهزة الامنية والمجلس العسكري ان يقفوا معهم في محنتهم ويرجعوا لهم حقوقهم الضائعة ولفت الى انهم حوالي 4 الاف شخص تم حظرهم ومصادرة ممتلكاتهم مشيراً الى تكاتفهم ومشاركتهم الهم وذلك بتوزيع خطابات الى الجهات المسؤولة والقائمة على الامر فكل واحد منهم لم يتمكن من تحقيق حلمه بالرغم من ما قدمه في حياته من تضحيات ومخاطر بل لم يجدوا الا ان تمت اضافتهم في قائمة الاتهام "الجواسيس".
في الحلقة الثالثة والأخيرة:
 ستفرد "الانتباهة" محتوى المخاطبات والمستندات التي تمت بين العائدين من إسرائيل والجهات القائمة على الأمر .

تواصل معنا

Who's Online

532 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search