mlogo

السياسة

سياسة

(الوطني)... حزب ما زال يملك أدوات زعزعة الاستقرار

يبدو أن المؤتمر الوطني قد التقط أنفاسه المتقطعة، ولملم شعثه واستجمع قواه لقلب الطاولة على «الشراكة» بين المجلس العسكري وقوى التغيير»، وذلك بعد صمتٍ طويل واختفاء عن المشهد السياسي لأكثر من أربعة أشهر، ولاشك أن للمؤتمر الوطني دوافعه ومخاوفه التي ترغمه للعمل على إرباك الحكومة الانتقالية ، والسعي لخنقها من خلال أسلحة اقتصادية وسياسية ظاهرة ومستترة بغرض إضعافها وإفشالها، باعتبار أن استقرار الحكومة المقبلة يعني تصفية الدولة العميقة وتضرُر مصالح رموزها...
أسئلة مشروعة
كل الشواهد تشير بشكل أو آخر، إلى أن المؤتمر الوطني الآن يسعى سراً وبهدوء تام في جمع أسلحته التي سيختارها بعناية لضرب استقرار الحكومة الانتقالية وتشتيت انتباهها ، وإضعافها بغرض إفشالها ... وللتفصيل أكثر في هذه المواضيع لابد من الإجابة على أسئلةٍ ملحة وجوهريةٍ : هل للمؤتمر الوطني تحركات ظاهرة في هذا الاتجاه وتعززها بعض الشواهد والمعطيات أم أن الأمر مجرد تكهنات ومخاوف ليس لها ما يبررها؟ وهل بإمكان المؤتمر الوطني أن يعيق مسيرة الحكومة الانتقالية ويحول دون تحقيق أهدافها وإفشالها؟ وما الأسباب التي تدفعه في هذا الاتجاه.
تحركات "الوطني" السرية:
أوردت صحيفة (التيار) خبراً جاء فيه أن حزب المؤتمر الوطني نظم فعالية سياسية بمحلية أمبدة قُدر عدد الحضور فيها بحوالي 1500 شخص منها قيادات سياسية وبرلمانية وكوادر وممثلين للمرأة والشباب والاتحادات الطلابية، وأن المجتمعين أمنوا على قيام لجان موازية للجان الثورية في خطوة نحو ثورة مضادة بهدف خلق بلبلة سياسية بحسب تعبير مصادر الصحيفة، وكشفت الصحيفة عن اجتماعات سرية أخرى اُديرت بسرية كاملة انعقدت في عدد من محليات الخرطوم، اُوكلت إليها ذات المهام، مشيرةً إلى أن قيادات بحزب المؤتمر الوطني تلقت موافقة رسمية مكتوبة من مسؤول رفيع بحكومة الخرطوم لعقد الفعالية داخل المدينة الرياضية.
البرهان وقلب الطاولة:
وليس بعيداً عن هذه الأجواء، فقد كشف رئيس المجلس العسكري الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عن جهات لم يسمها قال إنها تخطط لقلب الطاولة على المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، مؤكداً حصولهم على معلومات تؤكد أن تلك الجهات تخطط لاستلام السلطة، وفي منحنى آخر أشار البرهان إلى أن خلية من أفراد بالجيش تسكن داخلية البركس هي التي أطلقت النار على المعتصمين والقوات النظامية...
صحيح أن البرهان لم يسمِ جهةً بعينها، لكن هذا التعميم يجعل المؤتمر الوطني أول الداخلين إلى دائرة الاتهام بقرينة أنه أول المتضررين من التغيير الذي حدث في البلاد، وهو تغيير أطاح بنظامه ويضع رموزه وكوادره أمام المحاسبة القانونية والمحاكم، هذا فضلاً عن أن حزب المؤتمر الوطني هو الحزب الوحيد الذي يُشتبه في وجود عناصر موالية له داخل المؤسسة العسكرية، وحديث البرهان بأن هناك خلية من أفراد بالجيش هي التي أطلقت النار على المعتصمين يعزز ذلك الاتهام بشكل أو آخر.
حميدتي: الدولة العميقة موجودة
وفي مايو الماضي، أكد نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي " لدى مخاطبته العاملين بسلطة الطيران المدني والشركة القابضة، أن الدولة العميقة ما زالت موجودة في كل مكان، مضيفاً أن أي شخص لديه أجندة سنكشفه ووقتها بيننا القانون.... الحديث عن الدولة العميقة وتحركاتها يومئ منذ الوهلة الأولى إلى المؤتمر الوطني الذي تنتشر كوادره في كل مؤسسات الدولة بالمركز والولايات والمحليات.
الفريق حميدتي أيضاً، وفي رده على سؤال لمندوبة الإهرام عن الدولة العميقة وكتائب الظل، وعما إذا كانت موجودة بالفعل، قال: نعم موجودة وحقيقية، وأضاف الآن نحن في منعطف خطير ولابد أن نراجع حساباتنا جيدا، وأقر بأن هناك جماعات تتربص بالتغيير وتريد الانقضاض عليه بالفعل..
إذن، كل ذلك يشير بشكل واضح إلى تحركات المؤتمر الوطني السرية والعلنية، وأن السلطات تخشى من ذلك وتتحسب له وتحذره، وفي ذلك إجابة على السؤال الأول الذي طرحناه في مستهل هذا التحليل : (هل للمؤتمر الوطني تحركات ظاهرة في هذا الاتجاه وتعززها بعض الشواهد والمعطيات أم أن الأمر مجرد تكهنات ومخاوف ليس لها ما يبررها؟)...
قدرات الوطني على الإرباك:
أما الإجابة على السؤال الثاني: هل بإمكان المؤتمر الوطني أن يعيق مسيرة الحكومة الانتقالية ويحول دون تحقيق أهدافها وإفشالها، بمعنى أنه هل يملك أدوات زعزعة الاستقرار؟ الإجابة على السؤال المطروح يمكن أن نفصلها في النقاط التالية:
أولاً: الوطني داخل المؤسسة العسكرية
كل المعطيات والدلالات تشير إلى أن المؤتمر الوطني مازال يتحكم في مؤسسات الدولة خاصة الحساسة منها، وأولى هذه المعطيات وأخطرها على الإطلاق أن المؤتمر الوطني له كوادر داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والشرطية، والدليل على ذلك حديث البرهان الذي أشار فيه إلى أن خلية مكونة من أفراد بالجيش أطلقت النار على المعتصمين والقوات النظامية، وليس من دليل أكبر من إقرار قادة المجلس العسكري الذين أشاروا فيه إلى أن مجموعة من الضباط والجنود خالفوا التوجيهات وقاموا بفض الاعتصام وتجاوزوا الأوامر المحددة بفض منطقة كولمبيا (وحدث ما حدث)، الأمر الذي اعتبره نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو "فخ" نُصب لقوات الدعم السريع، ويُضاف إلى ذلك محاولات فض الاعتصام السابقة وإطلاق النار على المعتصمين والقوات النظامية من جانب قوات مسلحة وُصفت وقتها بأنها نظامية...
إذن، تغلغل المؤتمر الوطني داخل المؤسسات العسكرية، والأمنية والشرطية يجعله خطراً يهدد الأمن والاستقرار وبإمكانه أن يعمل على زعزعة الاستقرار ما لم يُقابل بحزم وحسم شديدين.
ثانياً: الوطني في كل وزارة
الحقيقة التي لا تقبل الجدل تشير بوضوح إلى أن المؤتمر الوطني موجود داخل كل وزارة من الوزارات التي يديرها الآن وكلاء الوزرات وهم جميعاً من كوادر المؤتمر الوطني، وليس هذا فحسب، بل يُوجد حزب المؤتمر الوطني في كل المؤسسات الحيوية والإستراتيجية ويتحكم في مقابض المال ومصادره، وفي المؤسسات الاقتصادية العملاقة، ويتحكم في المضاربات وامبراطوريات الصادر والوارد ومؤسسات تقديم الخدمات، وفي غالبية النشاط الاقتصادي...
إذن، المؤتمر الوطني موجود من خلال كوادره في كل مؤسسات وهيئات الدولة، وبعض هذه الكوادر تدين بالولاء الشديد للحزب، وليس هناك من دليل أكبر من الخبر الذي أوردته (التيار) وأشارت فيه إلى الاجتماعات التي انعقدت بالمدينة الرياضية والتي اُديرت بسرية كاملة، وتلك التي انعقدت في عدد من محليات الخرطوم، وهي فعاليات واجتماعات تلقت قيادات بحزب المؤتمر الوطني موافقة رسمية مكتوبة من مسؤول رفيع بحكومة الخرطوم لعقد الفعالية داخل المدينة الرياضية ونحوها حسب الخبر المنشور.
ثالثاً: حالة التساهل مع الوطني
وما يعزز قدرات المؤتمر الوطني على إرباك الحكومة الانتقالية ومحاولات إفشالها، ذلك التساهل من المجلس العسكري مع رموز النظام حيث ما زالت هناك حالة من العاطفة والحنين تربط أعضاء المجلس العسكري بقيادات وكوادر المؤتمر الوطني مما جعل المجلس متساهلاً معه الأمر الذي أتاح لكثير من القيادات الهروب إلى خارج البلاد، فيما أسهمت حالة التساهل هذه في وجود الكثيرين ممن حامت حولهم تهم فساد خارج المعتقلات...كما أن إعادة النقابات لواجهة العمل الساسي أعطت المؤتمر الوطني مساحة واسعة للتمدد ومزيداً من الأمان، فعاد الحزب للعمل السياسي من خلال نقاباته وقد نشطت كوادره في الاتحادات والتنظيمات النقابية في العمل السياسي مما خلق حالة من التواصل تحت غطاء العمل النقابي المضاد والذي كان يحتاجه المجلس العسكري أيام التوتر مع قوى التغيير، هذا الوضع أتاح للمؤتمر الوطني فرصة ذهبية وأدى إلى حالة من التشكيك في صلة المجلس نفسه بالدولة العميقة التي أعلن ظاهرياً حربه عليها.
إذن، كل هذه الشواهد والمعطيات جعلت المؤتمر الوطني يتحرك بارتياح ويحصل على إذن إقامة الفعاليات السرية التي يتم من خلالها التخطيط لإفشال الحكومة الانتقالية مما قد يشكل خطراً كبيراً على الحكومة المقبلة وزعزعة استقرارها.
الدوافع والأسباب:

أما السؤال الثالث الذي يتضمن الأسباب والدوافع التي تجعل المؤتمر الوطني يمضي في اتجاه إفشال الحكومة الانتقالية، فيمكن الإجابة عليه من خلال سرد العديد من الملاحظات والمعطيات وقرائن الأحوال على هذا النحو:
(1) قيام حكومة انتقالية مستقرة يساعد على تفكيك الدولة العميقة ، ويضع جميع كوادرها تحت هواجس التشريد.
(2) استقرار الحكومة الانتقالية يقوي مؤسسات الدولة المدنية واستقلال القضاء مما قد يشكل أرضية صلبة لمحاكمة كل رموز النظام المخلوع المتورطين في جرائم فساد.
(3) استقرار الحكومة الانتقالية اقتصادياً سيقود إلى الالتفاف حولها مما يقلل فرص الاحتجاجات الشعبية والتظاهر ضدها وهذا ما يُصعب مهمة المؤتمر الوطني الذي يستعد لتنظيم المظاهرات وتحريك الشارع ضدها.
(4) استقرار الحكومة الانتقالية سيعمل على توزيع الفرص والمنافسة الحرة والنزيهة بعيداً عن المحاباة واحتكار العطاءات والحصول على الامتيازات والمزايا والتسهيلات ونحوها.

تواصل معنا

Who's Online

428 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search