سياسة

الوثيقة الدستورية..توقيع بالدم والدموع ..!

الخرطوم: اميرة الجعلي
أسدل الستار على أكثر المشاهد السياسية طولاً في تاريخ السودان الحديث وهو المشهد الذي سيتذكره السودانيون وهم يعبرون عن تطلعاتهم للحياة الكريمة والاستقرار وأحلامهم بميلاد نظام ديمقراطي .
اختزل هذا المشهد تفاصيل أربعة أشهر من الدموع والأحزان والمآتم والمسيرات والاعتصامات، وذلك ما عبر عنه المتحدثون في حفل التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق الوثيقة الدستورية، وتلك كانت هي المعاني التي حاول أن يعلن عنها رئيس فريق التفاوض من جانب الحرية والتغيير عمر الدقير وهو يتحدث بين العبرات والدموع، ومن الجانب الآخر عبر نائب رئيس المجلس العسكري عن سعادته وفرحة الشعب السوداني بهذا التوقيع الذي انتظره الناس طويلاً لفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان الحديث .
ولكن مع الألوان الباهرة التي زانت حفل التوقيع والدموع التي سالت من الرجال والزغاريد التي انطلقت من حناجر النساء، تعبيراً عن لحظة الزهو والانتصار والفرح، لكن تبقى تحديات الفترة الانتقالية ماثلة أمام الجميع للعبور بالسودان الى مرحلة جديدة من تاريخه، ومعالجة ليس فقط الإرث السياسي للفترة السابقة، لكن التحديات الماثلة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية، وكيفية معالجتها. وكما قال مراقبون إنها الفرصة الاخيرة للشعب السوداني، هل يغتنمها ام يكرر أخطاء الماضي والعودة للمربع الاول؟!. لكن الشباب حريصون على حراسة ثورتهم.
الوسيط يرفع علامة النصر :
أول الكلمات خلال الاحتفال بالتوقيع ابتدرها الوسيط الأفريقي الذي رفع علامة النصر وهو مبتسماً قبل أن يذرف دموع الفرح ويغادر قاعة الصداقة لمقر إقامته بفندق كورنثيا لأخذ قسطاً من الراحة استعداداً لمغادرته البلاد اليوم وبدأ حديثه بأن للتاريخ لحظات لا تنتهي بالكلمات، موضحاً أنها تكتب بالأنفاس والضمير والإرادة ودم الشهداء ودموع الثائرين . وقال إن الاتفاق يؤسس لمرحلة جديدة من عُمر السُودان، وأكد على ضرورة المحافظة على استقرار السودان والمحافظة على استقلال القرار السياسي ومنع التدخلات الأجنبية في شؤنهم، وطالب الطرفان بالوفاء للثورة والإحاطة بالاحترام والرعاية، كما أوصى في ختام حديثه بالاعتناء بالكنداكات .
تحقيق القصاص:
أما الفريق أول محمد حمدان دقلو، فأكد في كلمته على أن التوقيع على الوثيقه الدستورية طوى صفحة عصيبة من تاريخ السودان ساد فيها التناحر والاقتتال. وأضاف أن التوقيع يمثل انتصاراً للإرادة الوطنية، مشيراً الى أن الطرفين الموقعين سيعملان بروح الفريق الواحد من أجل الوطن والمواطن. وأكد الفريق أول دقلو أنه لن يهدأ لهم بال حتى يتحقق القصاص العادل من كل من ارتكب جرماً في حق الوطن و المواطن.
من جانبه أكد ممثل قوى الحرية والتغيير المهندس عمر الدقير أن التوقيع على الوثيقة الدستورية يمهد الطريق لتشكيل هياكل السلطة الانتقالية حسب الجداول الموضوعة، موضحاً أن التحقيق العادل والشفاف لكشف قتلة الثوار سيكون من أولويات الفترة الانتقالية. فيما قال الوسيط الإثيوبي محمود درير أن التوقيع يؤسس لحكم مدني ديمقراطي لبناء دولة القانون والمساواة ويؤسس لفترة انتقالية سيكون من أولوياتها تحقيق السلام الشامل. وقال درير إن التوقيع سينهي وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، مؤكداً دعم إثيوبيا والاتحاد الإفريقي لمساعي إعفاء الديون عن السودان. وأكد على أهمية أمن واستقرار السودان بالنسبة للمنطقة والقارة الأفريقية .
الجداول الزمنية :
حدد الاتفاق جداول زمنية لتشكيل المجلس السيادي ومجلس الوزراء، واعتبر حيدر الصافي القيادي في الحرية والتغيير لـ(الإنتباهة) أن السابع عشر من الشهر الجاري مهماً لأنه سيتم خلاله التوقيع النهائي على المراسيم الخاصة بالإعلان السياسي والدستوري، وأوضح أنه سيتم حل المجلس العسكري عقب عطلة العيد مباشرة لتشكيل المجلس السيادي في الثامن عشر، فيما يتم الإعلان عن رئيس الوزراء في عشرين من ذات الشهر وتكوين الوزراء في الثامن والعشرين ، وأضاف سيتم أداء القسم يوم ثلاثين، وأشار الى أن أول اجتماع ثنائي بين المجلس السيادي ومجلس الوزراء سيكون في الأول من سبتمبر . وفيما يخص تعيين رئيس القضاء والمحكمة الدستورية أوضح حيدر الصافي أنه حتى تكوين مجلس القضاء العالي والذي سيشكل وفق قانونه سيكون هناك تشاور بين المحلي السيادي ومجلس لتكليف شخص يشغل وظيفه رئيس القضاء لأداء القسم أمامه. وأشار الى أن قضية ولاة الولايات لم تحسم بعد
حسم الجنسية المزدوجة :
فيما يخص الجنسية المزدوجة التي كان فيها خلاف كبير بين الطرفين حيث كان المجلس العسكري رافضاً أن يكون رئيس الوزراء والوزراء من حاملي الجنسية المزدوجة فيما ترى الحرية والتغيير إمكانية ذلك، لكن في الاجتماع الأخير قدم المجلس العسكري تنازلاً في هذه النقطة، حيث أوضح الوسيط الأفريقي محمد الحسن لباد لـ(الإنتباهة) أن الطرفين اتفقا على أنه كثير جداً من الكفاءات الوطنية قد هاجرت وطردت من الوطن واستقرت في الخارج ولضرورات بقاء معاشها تجنست. وأشارو الى أن البلاد في حاجة إليهم، وقال لباد إن الطرفين اتفقا على اتخاذ موقف يجمع بين ضرورة الحفاظ على سيادة البلاد في بعض الوظائف التي لا يقبل فيها هذه الازدواجية وضرورة أخرى والأخذ في عين الاعتبار حاجة البلد لاسترداد طاقاتها في الخارج.
فيما قال مصدر لـ (الإنتباهة)، إن الطرفين اتفقا على أن من يشغلون الوزارات السيادية (الخارجية والدفاع والداخلية والعدل) لا يحملون جنسية مزدوجة، وأشار في الوقت نفسه إمكانية حدوث استثناء بالتشاور بين أعضاء المجلس السيادي. وأكد المصدر على أن هذه الجزئية نوقشت على مرتين في اجتماع سابق وفتحت مجدداً في اجتماع الأمس، وأشار الى أن رئيس الوزراء سيكون حاملاً الجنسية المزدوجة، وأكد لباد أن إرادة الشعب السوداني الضامن الوحيد لتنفيذ الاتفاق .
تشكيل المفوضيات :
أما ما يتعلق بالمفوضيات، فقالت مصادر (الإنتباهة) إن هناك أربعة مفوضيات سيتم تشكيلها بواسطة مجلس السيادة ومجلس الوزراء، خاصة (بالسلام والحدود والانتخابات والدستور)، أما بقية المفوضيات يسمونها مجلس الوزراء مع الاعتبار ات تكون المفوضيات مستقلة وتكون وفق قانون يصدره المجلس التشريعي (الحرية والتغيير ).
جدل الثورية :
لكن الجدل الأكبر كان من قبل الجبهة الثورية التي طالبت من قبل بتضمين ملحقها للوثيقة السياسية ولكن بعد جولات ماكوكية من التفاوض تم تضمينها في اللحظات التفاوضية الأخيرة بعد إحداث وفد الجبهة الثورية ربكة في جلسة التفاوض القبل الأخيرة وإصدار بيان شديد اللهجة من قبل الجبهة الثورية حيث تم أفراد فصل كامل عن السلام في الوثيقة الدستورية يحوي تسعة بنود على المبادئ العامة للسلام ويختتم هذا الفصل بالتوقيع على اتفاقية سلام شامل مع كافة الحركات المسلحة وستُفرد له بنود في هذا الوثيقة الدستورية كما لم يتم فتح الإعلان السياسي الموقع مسبقاً كما طالبت الجبهة الثورية، وبحسب متابعات الصحيفة أن الطرفين المجلس العسكري والحرية والتغيير كانا يفضلان إضافة ملحق الجبهة الثورية في وثيقة مستقلة .
ضغوط خارجية :
قال مراقبون استنطقتهم ( الإنتباهة) إنه رغم جهد الوساطة الأفروإثيوبية وكذلك حرص الطرفان على التفاوض بنية حسنة والوصول الى اتفاق، إلا أن العامل الخارجي كان حاضراً بقوة خاصة من الدول الإقليمية وبعض الدول الغربية . وكشفت مصادر الصحيفة أن الدول الغربية على رأسها أمريكا والدول الإقليمية المهتمة بالشأن السوداني مصر والسعودية والإمارات بذلت جهوداً كبيرة خلف الستار لحث الجانبين لأهمية التوصل الى اتفاق مع الوعد القاطع بمساعدة السودان لعبور هذه المرحلة إلهامه خاصة مع زيادة هشاشة الوضع الداخلي وعدم تفويت الفرصة المواتية لكسب الدعم من المانحين الدوليين للحصول على مساعدات تنموية عاجلة، وكذلك لقطع الطريق أمام حدوث أية ثورة مضادة وأكدت أنه كان هناك دور مهم للضغوط الخارجية في التوصل لهذا الاتفاق. وأكدت أن الدور الخارجي لن يتوقف في مرحله التوقيع، بل سيتواصل التعاطي والتشاور مع المكونات السياسية مع شريكي الحكم في الفترة القادمة لتأمين تطبيق الاتفاق وكذلك تأسيس اللبنات الأساسية لعهد ديمقراطي جديد. ومع كل هذا النجاح هل تستطيع الثورة العبور للضفة الأخرى؟..