سياسة

بيع ممتلكات السودان في الخارج.. عُش الدبابير

تقرير: سناء الباقر
في عام2011م اثيرت قضية بيع ممتلكات السودان بلندن بطريقة تخالف المعهود في مثل هذه الحالات ومن غير علم الجهات المنوط بها ذلك (وزارة الخارجية, بنك السودان المركزي, وزارة المالية)، وقد قيل ان الصفقة تمت على يد احد السماسرة السودانيين الذي يحمل الجنسية البريطانية, وماتت القضية واغلقت عليها الاضابير الى حين دونما نتائج تذكر, الا ان احد اعضاء البرلمان المستقلين اثار القضية مرة اخرى منتصف العام السابق, وطالب بمثول وزير مجلس الوزراء احمد سعد حينها امام البرلمان والكشف عن ملابسات البيع, خاصة ان البيع تم بقيمة اقل بكثير مما هو متعارف عليه،
حيث كشفت بعض المصادر انه تم بيع احد عشر عقاراً من التي تمتلكها حكومة السودان من اصل اربعة عشر بيتا بقيمة ضئيلة جدا لا ترتقي الى هذا الارث التاريخي لا مادياً ولا معنوياً، خاصة اذا قورن هذا السعر بعقارات تم بيعها في ذات الموقع قدرت بثلاثة اضاف هذا المبلغ، وكشف مصدر لـ (العربي الجديد) في لندن أن بيت السودان بيع بـ (12) مليون جنيه استرليني فقط، بينما بيع عقار مشابه له باكثر من سبعين مليوناً لهذه الممتلكات التي امتدت ملكيتها لحكومة السودان لاكثر من خمسين عاماً، وكان وزير مجلس الوزراء حينها احمد سعد عمر قد أقر امام البرلمان بالبيع، مبيناً ان الرئيس السابق انشأ صندوقاً لادارة عقارات السودان بالخارج، وانه انشأ ثلاث شركات، لكنه نفى تكليف مجلس ادارات هذه الشركات ببيع العقارات المعنية. واضاف أن عقارات السودان بالخارج كانت تحتاج لصيانة بمبالغ كبيرة مما دفع الى بيع احد عشر عقاراً منها.
ولم يقتصر البيع على عقارات السودان في لندن ولكن اثيرت ايضا قضية بيع مقر بعثة السودان بجنيف، لكن تم نفي الامر في حينه، حيث نفت البعثة امتلاكها مقراً اصلاً، ولكنها تمتلك منزل سفير تم شراؤه بداية التسعينيات وفي عهد مصطفى عثمان اسماعيل وتم تبديله بمنزل آخر.
وبالامس اعيدت قضية بيع ممتلكات السودان بالخارج مرة اخرى، حيث تم تكوين لجنة مختصة للشروع في استرداد ممتلكات السودان الحكومية التي تم بيعها في السابق, ووفقاً لما جاء بصحيفة (الصيحة) امس، فقد تم الكشف عن تورط عدد من المسؤولين السابقين في هذه الصفقة، وقد تجرى محاسبتهم بعد اكتمال البينات وثبوت الاتهامات ضدهم, فهل تلحق اللجنة سابقاتها من تكتم على المعلومات التي تصل اليها ام ستمتاز بالشفافية المطلوبة وتعلن نتائج التحقيق دون اخفاء حقائق، وتعلن اسماء المتورطين وتقديمهم لمحاكمات علنية؟ وهل الوقت الحالي مناسب لتكوين هذه اللجان والعمل في جو من العدل والمصداقية للسير قدماً في تفاصيل ما جرى؟
الاستاذ محمد طاهر عسيل عضو البرلمان السابق والمهتم بالقضية وهو الذي كان له قصب السبق في فتحها داخل قبة البرلمان قبل حله، قال انها مجموعة عقارات من ضمنها بيت مهدي لحكومة السودان من الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا، وآخر كان هدية من الشيخ زايد حاكم دولة الامارات الاسبق للرئيس الاسبق جعفر نميري، وان نميري وهبه لحكومة السودان. واشار الى ان هذا البيت تم بيعه في عهد الرئيس نميري مقابل ستة عشر عقاراً اثنان منهما منحا للسفارة ومبعوثي السودان هناك، واثنان تمت تبعيتهما لجهاز الامن والمخابرات الوطني، واثنان للجيش، والمتبقي عشرة اصبحت تحت تصرف السفارة لمن يتم ابتعاثهم من السودانيين، وقال عسيل ان القضية اثيرت بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011م لاظهار مخصصات كل بلد، حيث تم تكوين لجنة لحصر العقارات برئاسة وزير دولة بمجلس الوزراء، وهذه اللجنة قامت ببيع اثني عشر بيتاً منها، وقد قاموا بحيلة لبيعها لانها كانت تخص حكومة السودان، فلجأوا لتكوين شركة غير حكومية تم تسجيلها بانجلترا لهذا الغرض، وباعوها بوصفهم ممثلي حكومة السودان بهذا التفويض واخذوا عمولات منها. وتأسف عسيل لبيعها باقل من سعرها الذي قال انه بحسب وزير مجلس الوزراء في قوله للبرلمان بلغ خمسة وعشرين مليون جنيه استرليني، وبهذا التفويض قال انه بيعت بيوت اخرى للسودان في سويسرا وروسيا وعدد من الدول. واضاف انه تم تكوين لجنة بالبرلمان وقامت باستدعاء الوزير السابق ثلاث مرات ولكنه لم يحضر، لا هو ولا اللجنة التي قامت بالبيع، وهذا ما اعتبره عسيل ضعفاً في البرلمان السابق وحمايته للفساد، وقال ان لجنتهم طالبت رئيس البرلمان بالزام وزير رئاسة الوزراء بالحضور، لكن هذا لم يحدث الى ان تم حل البرلمان.
ونفى عسيل علمه باللجنة التي تم تكوينها لهذا الغرض، وابدى استعداده للادلاء بما يفيد حالما طلب منه ذلك.
السفير الصادق المقلي سفير السودان السابق بجنيف، يرى ان هذه البيعات مثلها مثل خط هيثرو يلفها الكثير من الضبابية، خاصة ان عقارات لندن وخط هيثرو بيعت ولم يتم تحويل عائدها الى حكومة السودان، وانما فقط تمت احالتها الى حسابات خارجية لا ندري بالضبط ان كانت هذه الحسابات تخص حكومة السودان ام تخص اشخاصاً, اما في ما يختص بمقار سفارة السودان بجنيف يقول المقلي ان اية سفارة بالداخل او الخارج من الطبيعي ان يحدث فيها ابدال واحلال، ولا يشكل ذلك مشكلة كبيرة، وهذا ما اعتقد انه حدث في مقر سفارة السودان بجنيف, فكل السفارات يمكن ان تبيع وتستبدل مقارها لكن على شرط ان تكون هناك شفافية واخطار الجهات الرسمية المختصة كوزارة الخارجية ووزارة المالية والبنك المركزي وغيرها. وفي هذه الحالة لا تكون الحالة شاذة, لكن الامر يختلف في حالة بيع بيت السودان بلندن وهو ملك للحكومة السودانية وليس تبع السفارة او مقر البعثة، وقد كان وقفاً من الامام عبد الرحمن المهدي للطلاب السودانيين بلندن، وعادت ملكيته الى حكومة السودان، ووصف بيعه بالعار لانه ارث تاريخي مثله مثل بيع خط هيثرو الذي يلفه الكثير من الضبابية وعدم الشفافية, وكذلك بيع الاراضي الحكومية اياً كانت حتى بالداخل وليس الخارج فقط, خاصة بيع الاراضي الاستثمارية للاجانب واخذهم هذه الاوراق ليقترضوا بها خارج السودان دون ان تستفيد الدولة شيئاً يذكر, واعتبر المقلي ان تكوين اللجان لمحاسبة المسؤولين عن بيع عقارات السودان بالخارج في هذه الفترة قبل تكوين الحكومة ليس ذا جدوى، وانها ستلحق سابقاتها من اللجان التي تم تكوينها ولم تظهر نتائجها حتى الآن، ولم تمتز بالشفافية المطلوبة. وفي ما اذا كانت لديهم اية معلومات حول الصفقة اثناء شغلهم منصب سفير بوزارة الخارجية، قال المقلي ان الامر كان في غاية السرية والكتمان ولم يتم اطلاعهم على اية تفاصيل.
وتظل القضية عالقة كغيرها من قضايا الفساد عصية على اللجان التي تم تكوينها سابقاً والتي ستكون لاحقاً، ما لم ترتقِ الاطراف السودانية وتصل الى حكومة ديمقراطية يكون همها الأول السودان والمحافظة على ممتلكاته ومحاسبة من اجرم في حقه.