mlogo

السياسة

سياسة

حكومة حمدوك ..الأسبقيات والتحديات..!!!

تحليل:أحمد يوسف التاي
أول ما يلفت الانتباه في عملية اختيار الطاقم الوزاري في حكومة حمدوك، هو اعتمادها معيار المناطقية والجهوية وهو أمر يتناقض ومعيار الكفاءة التي قد تأتي بأكثر من مسؤول من إقليم واحد، وقد جاء معيار المناطقية والتمثيل الجغرافي مُقللاً من فرص الكفاءة ومُحجِّماً لتمددها، حيث بدا التوازن المناطقي والترضيات الجهوية معياراً أساسياً يعلو على الكفاءة والخبرات والمعايير الأخرى، هذه الملاحظة تبدو ظاهرة للناظر إلى طبيعة تكوين التشكيلة الوزارية الجديدة وملامحها العامة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بوضوح هنا: ماهي الدوافع والأسباب التي جعلت التوازن المناطقي والترضيات الجهوية منطقة لزجة استعصى على "حمدوك" تخطيها والعبور فوقها، إلا بوضع جسر من التنازلات جاءت على حساب المعايير الصارمة التي تم التوافق عليها..؟
حمدوك مُجبر
وللإجابة عن السؤال أعلاه لابد من استدعاء جملة من المعطيات والمؤشرات والملاحظات التي تُعين على تفسير ومعرفة الظروف التي أجبرت "حمدوك" على صعوبة تجاوز المناطقية والترضيات الجهوية، وذلك على النحو التالي:
أولاً: وجد "حمدوك" ظاهرة الجهوية والمناطقية واقعاً متجذراً وكان لابد من التعاطي مع هذا الواقع ولو مرحلياً أو بشكل تدريجي، لان محاولة تجاوزه ربما تُشعل صراعاً جديداً بين الهامش والمركز.
ثانياً: ظروف الحرب والنزاع التي استمرت زمناً طويلاً في كثير من المناطق أدت إلى تنامي الشعور بالغبن والظلم للدرجة التي انعدمت فيها الثقة في المركز ولا يجدي معها الوعود المركزية، إلا أن ترى تلك المناطق نفسها في "مطابخ" القرار السياسي بالمركز دون وصاية من أحد.
ثالثاً: بات جلياً أن "حمدوك" ربما أراد ان يتحاشى المماحكات والخلافات التي وقعت فيها قوى الحرية والتغيير مع الجبهة الثورية، حيث كان الدافع الاقوى للخلافات هو شعور الجبهة الثورية كممثلة لكثير من مناطق الهامش في الغرب والشرق بالإقصاء والالتفاف على المحاصصة السياسية.
رابعاً: ربما أراد "حمدوك" أيضاً أن يُغطي على المحاصصة السياسية بين فصائل قوى التغيير بالمحاصصة المناطقية لتوسيع دائرة المشاركة على اساس مناطقي جغرافي، وذلك لتقليل حدة الصراع السياسي والخلافات باعتبار ان المحاصصة السياسية الحزبية أدعى لإشعال الصراع السياسي أكثر من المحاصصة المناطقية والموازنات الجهوية.
خامساً: اتسمت ثورة ديسمبر بالشمول حيث شكلت ولايات السودان المختلفة منصة لانطلاق الثورة وتفجيرها إذ أصبحت ثورة جميع السودانيين فكان لابد من تمثيل كل المناطق الجعرافية، وهذا هو التبرير الذي يدفع به رئيس الوزراء في ميله لاعتماد معيار المناطقية بشكل طغى على الكفاءات والمعايير الأخرى.
الأسبقيات والتحديات:
إن كان ثمة ملاحظة أخرى هي ما وردت في أول خطاب لرئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك وهي أن السلام يمثل أولى الأولويات بالنسبة لحكومته، وهو أمر ظل يردده منذ قدومه للبلاد رئيساً للوزراء ما يعني أن السلام يشكل هاجساً له ولعله محق تماماً في ذلك، حيث ظلت الحرب الأهلية في البلاد شبحاً يطارد الاستقرار والتنمية والنهضة الاقتصادية ويضاعف من الشعور بالغبن والظلم ويقلل من فرص الوحدة والاندماج الوطني مستقبلاً، لذلك يبقى أن نشير إليه من باب كونه يشكل أهم الأسبقيات والأولويات التي تعتبر الآن أهم التحديات لحكومة حمدوك..
السلام أولاً:
وبإلقاء نظرة شاملة نجد أن ملف السلام يُعد أهم الأولويات التي تمثل هماً وطنياً واستراتيجية كُبرى للحكومة الانتقالية ، وهو الملف الذي يمكن أن يضع حكومة حمدوك أمام خيارين : فإما أن تعبر بسلام ، أو تسقط في مستنقع الصراع. فالسلام بهذه الأهمية والخطورة فإن تحقيقه يمثل جسراً مهماً للعبور إلى ضفة الأمن والاستقرار والنهضة الاقتصادية المرجوة ، وأن الفشل في تحقيق السلام يشكل نكسة كبرى يمكن أن تعيد البلاد إلى النزاع المسلح والحرب الأهلية مرةً أخرى وعلى نحو أشد وطأة وأكثر تدميراً.
الوضع الاقتصادي:
ويظل الوضع الاقتصادي الذي تمر به البلاد واحداً من أكبر التحديات التي تواجه حكومة "حمدوك" ، إذ يأتي بعد السلام في سُلم الأولويات والأسبقيات العاجلة، لذلك يبقى المطلوب من الحكومة الجديدة وضع خطط إسعافية فورية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية الحرجة وإفرازاتها ونتائجها التي تتمثل في شُح السيولة ، والوقود والخبز واستقرار سعر الصرف ومكافحة التضخم والتهريب، وحل الضائقة المعيشية ومعالجة انفلات السوق والمضاربات.
مكافحة الفساد:
وتبدأ هذه الخطوة "مكافحة الفساد" بتقديم كل المتورطين في قضايا فساد من منسوبي النظام المخلوع وغيرهم وكل من أثرى ثراءً غير مشروع إلى المحاكمات العادلة وإتاحة الفرصة أمامهم للدفاع عن أنفسهم ، ومن ثم سد جميع الثغرات التي يتسلل منها الفساد وقطع دابر كل الذرائع التي تفتح الباب واسعاً أمام جهابذته باعتبار أن الفساد يُعد واحداً من أسوأ أسباب الانهيار الاقتصادي ، لكن يبدو ضرورياً محاكمة المتورطين في قضايا الفساد أولاً لأخذ العبرة وتهيئة المسرح السياسي لفضيلة الطهر والنزاهة والعفة والاستقامة إذ لابد أن تمر محاربة الفساد بمعاقبة المفسدين السابقين.

 

تواصل معنا

Who's Online

597 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search