سياسة

القرن الأفريقي..الأرض تتحرك

الخواض عبد الفضيل
يبدو أن منطقة القرن الأفريقي تشهد (تخلق) نظام جديد وتحالفات جديدة بين دول كانت تشهد العلاقات بينها توترات من طراز عنيف غالبها عسكري، وأقلها قطيعة سياسية امتدت لعشرات السنين سواء أكان بين إثيوبيا وإرتيريا او جيبوتي والصومال. ويبدو أن اللاعب السياسي الجديد في المنطقة رئيس الوزراء الإثيوبي(أبي أحمد)، له رؤية بدأت في التشكل لخلق تحالف تكاملي اقتصادي عسكري سياسي بين هذه الدول.
وبطبيعة الحال، لهذا التحرك في المنطقة تأثيرات مباشرة علي السودان، باعتباره أحد اللعيبة الرئيسين في منطقة القرن الأفريقي، وحتي وإن كان السودان يمارس فضيلة الصمت والمشاهدة فيما يجري الآن ظاهرياً، ولكن لابد أن يكون له دور او رأي حتي لا يبعد من هذا التحالف..
ومن خلال ما يجري سنحاول إجراء قراءة بسيطة فيما يجري في القرن الأفريقي بالتركيز علي العلاقات الإرتيرية الإثيوبية. يعتقد أن الخطوة الإثيوبية التي بدأت منتصف الشهر الماضي، خطوة إستراتيجية لتأسيس مجموعة اقتصادية في القرن الأفريقي وتسهم في تعاون دول البوابة الأفريقية الشرقية للسيطرة على شواطئ البحر الأحمر..
التعب والياس
أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد انسحاب القوات الإثيوبية التي كانت متمركزة على الحدود مع دولة إريتريا بعد أن شهدت العلاقات بين البلدين تحولات كبيرة بعد (20) عاماً من القطيعة، وكسر الحاجز بزيارات متبادلة بين الرئيسين الإريتري والإثيوبي على حد سواء، كما أوضح رئيس الوزراء الإثيوبي أن انسحاب القوات المنتشرة في مدينة (زلامباسا) في الحدود مع إريتريا لأن بقاء القوات في الحدود لن تكون له فائدة بعد أن عاد السلام والأمن والاستقرار الى المنطقة، مشيراً أنه سيتم دمج وتدريب العسكريين لأعمال التنمية، وقال آبي أحمد وفقاً لما نقلته و(كالة الأنباء الإثيوبية)، قال حينما زرت مع الرئيس أفورقي منطقة (بادمي) في وقت سابق رأينا على وجوه جيوشنا التعب واليأس لذلك قررنا فوراً سحب الجيش وتدريبهم وإضافتهم في القوة العاملة بالبلدين لزيادة التنموية.
اختراق مباشر
ويقيم الخبير العسكري اللواء متقاعد يونس محمود أن خطوة سحب القوات العسكرية أنها مرتبطة بالقرارات السياسية، لأن الاختراق المباشر الذي أحدثه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في العلاقات الإثيوبية الإريترية وملفات العلاقات الإثيوبية مع دول الجوار، كان تفكيراً إستراتيجياً، موضحاً في إفادته لـ(الإنتباهة) أن ذلك يرجع الى التغييرات التي أحدثها في صفوف وقيادات الوحدات العسكرية الإثيوبية بعد أن عمل على تغيير قادة أركان الجيش والأمن والمخابرات التي كانت تملك بيدها هذه الملفات بيدها، والتي كانت من ضمن العلاقات الخارجية -على حد قوله- وأكد الخبير العسكري أن المؤسسات العسكرية هي التي كانت تمسك على الملفات السياسة داخل إثيوبيا وهذا ما أدى الى إطالة أمد القطيعة بين الجارتين لكن مع مجيء رئيس الوزراء آبي أحمد حدثت التحولات عندما تسلم هذه الملفات الحساسة التي أولاها اهتماماً خاصاً وأعاد العلاقة مع الجارة إريتريا بعد قطيعة وصفت بأنها كانت غير منطقية وليس خلفها أهداف إستراتيجية تدعم البقاء على الخلافات الدائمة بين الجارتين ما جعلها ترمي بظلالها على الدولتين سياسياً وأمنياً واقتصادياً، منوهاً أن انسحاب الجيش الإثيوبي من مناطق الشدة يعني إزالة المخاوف والعداء بين الطرفين ويعتبر كسر للهواجس والالتفاف على المصالح القومية التي اتفق عليه ليوفر جهداً كبيراً بين الدولتين، كما أن الإنفاق على انتشار الجيوش في الحدود ومده بالمؤن والذخائر دون نشوب قتال يعتبر استهلاكاً لأموال الدولة التي يمكن أن تذهب للتنمية العمرانية او الاتصالات، علماً بأن هناك أشياء كثيرة ترمي بكاهلها على خزائن الدولتين، وأن حديث آبي أحمد الأخير يعضد ويدعم ضرورة ذهاب توجيه القوات للتنمية بدلاً عن استعداد غير مجدٍ للحرب بهذا. وأكد يونس أن المنطقة موعودة بما سماه (جبر الخواطر) لأنها ظلت بفقرها وبؤسها سنين طويلة رهينة للعمليات العسكرية العبثية، منوهاً أن المنطقة سادها الوعي التام بأهمية التجاور وقد يقابل هذا العمل رداً من إريتريا بتحية أحسن من ما قدمته إثيوبيا.
ربيع الشباب
أما الباحث والأكاديمي الإثيوبي في العلاقات الدولية عبد الرحمن أحمد محمد، فقد أفاد أن الجيشين الإريتري والإثيوبي عاشا كل هذه الفترة نتيجة قطيعة دامت (20) عاماً بين الدولتين في مناطق صحراوية أكثر وعورة وحياة مذرية أفضت بانهيار معنويات الجانبين، كما قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، اذا اندلعت حرب بين البلدين لخسرتها الدولتان نتيجة المعنويات الهابطة للقوتين. وأردف الباحث في حديثه لـ(الإنتباهة) إن سحب القوات قرار منطقي عقلاني خاصة لأنه لا توجد حرب تستوجب بقاؤها وإن سحب هذه القوات جاء في وقت تشهد فيه العلاقات بين الدولتين (ربيع الشباب) وتجري بينهم مشاورات ولقاءت على مستوى الرئيسين وتبادل الزيارات والمنافع والمصالح بين للشعبين وتأكيداً على توطيد العلاقات، قد تم افتتاح معبر تجاري لتقوية متانة العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا، وأضاف الأكاديمي الإثيوبي أن سحب هذه القوات المدججة بالأسلحة الثقيلة والعتاد الحربي يدل على تحقق الأمن والاستقرار والسلام المستدام في المنطقة، لأن وجود هذه القوات على الحدود يعزز التحرشات الحربية بينها والقوات الأخرى المناوئة لها، حيث كان هنالك تخوف من بعض القوميات الموجودة على حدود التماس بين إريتريا وإثيوبيا، بالأحرى قومية (التقراي) التي أبدت تخوفاً من الانفراد بها بعد إبعاد القوات الإثيوبية من الحدود مع إريتريا لكن رئيس الوزراء آبي أحمد طمأنهم أن هذه القوات ستكون جاهزة في أي وقت لحماية أي شبر من إثيوبيا بجميع أقاليمها ومن مس جزءاً من إثيوبيا فقد مسها ورأى أن قرار سحب القوات من الحدود الإريترية هو قرار عقلاني لإعادة دمجها في المجتمع وتدريبها مرة أخرى وتنشيط دورها من أجل التنمية أفضل من تواجدها في تلك البقاع القاحلة بدون حرب ولا سلام.
التنمية خط أحمر
في السياق يعتبر المختص في شؤون القرن الأفريقي الأستاذ بجامعة أفريقيا العالمية برفيسور عبدالوهاب الطيب بشير أن قرارات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بسحب القوات الإثيوبية من المناطق المتنازع عليها على طول الحدود بين الدولتين بدأ من منطقة (زلمباسا) خلال لقائه في الخامس من يناير الجاري مع قادة المعلمين العسكريين بالقصر الرئاسي البالغ عددهم (3699) من معلمي قادة الجيش الإثيوبي يعتبر الأول من نوعه وافتتاحية ناجحة للرئيس آبي أحمد والخطوة الأولى لسياساته في إطار الاتفاقيات المبرمة على نطاق العلاقات الإثيوبية الإريترية، كما أبان برفيسور عبد الوهاب أن للخطوة لها مؤشرات ودلالات إيجابية تؤكد جدية إثيوبيا بالمضي قدماً في مسار توطيد العلاقات التي بدورها ستنعكس على منطقة القرن الإفريقي، مضيفاً أن أول هذه الدلالات السامية حرص آبي أحمد على استدامة الأمن والسلام بين الدولتين بمنطقة القرن الأفريقي، وتصفية الأزمات التي كانت بؤرة الصراع بين الجارين في الإقليم، لافتاً الى أن آبي لديه رؤية متكاملة لتحويل هذه القوات الى أيادٍ تحمل غصن الزيتون وترفع راية البناء التنمية المستدامة في إثيوبيا بدلاً عن وجودها في مناطق (اللاحرب) دون استغلال طاقتها، موضحاً أن التنمية في إثيوبيا مرتبطة بسياسات الأمن القومي الإثيوبي وأن تحقيق التنمية خلاف هذا البرمج يتعارض مع هذين القضيتين -الأمن والتنمية- الأساسيتين التي تعتبر (خط أحمر) في لبنة سياسات إثيوبيا الداخلية والإقليمية.
كما يرى بروفيسور عبد الوهاب أن الانسحاب هو حرص على الاتفاق الإثيوبي الإريتري الذي أكد أن استمرار الاتفاقية هي مرهونة بحماية الشعبين لها وليست مرهونة بحماية السياسيين او قادة الدول، وهذه تطمينات حال توقعاتهم بقيام حرب لسكان منطقة (زلمباسا) وبهذا بثت تطمينات لإزالة الشكوك ولكل المجموعات الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا لأن القضية قضية شعوب أكثر من قضية النظام في أسمرة وأديس أبابا، وتوقع عبد الوهاب أن يقوم الرئيس آبي أحمد بالتفرغ لحل لقضايا أخرى مع بقية دول الجوار منها النزاعات الحدودية بين السودان وإثيوبيا في منطقة (الفشقة) التي فيها لم يتخذ أية خطوة اتجاه وربما ستكون ضمن اهتمامات الرئيس آبي أحمد مع انطلاقة هذا العام الجديد في إطار دعم مقترح تجمع القرن الإفريقي بإحلال السلام في الإقليم خاصة إنهاء الخلافات الحدودية بينها.
انطلاقة صحيحة
بالتالي يفتح انسحاب القوات الإثيوبية من الحدود الإريترية حلاً لعدد من القضايا التي كانت عالقة بين أسمرا وأديس أبابا والمنطقة كلها التي كانت يمكن أن ينشأ من من خلالها عداء مستديم بين إقليم (تقراي) و(إرتيريا).  وفي إشارة واضحة من الرئيس آبي أحمد أن سحب الجيش الإثيوبي لا يعني ترك إقليم (تقراي) فريسة لأية جهة ما، موضحاً أن أمن واستقرار إقليم (تقراي) من أمن واستقرار إثيوبيا وأن استقرار إقليم (تقراي) جزء أصيل من الأمن القومي الإثيوبي.
 بهذا قد يكون الرئيس آبي أحمد أزال كل الشكوك ومخاوف (التقراي) وأبدى حسن النوايا مقدماً عربون لشعب وقومية التقراي وتأكيداً لأرساء سبل التعايش والمواطنة بين القوميات الإثيوبية كما أنه بالخطوة نفسها أنهى الصراع في إقليم تقراي المحازي لدولة إريتريا.