سياسة

المجتمع الدولي و(العسكري).. (شد الكرفتة ) علــــى العنــــق

(وكشف عن تلقي المجلس العسكري أكثر من عشرين مبادرة إلا أنه أكد على أنهم يفضلون مبادرة توافق عليها الحرية والتغيير)، هذه الجزئية جاءت بين ثنايا أبرز خبر تصدر الصحف السودانية أمس، والكلمات بين الأقواس جرت على لسان عضو المجلس العسكري الفريق ياسر العطا، الذي وللمفارقة ظهر في ساعة متأخرة من ليل الأحد ليعلن عبر مؤتمر صحفي جمعه مع الفريق شمس الدين الكباشي عن نفض العسكري يده عما تواثق عليه مع الحرية والتغيير في تزامن مع تلويح الفريق أول محمد حمدان حميدتي بتشكيل حكومة مهام، وما جهر به العطا يعني حدوث تحول دراماتيكي يأتي قبل ثلاثة أيام فقط من نهاية مهلة الاتحاد الأفريقي وعقب لقاءات ماراثوانية لعدد من الوسطاء والمبعوثين أبرزهم ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية والترويكا والاتحاد الأفريقي والوسيط الإثيوبي.
ورغم أن حديث الفريق ياسر العطا يشي بحدوث تأرجح في المواقف المتشددة للعسكري منذ فض الاعتصام إلا أن جزءاً من ذات تصريحه ذهب في اتجاه مختلف، وذلك حينما كشف عن أنهم أبلغوا المبعوث الأمريكي دونالد بوث رفضهم سيطرة قوى الحرية والتغيير على المجلس التشريعي، مؤكداً على أنهم لا يمانعون مناصفة مقاعد المجلس السيادي، وتمترس العسكري وراء حاجز رفض منح الحرية والتغيير نسبة 67% من مقاعد المجلس التشريعي وهي النسبة التي وافق عليها في اتفاق سابق تبدى جلياً خلال لقاءات نائب رئيس المجلس الفريق حميدتي الذي ظل وخلال مخاطباته الجماهيرية يلوح بكرت تشكيل حكومة المهام ،غير أن ما ذهب إليه حميدتي وضح أنه مجرد ضغوط يسعى من ورائها إلى تحقيق أهداف أخرى لم تكن معلنة إلا أنها تكشفت لاحقاً على لسان العطا أولاً ثم الفريق شمس الدين الكباشي، الذي كشف عن أن المجلس العسكري متمسك بمناصفة مستويات الحكم الثلاثة مع قوى الحرية والتغيير « السيادي، التشريعي، والتنفيذي» .
غير أن ما يسعى خلفه المجلس العسكري الرامي الى مناصفة المستويات الثلاثة للحكم يبدو امراً غير مقبول ومرفوض لدى قوى الحرية والتغيير التي ابدى قادة فيها امتعاضهم من تنصل العسكري عن اتفاقه السابق، وفي هذا الصدد فان الناطق الرسمي لتجمع الاتحاديين المعارض والقيادي بالحرية والتغيير جعفر حسن عثمان، يشير الى انه من المؤكد ان وراء تراجع العسكري جهات لا تريد للاتفاق ان يتنزل على ارض الواقع، ويلفت جعفر في حديث لـ(الانتباهة) انه قد وضح جلياً ان العسكري يريد ادارة البلاد منفرداً واضاف: يمكن القول انه «طمع في السلطة»، ولا اعتقد ان للامر علاقة بالحرية والتغيير لان الاتفاق كان واضحاً ،وسلوكه منذ وقت مبكر يكشف عن انه يريد الانفراد بالحكم، والشواهد توضح انه كلما توصلنا الى تفاهمات كاملة ونريد التوقيع عليها حتى تصبح رسمية وسارية فانه يتلكأ ويماطل، وتصريحات الكباشي المتناقضة تعد دليلاً اخر فهو في كل مرة يخرج برأي مختلف عن سابقه.
حديث القيادي بالحرية والتغيير جعفر حسن عثمان يكشف عن ان المجلس العسكري كان يسعى الى الانفراد بالحكم غير ان الكباشي والعطا وحمديتي ظلوا يؤكدون ان هدفهم الاساسي هو توسيع ماعون المشاركة حتى لا يتم اقصاء احد ،وعقب فض الاعتصام في الثالث من يونيو بطريقة دموية قابلها المجتمع الدولي باستياء بالغ فقد عمل العسكري على تسريع ايقاعه وصولاً الى تشكيل حكومة المهام وتبدى هذا جلياً من خلال رفضه الاعتراف بالوساطة الاثيوبية ومطالبته ضمها مع الافريقية ،غير ان الرياح وبحسب خبراء جرت عكس ما يشتهي ويخطط العسكري بداعي التدخل القوي للمجمتع الدولي ممثلاً في الاتحاد الافريقي ودول الترويكا والاتحاد الاوروبي، ليلجأ الوسطاء والمبعوثون ومن خلفهم دولهم الى سياسة الجزرة والعصا تارة وفي تارة اخرى «شد الكرفتة» على عنق المجلس العسكري ،ويتضح هذا جلياً من خلال ربط المبعوث الامريكي الخاص بالسودان السفير دونالد بوث عودة التعاون الدولي مع السودان بالانتقال الى حكم مدني متوافق عليه بين قطاعات الشعب السوداني، وحديثه هذا يعني صعوبة ان يتجاوز المجلس العسكري قوى اعلان الحرية والتغيير، ومضى السفير في قوله مبيناً ان كل دول العالم تنتظر عودة الحكم المدني لمواصلة تعاونها مع السودان ،وشدد على ان تشكيل حكومة مدنية يعد اولوية قصوى، واذا كان المبعوث دونالد بوث قد قدم الجزرة والعصا فان الكونغرس الامريكي اختار في بيان له رفع العصا في وجه طرفي التفاوض خاصة المجلس العسكري حينما لوح بعقوبات قد تطال افراداً في حال عدم الوصول الى اتفاق يفضي الى حكومة مدنية .
أما بريطانيا التي عبّرت مبكراً عن موقفها الداعم للحكومة المدنية فان مبعوثها الخاص للسودان روبرت فيروزر مضى بعيداً في دفع عملية التفاوض وهو يؤكد على ان المجتمع الدولي يرغب في مساعدة السودان اقتصادياً وايضاً اشترط المبعوث تحقيق ذلك بتشكيل الحكومة المدنية ،وذكر ان التفاوض هو الوسيلة الوحيدة للوصول الى حلول ، مُجدِّداً حرص بلاده على التواصل مع السودان، ومما سبق فان المجلس العسكري والحرية والتغيير لم يعد امامهما غير العودة مجدداً الى طاولة التفاوض للوصول الى اتفاق ينهي حالة الاحتقان التي ظلت سحبها تغطي سماء المشهد السياسي منذ سقوط البشير في الحادي عشر من أبريل.
ما يجدر ذكره هنا أيضاً أن وزير الخارجية الأمريكي الذي كان قد شارك في مؤتمر المنامة تردد أنه التقى ولي العهد السعودي وكذلك مسؤولين إماراتيين وابلغهم رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في تكوين حكومة مدنية بالسودان.