mlogo

السياسة

سياسة

"حميدتي" و"الإسلاميين".. نهاية "الزواج" الاضطراري!!

تحليل: أحمد يوسف التاي
يبدو أنه ثمة ظروف موضوعية مرحلية أرغمت نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو، على التعامل مع "الإسلاميين" بعد نجاح الثورة وسقوط نظامهم، ورغم أن الواقع بكل معطياته يشير إلى أن العلاقة بين "حميدتي" و"الإسلاميين" ليست جيدة منذ ظهوره على قيادة قوات الدعم السريع، خاصة وأن "الإسلاميين" ينظرون إليه على أنه "خطر" يهدد استمرار بقائهم في السلطة، سيما بعد أن قويت شوكة قواته وتمدد انتشارها، ومع ذلك تعامل معهم "مضطراً" بعد نجاح الثورة
خلفية الصراع المكتوم:
عندما انفجرت الخلافات المكتومة بين الرئيس المخلوع عمر البشير وقادة المؤتمر الوطني وتوترت العلاقة بينهما، أصبح البشير لايثق في مؤسسات حزبه وقيادته المدنيين، وكثيراً ما كان يهاجمهم، وانتقد أداء الحزب وقياداته، وعلى خلفية هذا الخلاف المكتوم أعفى البشير كبار قيادات الحزب أمثال علي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع والجاز قبل أن يعود للمشهد مستشاراً للتعامل مع ملف الصين، وبلغ التوتر وعدم الثقة ذروته بعد أن تحركت قيادات وكوادر المؤتمر الوطني مبكراً لقطع الطريق أمام ترشيح البشير لدورة رئاسية خامسة، وبعدها قاد البشير حملة انتقائية بواسطة جهاز الأمن لمحاربة الفساد استهدف من خلالها كل مخالفيه من عضوية حزبه الذي كان يسعى بجد للتخلص منه..
عدم ثقة البشير في قادة حزبه "المؤتمر الوطني" امتدت أيضاً إلى داخل المؤسسة العسكرية وجهاز الأمن، على اعتبار تمدد كوادر الحزب داخل هذه المؤسسات، مما جعل البشير يرمي بثقله في تطوير وتقوية قوات الدعم السريع التي جعلها تابعة للقصر الرئاسي دون الجيش، وأصبح المخلوع البشير يعتمد على قائد الدعم السريع في كل شيء مما أعطاها وقائدها نوعاً من السطوة والصلاحيات على حساب القوات الأخرى، وكان كلما زادت فجوة عدم الثقة بين الرئيس المخلوع وحزبه، أعطى مساحة أكبر لتمدد قوات الدعم السريع وقائدها حميدتي، وكان كلما اشتد الخناق عليه سبقت إشارته باقتراب هذه القوات من العاصمة.
عودة حميدتي:
على الخلفية أعلاه، دخلت قوات حميدتي الخرطوم، وعلى هذه الخلفية أيضاً تشكلت العلاقة بينه والمؤتمر الوطني، وطبقاً لذلك بدأ الأخير ينظر إلى "حميدتي" على أنه أكبر مُهدد لسلطانهم، خاصة وأن الرجل في الأيام الأخيرة للنظام المخلوع أصبح يطلق تصريحات يدعو فيها إلى محاسبة الفاسدين من كوادر ورموز النظام، وذلك من خلال مخاطبة قواته التي كثيراً ما كان يوجهها بعدم التعرض للمتظاهرين الذين وصفهم
بـ"المساكين"وأشار إلى أنهم لايستحقون القتل، بل يستحقه " المسؤولون الفاسدون" الذين قال عنهم أنهم المخربون الحقيقيون وليس هؤلاء المتظاهرين ضد النظام، كما صرح ذات مرة بأن أحمد هارون مكانه السجن وليس الحكم، وغيرها من الإشارات التي تعكس أن العلاقة بينه و"الإسلاميين" علاقة تضاد.
التعامل الاضطراري:
بعد سقوط نظام البشير، تعامل "حميدتي" مع "الإسلاميين" كأمر واقع أرغمته الظروف للتعامل معه، ولكي نفهم حقيقة هذه الظروف المرحلية التي أجبرته على التعامل مع الإسلاميين، لابد أن نستدعي الكثير من الأسباب التي اضطرت قائد قوات الدعم السريع " حميدتي" للتعامل مع الإسلاميين تحت وطأة ظروف معينة، على نحو جعل العلاقة بينهما أشبه بالزواج الاضطراري، ثم يلزمنا الإجابة عن تساؤل جوهري : لماذا قرر حميدتي إنهاء عقد الزواج الاضطراري مع الإسلاميين؟ وما هي الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي شجعته على هذه الخطوة؟..
الدوافع الموضوعية:
قبل الإجابة عن السؤالين المطروحين، لابد من التذكير بأسباب وأوجه التعاون الذي بدأ مرحلياً بين الإسلاميين وقائد قوات الدعم السريع وهو في رأيي بدأ على مرحلتين الأولى بعد نجاح الثورة مباشرةً، حيث وجد "حميدتي" ـ بوصفه نائب رئيس المجلس العسكري الأكثر فاعلية في المشهد ـ وجد صعوبة كبيرة في إزاحة الإسلاميين من المشهد، لجهة أنهم كانوا مسيطرين على كل مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والخدمية، وممسكين بمقابض المؤسسات الاقتصادية والمالية الكبرى، فكان لابد من تعامل مع هذا الواقع. وفي المرحلة الثانية تعامل "حميدتي" مع الإسلاميين وكوادر المؤتمر الوطني ونقاباته وأعضائه من رجالات الإدارة الأهلية للاستقواء بهم في مواجهة قوى الحرية والتغيير، وذلك في غمرة الخلافات مع قوى الحراك الثوري والاستقطاب السياسي الذي ساد الساحة آنذاك.
اضطر "حميدتي" لوضع يده مع واجهات المؤتمر الوطني فأوعز له مستشاروه والمقربين منه بإعادة التنظيمات النقابية للمشهد للاستعانة بهم في مواجهة العصيان المدني، وهو يدرك أن هذه نقابات حزب المؤتمر الوطني والإسلاميين، ورسموا له سياسات وخطط للاستقطاب السياسي وهو يعلم أن هذا هو تخطيط وسياسة الإسلاميين، لكنه مضى في ذات الطريق مضطراً من أجل الاستقواء بحشودهم، كما تعامل "حميدتي" مضطراًـ بوصفه نائب رئيس المجلس ـ مع الإسلاميين عندما كان المجلس يبحث عن حاضنة سياسية يلوذ بها.
إذن.. كانت تلك ظروف اضطرارية محددة أجبرت حميدتي للتعامل المرحلي مع المؤتمر الوطني والإسلاميين رغم توتر العلاقة بين الطرفين.
أسباب الطلاق:
بات واضحاً أن هواجس حميدتي من المؤتمر الوطني قد تزايدت بصورة مزعجة، خاصة بعد حادثتي "الثامن من رمضان" و" فض الاعتصام" اللتين نظر إليهما حميدتي على أنهما "خيانة داخلية" و"فخ" نُصب لقواته بعناية لـ "لف" الحبل على رقبته للقضاء عليه بعد توريط قواته في الحادثتين، ويعزز ذلك التصريحات المتواترة لحميدتي والناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع الذي ذهب صراحة إلى اتهام المؤتمر الوطني والنظام المخلوع بصفة عامة، كما تتهم قوات الدعم السريع جهات تنتحل صفتها وترتدي زيها وتحمل بطاقاتها وهي قوات موجودة داخل قواته ولعل الإشارة هنا واضحة.
ويضاف إلى ذلك ملابسات محاولة الانقلاب الأخيرة التي مهدت الطريق لاعتقال رموز الإسلاميين على طريقة السيسي في مصر رغم اختلاف الملابسات، وتعد هذه الخطوة هي القشة التي قصمت ظهر العلاقة القائمة أصلاً على الشكوك وعدم الثقة بين حميدتي والمؤتمر الوطني، وهي أيضاً الخطوة التي عجلت بإنهاء الزواج الاضطراري بينه و"الإسلاميين" .

 

تواصل معنا

Who's Online

1040 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search