mlogo

السياسة

سياسة

تصريحات السياسيين .. (فتق) اللسان..!

هيثم عثمان
(ومن لم يكن مقتنعاً بشيء أو بقضية، فكيف يستطيع أن يقنع الآخرين.. وهذه القناعة، إذا كانت عميقة في النفس، تولّد التواضع والوداعة .. ومن علامات الجهل، أنّ الجاهل يتصادم مع الآخرين، وكأنّه يصارعهم في مجادلتهم.. فإذا بالمجادلة صراع بين الأهواء، لا احتكاك بين العقول يغلب عليه النور لأجل استجلاء الحقيقة. - كمال جنبلاط).
منذ مطلع العام 2018 و(...) يكتوي بأتون الغلاء، وتوالدت الأزمات حوله حتى بات مذهولاً بضيق الصرف وصف الرغيف وتقلب موازين الأسعار صعوداً بسرعة صاروخية جنونية، ولاحقاً تحولت الظروف المختلفة التي تحيط به بركاناً من الغضب، فخرج.. نعم خرج محتجاً ضد سياسات الحكومة وفشلها في معالجة أزماته، فما دورها والحال تتهاوى .. هتف بقوة (...) ضد السياسات.
ووسط هتافه الداوي سرعان ما جال بخاطره، حزمة من تصريحات السياسيين في مختلف الأزمات التي مرت بها بلاده منذ عقود، منها المستفز ومنها المغرد البعيد عن الحال والحلول، ومنها كذلك الصادم والقاتل، لكن جلها فقدت مخاطبة وجدان ذلك المحتج ولم تمنح الاعتذار والتنازل فرصة، فجاءت مصحوبة برعد التهديدات وبرق المواجهة والتصدي.
وهناك على الطرف الآخر جلس السياسي يدخن غليونه بشراهة، ويستكشف في عباراته (مقولة) جديدة لإلهاب قواته الأمنية وتخويف وترهيب المحتجين، فمضت العبارات تتوالى على ذهنه وغليونه يقترب من طلب إعادة شحنه بتحدي الشعب، وفي غمرة بحثه سقطت عبوة بمبان خطأ أمامه، أحرقت عينه وأدمعتها, فبكى على فشل ذهنه في استحضار مقولة ساخرة وقاتمة وقاتلة لذاك المحتج فتحول فوراً الى أهمية رميه هذه المرة بالرصاص بدلاً من المقولات والعبارات.
ويرى الكثيرون أن الحرب العالمية الأولى أفقدت الحياة قداستها، ودلّت على سفالة الأجهزة السياسية سواء بإراقة الدماء أو بإطلاق المقولات السياسية والعنصرية والتأليبية والانتقامية، فبسطت شراعاً من القتل على محيط الإنسانية حتى فاض محيط الدم بالعالم جميعاً.
«لن نسلم كديس»، واحدة من أشهر العبارات التي أطلقتها ثورة الإنقاذ إبان طلب المحكمة الجنائية الدولية تسليم أحمد هارون وعلي كوشيب، فجدد آنذاك الرئيس البشير التأكيد على عدم تسليمهما للمحكمة. وقال «لن نسلم ولو كديس من السودان للجنائية لأن جلد الكديس يمكن أن نعمله جزمة», وهي مقولة جعلت المترجمين الأجانب يقلبون قواميس الترجمة رأساً على عقب لربط المقولة وتبيينها لكثير من القادة أو المسؤولين الغربيين.
ولاذت كثير من التصريحات جهة لاهاي حيث مقر المحكمة سخطاً وحنقاً منها ومن ما ظلت تصدره من تقارير وأوامر حول قادة الحزب الحاكم هنا في الخرطوم فتلقت أكثر الهجمات التعليقية من المسؤولين هنا, ولم تبرح طيلة الفترة الماضية إطلاق العبارات والمقولات ضد المحكمة، وعادة ما ظلت التصريحات المضادة لكل خطوة للمحكمة المنبوذة من قبل الحكومة عنواناً متصلاً، وتقلدت تلك التصريحات المرتبة الأولى من حيث الإطلاق للمسؤولين.
ومن أشهر العبارات التي طرقت الأذن السودانية لدى المتابعين للشأن السياسي السوداني، هي التي أطلقها د.نافع علي نافع بـ»الماعاجبو يلحس كوعو», ودليل الاستحالة هنا لم يقحم نفسه بل بذلها متحدياً الخصوم السياسيين للحزب الحاكم، فنافع الذي اشتهر كذلك بإطلاق حمم الانتقادات للمعارضين والتصدي للأحزاب المعارضة للإنقاذ والحزب الحاكم، ظل يرسم كثيراً مقولات لافتة على جبين المعارضة ان كان لإرهابهم بقوة سياسة حزبه أو لشيء آخر في نفسه.
وتزامناً مع نقض خياطة لسان بعض من الحكمة ومطلقاً مقولة ساخطة قال القيادي بالحزب الفاتح عز الدين (الشايفو دا أدونا أسبوع واحد وخلي راجل يرفع راسو). في إطلالة جديدة للمقولات المحبطة بحسب البعض والمحتسبة ضمن العبارات والمقولات التي ارتوت «فتق اللسان» لبعض المسؤولين، فما يراه الفاتح انه تحد حاول إصباغه بألوان الدفاع عن حزبه، أعاد الكرة الملتهبة الى آخرين وطمس على قلوبهم حسرة من ذاك التصريح رغماً عن محاولة تلطيفه مؤخراً بان الاحتجاجات المطلبية يجب ان يستجاب لها.
تصريحات الفاتح كان لها ما بعدها، فالبعض يعتقد ان لغة التخاطب التي نبذها هي لغة غاية في «الحقارة» بالمفهوم الشعبي, وآخرون يعتقدون ايضاً انها لغة سياسة عادية موجهة لجهة سياسية او جهات محددة، وما بين هذه وتلك تظل عبارات ومقولات الفاتح الأخيرة شرخاً كبيراً وناصية غير مقبولة للكثيرين.
قطع الرقبة والتهديد به جاء في احد أحاديث الرئيس الأسبق جعفر نميري, لكن ذلك التهديد لم يكن بمثل ما جاء به الفاتح عزالدين، فكان انصافاً ووقفة مع المواطن, ويسرد د. يوسف الطيب محمد توم في حكايات النميري (الجوانب المضيئة من حياته) يحكي أن مواطني الحلة الجديدة والصحافة شكوا للرئيس نميري قطع المياه عنهم بواسطة مدير الهيئة، وكان اسمه هاشم عثمان فقال نميري لهاشم: لو قطعت من زول موية تاني عشان ما دفع قروش بقطع رقبتك، فضحك هاشم وقال :ريحتني  ياريس. واستمر القرار حتى انتهاء عهد النميري رحمه الله).
«مع أطيب الامنيات», غالباً ما كانت هي العبارة التي يرددها الرئيس الاسبق إبراهيم عبود، ففي اي موضوع خاص لا يمكن التدخل فيه بوصفه رئيساً للبلاد، كان عبود بحسب الروايات يحسم الأمر بود ولطف ويطلق العبارة في وجه صاحب الحاجة الخاصة التي لا يتناسب تنفيذها مع مركزه كرئيس للدولة, فكان طبقاً للروايات لا يحرج أحداً ابداً ولديه قصة مشهورة حول طلبات لمسؤولين بعد انقضاء رحلات رسمية للبقاء في الدولة التي شهدت تلك اللقاءات للعلاج او إجراء الفحوصات فكان يحسم أمر بقائهم بالرفض ويقول لهم ختاماً مع أطيب الأمنيات بكذا وكذا.
ويرى عدد من المختصين ان لغة التهديد والوعيد في المجال السياسي تبين حالة من الإفلاس السياسي, كما يصنف الأكاديميون لغة التهديد والوعيد التي يطلقها السياسيون في مختلف الموضوعات بـ»الهادم» المتسارع لكيان التوافق العام وإهدار الروح الوفاقية التي تواكبت عليها تصريحات المسؤولين وأضرت بها كل الضرر، ما خلق ثقوباً عظيمة في جسد الحياة السياسية بصفة خاصة. ومع تلاحق الأحداث والتطورات تبدو تلك العبارات والمقولات ضمن كتاب التاريخ السياسي للقادة والقيادات التي تطلق اليوم قولاً وعبارة وراء عبارة دفاعا او هجوما او غيره، ومن ثم تنعكس على الحالة السياسية وتفرغها من الكثير من التوافق والتقارب.وفي موجة جديدة من التصريحات العنيفة وفقاً لتصاعد حالة الاحتقان السياسية الجارية وكل معسكر يتوعد الآخر, أطل مصطلح أو عبارة أو تصريح «قطع الرؤوس» من قبل رئيس الجبهة الوطنية المعارضة علي محمود حسنين, وهذه المرة كان الوعيد والتهديد بقطع الرؤوس لكل مناصري النظام الحالي, وحسبما نقلت صحيفة «المجهر السياسي» فان حسنين رد في مداخلة في حوار ثلاثي في قناة «الحرة» متوعداً بجز الرقاب.

تواصل معنا

Who's Online

724 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search