mlogo

السياسة

سياسة

جهاز الأمن.. التحرر من سلطة (الحزب)

تحليل: أحمد يوسف التاي
أصدر رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان مرسوماً قضى بتغيير اسم جهاز الأمن والمخابرات الوطني إلى "جهاز المخابرات العامة"، إلى جانب تعديل بعض مواد قانون الأمن الوطني لسنة 2010، وقال مدير جهاز الأمن الفريق أول أبو بكر دمبلاب إن القرار يأتي في سياق هيكلة الجهاز ليكون جهازاً احترافياً.. أهـ.
هيمنة "الوطني"
لفهم السياق الذي صدر فيه القرار عاليه، لابد من فزلكة وخلفيات تُفسر دواعي اتخاذ القرار، والظروف المحيطة به..فبعد استيلاء الجبهة الإسلامية القومية "المؤتمر الوطني حالياً" على السلطة بالبلاد في العام 89 عقب نجاح انقلابها العسكري الذي أطاح بحكومة الصادق المهدي المنتخبة، وضع المؤتمر الوطني يده على أجهزة ومؤسسات الدولة القومية، وحوّلها إلى مؤسسات حزبية بعد أن وضع عليها كوادره المخلصة ولم تسلم من ذلك حتى المؤسسات الأمنية والعسكرية والشرطية، ومكّن منسوبيه في المواقع الحساسة في الدولة عبر ماعُرف بسياسة التمكين، وقام بتصفية وتطهير كل المؤسسات القومية من العناصر المنتمية للأحزاب الأخرى، وذلك من خلال حملة اُصطُلح عليها "الصالح العام..
وفي إطار سياسة تمكين الحزب من مفاصل الدولة وتحويل مؤسساتها القومية إلى مؤسسات حزبية تم اختيار الدكتور نافع علي النافع القيادي في حزب المؤتمر الوطني مديراً لجهاز الأمن في تسعينيات القرن الماضي، ثم مديراً لجهاز الأمن الخارجي برتبة "لواء"، قبل أن يتم إعفاؤه عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس عام 1995، وذلك في إطارالهيمنة الحزبية على جهاز الأمن، وامتداداً لهذه السياسة القاضية بتحويل الأجهزة القومية في الدولة إلى مؤسسات حزبية، تم تكليف القيادي البارز في حزب المؤتمر الوطني الدكتور قطبي المهدي مديراً لجهاز الأمن، وتعاقب على إدارة الجهاز عدد من المنتسبين لحزب المؤتمر الوطني إلى أن جاءت مرحلة دمج جهازي الأمن والمخابرات..
"ود الحركة" في قلعة الجهاز:
وتعزيزاً لسياسة التمكين واستكمالاً لهيمنة الحزب على جهاز الأمن والمخابرات ووضعه تحت "إبط" الحزب شهد العام 2004 عملية دمج جهاز الأمن الوطني الذي كان نطاق وظيفته مرتبطة بالأمن الداخلي، مع جهاز المخابرات الذي كان منوطاً بالأمن الخارجي، تم دمجهما في جهاز واحد وتحت إدارة مدير عام واحد بمسمى "جهاز الأمن والمخابرات الوطني"، وصدر قرار جمهوري قضى بتعيين ابن الحركة الإسلامية صلاح قوش مديراً عاماً لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وظل في منصبه كمدير للجهاز حتى 13 أغسطس 2009م، ثم خلفه على إدارة الجهاز محمد عطا المولى عباس، ثم عاد قوش مرة أخرى لإدارة الجهاز في العام 2018، وحتى سقوط نظام المؤتمر الوطني في 11 أبريل 2019..ولكل هؤلاء جميعاً انتماءات معروفة لحزب المؤتمر الوطني ما يؤكد سيطرة الحزب على الجهاز وتسييسه..
وبالنظر إلى قرار رئيس المجلس العسكري القاضي بهيكلة الجهاز وتغيير اسمه إلى "جهاز المخابرات العامة" ليكون جهازاً احترافياً بعيداً عن الهيمنة الحزبية يكون المجلس العسكري مشى أول خطوة في طريق تفكيك هيمنة حزب المؤتمر الوطني على جهاز الأمن، ولايدري أحدٌ على وجه الدقة هل سيُكمل المشوار أم يتوقف عند هذا الحد..
الاستقطاعات لصالح "الوطني":
ثمة معطيات أخرى تؤكد بجلاء هيمنة المؤتمر الوطني على جهاز الأمن والمخابرات الوطني بصورة تشير إلى انتماء منسوبي الجهاز إلى "الوطني" لدرجة استقطاع جزء من مرتباتهم لصالح الحملات الانتخابية للحزب، ولعلنا هنا نستشهد بحديث مسؤول الملفات بالأمن الاقتصادي السابق العميد "م" محمد الحسن فقيري الذي أقرّ في حوار لـ "الإنتباهة" حيث قال: " الفلوس التي تُخصم من عضوية الجهاز لصالح المؤتمر الوطني لاتذهب كلها إليه. وأضاف يتم تدوير الأموال داخل المؤتمر الوطني، كما تمضي في مشاريع غير المخصصة لها،وقد تابعت أموالاً خُصمت من موظفي الجهاز،عندما وجدت مرتبي ناقصاً مبلغاً كبيراً، وعندما سألتُ في المالية لم يردوا عليّ، فاخبرني أحدهم سراً بأن مساعد المدير العام للتوجيه بجهاز الأمن رفع مقترح في 2010 لمدير الجهاز آنذاك محمد عطا بخصم نسبة من مرتبات ضباط وضباط صف الجهاز، كدعم للوطني في انتخابات 2010، ويضيف: أخبرني بأن تلك الأموال ضخمة، ولم تذهب كلها للمؤتمر الوطني، بل ذهبت لأشخاص محددين، وقانوناً ليس من حق مدير الجهاز او حتى رئيس الجمهورية خصم قرش واحد من مرتب اي موظف دون موافقته، ولاحقاً تمت إحالة هذا الشخص للمعاش".. ويضاف إلى ذلك اعتراف رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن هاشم عبد المطلب بتلقيه تعليمات من أعضاء بحزب المؤتمر الوطني للعدول عن الانقلاب، فهذه كلها شواهد تؤكد هيمنة حزب المؤتمر الوطني على المنظومة الأمنية واختراقها وتسييسهاعلى هذا النحو الذي تقدم.
الأسباب غير المعلنة:
بعد السرد أعلاه والمعطيات التي أثبتنا من خلالها هيمنة الحزب على المؤسسات الأمنية والعسكرية، وخاصةً جهاز الأمن والمخابرات الوطني منذ استيلاء الحركة الإسلامية على مفاصل الحكم وحتى سقوط نظامهم في أبريل الماضي، يلزمنا الإجابة عن سؤالٍ جوهري: لماذا أقبل المجلس العسكري على خطوة هيكلة الجهاز دون القوات المسلحة؟
وللإجابة عن السؤال أعلاه، لابد من الإشارة إلى أن جهاز الأمن والمخابرات الوطني بوضعه الحالي وبإمكانياته العالية وقوته العسكرية الضاربة والولاء التنظيمي لكبار قياداته وكوادره لحزب المؤتمر الوطني ربما ظل يثير الجدل والمخاوف، لذلك جاءت خطوة تفكيك إدارة العمليات بالجهاز وإتباعها لقوات الدعم السريع، كخطوة سبقت قرار الهيكلة.
أمر آخر ربما يفسر أيضاً الأسباب غير المعلنة لإصدار قرار الهيكلة وحصر مهام الجهاز بشكل محدد وجعله جهازاً احترافياً،وهو أن جميع القوات ذات الولاء للمؤتمر الوطني كثيراً ما يُشار إليها بأصابع الاتهام في معرض قتل المتظاهرين، وكثيراً ما تتحمل قوات الدعم السريع هذه التبعات لسهولة ارتداء الأزياء واختلاط الحابل بالنابل، ويظهر ذلك من خلال كثرة التلميحات والإشارات حول اختراق قوات الدعم السريع وارتداء زيّها بواسطة قوات أخرى، وانتحال صفتها.
ثم يبقى القول إن قرار هيكلة جهاز الأمن وتحديد مهامه، وحصرها في جمع المعلومات وتقديمها لصُناع القرار يمثل خطوة مهمة في طريق طويل ومنعرجات كثيرة في مسيرة تفكيك الدولة العميقة.

تواصل معنا

Who's Online

360 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search